Akhbar Cairo

جدل سبتة ومليلية: هل تحسم الأرقام جوهر أزمة الحدود؟

أزمة تتجدد كلما عادت الأرقام إلى الواجهة

أعادت تصريحات وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا فتح واحد من أكثر ملفات الهجرة حساسية على الحدود الأوروبية الجنوبية: ملف الضحايا الذين سقطوا عند المعابر الفاصلة بين المغرب والجيبَين الإسبانيين في شمال أفريقيا، سبتة ومليلية. الوزير، الذي يتولى حقيبة الداخلية في مدريد منذ 7 يونيو 2018، يتمسك منذ سنوات بخطاب يحمّل شبكات التهريب والاقتحامات الجماعية المسؤولية الأساسية، ويرفض في الوقت نفسه أي تسوية تلقائية لأوضاع من يدخلون الأراضي الإسبانية بطرق غير نظامية. هذا الموقف ليس جديدًا في السياسة الإسبانية، لكنه يكتسب وزنًا أكبر كلما تصاعد الجدل حول عدد الضحايا وحدود المسؤولية القانونية والإنسانية للدولة.

ومن المهم هنا التنبيه إلى أن الوقائع الأكثر توثيقًا دوليًا تتعلق أساسًا بمأساة مليلية يوم 24 يونيو 2022، لا سبتة. ففي ذلك اليوم، حاول أكثر من ألف شخص الوصول إلى الجيب الإسباني عبر السياج الحدودي، وانتهت المحاولة إلى واحدة من أعنف الحوادث المسجلة على هذا الشريط الحدودي منذ سنوات. المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومنظمات حقوقية دولية وثّقت أن الحادثة خلّفت عشرات القتلى والجرحى، مع استمرار خلاف واضح بشأن الحصيلة النهائية الدقيقة.

بين 23 و37 قتيلًا... لماذا يظل الرقم محل نزاع؟

الرقم هو أول ساحة نزاع في هذا الملف. بعد الحادثة مباشرة، تحدثت السلطات المغربية عن 23 وفاة، بينما رفعت منظمات مثل العفو الدولية واللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين تقديراتها إلى 37 قتيلًا على الأقل، مع الحديث أيضًا عن عشرات المفقودين. كما أشار خبراء وآليات أممية إلى أن الوقائع عند معبر “باريو تشينو” بين الناظور ومليلية أسفرت عن ما لا يقل عن 37 وفاة وأكثر من 200 إصابة، مع استمرار غموض مصير آخرين. لذلك، فإن أي رقم أعلى بكثير من هذه الحصيلة يحتاج إلى توثيق رسمي وقضائي واضح قبل اعتباره ثابتًا.

لهذا السبب بالذات، فإن الإشارة إلى 67 قتيلًا في سبتة لا تجد، حتى في المصادر الرسمية والحقوقية المتاحة والموثوقة التي أمكن التحقق منها، ما يسندها بشكل مباشر وواضح. المتاح علنًا يرتبط بمليلية في يونيو 2022، بينما ترتبط سبتة في الذاكرة الحقوقية الأوروبية بحوادث أخرى سابقة، أبرزها واقعة شاطئ تراجال في فبراير 2014 التي قُتل فيها 15 شخصًا غرقًا أثناء محاولة الوصول إلى سبتة. وعليه، فإن القراءة المهنية الأكثر دقة تقتضي عدم التعامل مع الرقم الوارد في الخبر الأصلي باعتباره حقيقة مكتملة من دون مستند علني داعم.

مارلاسكا وخط الدفاع الرسمي

الوزير غراندي-مارلاسكا لم يغيّر جوهر مقاربته منذ تفجرت أزمة مليلية. فوزارة الداخلية الإسبانية دافعت مرارًا عن أداء قوات الأمن الإسبانية، وركزت على أن ما جرى كان نتيجة “هجوم عنيف” على الحدود، وعلى أهمية التعاون الأمني مع المغرب في إدارة الهجرة والحد من نشاط شبكات الاتجار بالبشر. بل إن مدريد والرباط واصلتا بعد الأزمة تعزيز قنوات التنسيق الأمني، وهو ما ظهر أيضًا في بيانات واجتماعات ثنائية لاحقة بين الجانبين، من بينها إعلان مشترك في 10 فبراير 2025 شدد على التعاون الاستراتيجي في ملفات الأمن والهجرة.

هذا الخطاب الرسمي يبدو مفهومًا من زاوية الدولة التي ترى في الحدود مسألة سيادة وأمن قومي، لكنه يظل ناقصًا إذا استُخدم وحده لتفسير المأساة. فحتى لو كانت شبكات التهريب عنصرًا رئيسيًا في دفع المهاجرين إلى المخاطرة، فإن ذلك لا يعفي الحكومات من مراجعة قواعد الاشتباك، وطبيعة الرد الأمني، وسبل الإنقاذ، وإمكانية الوصول إلى إجراءات اللجوء بصورة آمنة وقانونية. هنا بالتحديد يتأسس الخلاف بين الرواية الأمنية والرواية الحقوقية.

لماذا يهم هذا الملف القارئ في مصر؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا تبدو القضية بعيدة كما قد توحي الجغرافيا. ما يحدث عند حدود سبتة ومليلية جزء من مشهد أوسع يخص المتوسط كله: تشديد أوروبي متزايد على ضبط الحدود، وتوسيع الاعتماد على دول العبور والجوار، وتحويل ملف الهجرة إلى ملف أمني في المقام الأول. وهذه مقاربة تترك أثرها على المنطقة بأكملها، من شمال أفريقيا إلى شرق المتوسط. ومن ثم فإن النقاش ليس إسبانيًا داخليًا فحسب، بل هو نقاش أوروبي-متوسطي حول من يدفع الكلفة الإنسانية لسياسات الردع.

كما أن التجربة الإسبانية مهمة لأنها تقدم نموذجًا واضحًا للمفارقة التي تعيشها أوروبا اليوم: حاجة اقتصادية وديموغرافية إلى الهجرة المنظمة من جهة، وتصلب سياسي متزايد تجاه الهجرة غير النظامية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تتحول الجيوب الحدودية مثل سبتة ومليلية إلى مختبر عملي لسياسات المنع قبل الوصول، حيث يتقدم الأمن على ما عداه.

التحقيقات والانتقادات: أين تقف المؤسسات؟

الانتقادات لم تأت فقط من منظمات غير حكومية. فمؤسسات أوروبية وأممية تابعت الواقعة وطالبت بتوضيح الظروف الدقيقة للمأساة. المفوضية الأوروبية قالت صراحة إنها تأسف لفقدان الأرواح، وإن الملابسات تحتاج إلى توضيح، بينما ناقش البرلمان الأوروبي ما وصفه بالعنف والمعاملة اللاإنسانية على الحدود الإسبانية-المغربية. وفي إسبانيا نفسها، أُثيرت أسئلة قانونية حول عمليات الإعادة الفورية. وثيقة منشورة عبر مؤسسة أمين المظالم الإسباني أشارت إلى أن التحقيق في المأساة خَلُص إلى وجود 470 عملية رد فوري في ذلك اليوم، وهو رقم يعكس حجم المقاربة الأمنية في إدارة الموقف.

لكن المشكلة الأعمق أن تعدد الجهات المعنية، بين إسبانيا والمغرب والاتحاد الأوروبي، يجعل المساءلة موزعة إلى حد يضعف فعاليتها. وعندما تتوزع المسؤولية، يصبح من السهل سياسيًا التمسك بخطاب يحمّل “المافيا” أو “المهربين” المسؤولية الكاملة، حتى لو كان ذلك صحيحًا جزئيًا فقط. الحقيقة أن الكارثة عادة ما تكون نتيجة تفاعل بين ثلاثة عناصر: شبكات تهريب تستغل اليأس، وحدود شديدة العسكرة، وغياب مسارات قانونية كافية لطلب الحماية أو الهجرة النظامية.

هل رفض التسوية يردع الهجرة فعلًا؟

من منظور سياسي قصير المدى، قد يبدو تشدد مدريد منطقيًا: أي إشارة إلى إمكان تسوية أوضاع الداخلين بطرق غير نظامية قد تُقرأ باعتبارها عامل جذب إضافي. غير أن التجربة الأوروبية الأوسع لا تقدم دليلًا حاسمًا على أن الردع وحده يكفي. فكلما أُغلق مسار، ظهر مسار أكثر خطورة؛ وكلما تصاعدت القيود، ارتفعت أرباح المهربين. هذا ما يجعل خطاب الرفض الصارم مفيدًا انتخابيًا أحيانًا، لكنه أقل إقناعًا حين يُقاس بمعيار تقليل الخسائر البشرية على الأرض.

في حالة سبتة ومليلية تحديدًا، يبدو أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إسبانيا ستُسوّي أوضاع من دخلوا بالفعل، بل ما إذا كانت أوروبا تملك تصورًا واقعيًا للهجرة يوازن بين حماية الحدود وحماية البشر. وإذا كان الجدل قد عاد اليوم بسبب رقم صادم أو تصريح جديد، فإن أصل الأزمة أقدم وأعمق من أي حصيلة معلنة: إننا أمام حدود تُدار بمنطق الطوارئ الدائمة، فيما يستمر البشر في الوصول إليها بدافع الفقر أو الحرب أو انسداد الأفق.

خلاصة تحليلية

التعامل مع أرقام الضحايا يجب أن يكون صارمًا ودقيقًا، خصوصًا في ملف شديد الاستقطاب كهذا. ما أمكن التحقق منه بوضوح هو أن مأساة مليلية في 24 يونيو 2022 أوقعت عشرات القتلى، مع اختلاف موثق حول الحصيلة بين الأرقام الرسمية والتقديرات الحقوقية. أما الخطاب السياسي الذي يحمّل المهربين المسؤولية ويرفض تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، فهو يعكس اتجاهًا أوروبيًا متزايدًا نحو الأمننة، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال العدالة ولا عن كيفية منع تكرار المأساة. بالنسبة لقراء مصر، الدرس الأوسع هو أن ملف الهجرة في المتوسط لن يُحسم بالأسوار فقط، بل بسياسات أكثر شفافية وإنسانية وواقعية في آن واحد.