جدل مصري حول أداء البترول: الاستيراد يضمن الإمدادات
نقاش متجدد حول حصيلة وزارة البترول في مصر
أعاد تصريح الدكتور محمد فؤاد، الذي اعتبر فيه أن وزير البترول نجح في ملف المشتريات وتوفير الطاقة عبر الاستيراد، لكنه لم يحقق التقدم الكافي في الإنتاج المحلي والاكتشافات، فتح باب النقاش حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في الاقتصاد المصري: أمن الطاقة، وقدرة الدولة على الموازنة بين تلبية الطلب المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد.
الملف لا يقتصر على خلاف سياسي أو تقييم برلماني، بل يرتبط أيضًا بسوق طاقة عالمي سريع التقلب، وبحقيقة فنية معروفة في صناعة الغاز، وهي أن الحقول القديمة تتعرض لما يسمى التناقص الطبيعي في الإنتاج، ما يفرض على أي دولة إما تعويض التراجع بحفر جديد واكتشافات إضافية، أو اللجوء إلى الاستيراد لسد الفجوة.
ماذا تحقق في جانب الإمدادات؟
البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة البترول والثروة المعدنية تُظهر أن الحكومة ركزت خلال 2025 وبداية 2026 على تجنب أي نقص حاد في الوقود والغاز، خاصة في ذروة الصيف. وفي كلمة ألقاها المهندس كريم بدوي يوم 15 فبراير 2026، قال إن القطاع نجح في إنشاء منظومة متكاملة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال عبر سفن التغييز بطاقة تصل إلى 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا، بما يسمح بتنويع مصادر الإمداد وتأمين احتياجات السوق المحلية خلال السنوات الخمس المقبلة. كما أشار إلى أن صيف 2025 شهد أعلى معدلات استهلاك للكهرباء في تاريخ مصر، مع توفير قدرات بلغت 40 جيجاوات يوميًا.
هذا الجانب يمنح وجاهة لجزء من تقييم محمد فؤاد، إذ إن الدولة بالفعل تحركت بقوة على محور الشراء والاستيراد وتأمين الوقود، سواء من خلال الغاز المسال أو عبر التنسيق مع وزارة الكهرباء، لتفادي اضطرابات أوسع في الإمداد خلال فترات الضغط المرتفع على الشبكة.
لكن أين يقف ملف الإنتاج المحلي؟
في المقابل، لا تخفي وزارة البترول نفسها أن زيادة الإنتاج ما زالت تمثل التحدي الأكبر. ففي أكثر من مناسبة رسمية خلال 2026، تحدث الوزير عن خطة خمسية تستهدف تكثيف الاستكشاف والإنتاج، مع طرح 64 فرصة استثمارية عبر بوابة مصر الرقمية للاستكشاف، إلى جانب برنامج طموح لحفر 484 بئرًا استكشافيًا خلال خمس سنوات، منها 101 بئر خلال العام الجاري.
هذه الأرقام تعكس أن الحكومة لا تتعامل مع المسألة باعتبارها منتهية، بل باعتبارها أزمة تحتاج إلى استثمارات كبيرة وتقنيات أحدث، خصوصًا في مناطق البحر المتوسط والصحراء الغربية. كما أعلنت الوزارة في 8 أبريل 2026 أن مستحقات الشركاء الأجانب تراجعت من 6.1 مليار دولار بنهاية يونيو 2024 إلى نحو 1.3 مليار دولار، وهي خطوة تراهن عليها القاهرة لإعادة تنشيط الاستثمار الأجنبي في أنشطة البحث والإنتاج.
غير أن وجود خطط واستثمارات مرتقبة لا يعني بالضرورة أن الفجوة أُغلقت بالفعل. وهنا تبرز النقطة التي يستند إليها منتقدو الأداء: النجاح في إدارة الأزمة لا يساوي بالضرورة النجاح في حل جذورها.
هل تراجعت الاكتشافات فعلًا؟
القول بوجود فشل مطلق في الاكتشافات لا تدعمه الصورة الكاملة. فمنذ أواخر 2025 وخلال 2026 أُعلنت عدة نتائج اعتبرتها الوزارة إيجابية. ففي 7 أبريل 2026 أعلنت وزارة البترول عن كشف غازي مهم في البحر المتوسط هو Denise W-1 بمنطقة امتياز تمساح قبالة بورسعيد، بواسطة شركة إيني، مع تقديرات أولية تشير إلى 2 تريليون قدم مكعب من الغاز و130 مليون برميل من المتكثفات المصاحبة.
كذلك أعلنت الوزارة، ونقلته بوابة الأهرام في 28 مايو 2026، نتائج مبشرة للبئر مينا غرب-1 في حقل غرب مينا بالبحر المتوسط، ضمن مشروع تنفذه شل وكوفبيك عبر شركة رشيد للبترول. وأظهرت الاختبارات الأولية إنتاجًا يوميًا يقدر بنحو 45 مليون قدم مكعب من الغاز ونحو ألف برميل متكثفات، مع إمكانية رفع المعدلات إلى 80 مليون قدم مكعب يوميًا بعد الربط على التسهيلات الإنتاجية. كما تستهدف المرحلة الأولى من تنمية الحقل إضافة 160 مليون قدم مكعب يوميًا و3 آلاف برميل متكثفات خلال الربع الرابع من 2026.
بمعنى آخر، الاكتشافات موجودة، وبعضها كبير نسبيًا، لكن السؤال الأهم في السوق المصري ليس فقط عدد الاكتشافات، بل سرعة تحويلها إلى إنتاج فعلي وقدرتها على تعويض الانخفاض الطبيعي في الحقول القائمة.
لماذا لا ينعكس كل كشف جديد فورًا على السوق؟
في الصناعات الاستخراجية، الإعلان عن كشف لا يعني دخول الغاز أو النفط إلى الشبكة في اليوم التالي. فهناك مراحل تشمل التقييم، واختبارات الإنتاج، وإنشاء المنصات أو خطوط الربط، وحفر آبار تقييمية وتنموية. ولهذا شددت وزارة البترول على أن كشف Denise W-1 ما زال في مرحلة التجهيز للاختبارات وتحديد معدلات الإنتاج، قبل استكمال أعمال التنمية.
هذا الفاصل الزمني يفسر لماذا تبدو تصريحات الحكومة وملاحظات المنتقدين صحيحة جزئيًا في الوقت نفسه: نعم، توجد اكتشافات وخطط توسع، لكن أثرها الكامل على الإنتاج المحلي لم يظهر بعد بالقدر الذي ينهي الاعتماد على الواردات.
بين البحر المتوسط والسوق العالمية
زاوية “العالم” في هذه القضية مهمة، لأن ما يجري في مصر ليس معزولًا عن المشهد الدولي. فشرق المتوسط لا يزال من أكثر الأحواض الجاذبة لشركات الطاقة العالمية، مع استمرار اهتمام شركات مثل إيني وبي بي وشل وشيفرون وإكسون موبيل وأباتشي بالاستثمار في مصر. وتقول وزارة البترول إن شركات إيني وبي بي وأركيوس تستهدف ضخ استثمارات بنحو 16.7 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.
هذا الارتباط بالشركات الدولية يوضح أن مستقبل الغاز المصري يتوقف على عاملين: الأول هو قدرة الدولة على تقديم بيئة تعاقدية وتمويلية مستقرة، والثاني هو بقاء البحر المتوسط منطقة واعدة تجاريًا في ظل المنافسة العالمية على رؤوس الأموال الموجهة للطاقة، وخاصة مع التحول الدولي التدريجي نحو الطاقة المتجددة.
الخلاصة: تقييم مركب لا يحتمل التبسيط
القراءة الهادئة تشير إلى أن تصريح محمد فؤاد يلتقط جانبًا حقيقيًا من المشهد، وهو أن تأمين الإمدادات عبر الاستيراد كان أحد أبرز نجاحات وزارة البترول خلال الفترة الأخيرة. لكن وصف الأداء بأنه فشل كامل في الإنتاج والاكتشافات يتجاهل أيضًا ما أُعلن من حفر جديد، واكتشافات في البحر المتوسط ودلتا النيل والصحراء الغربية، وخطط استثمارية واسعة يجري تنفيذها.
التحدي الحقيقي أمام الحكومة المصرية اليوم لا يكمن في العثور على تصريحات متفائلة أو انتقادات حادة، بل في الإجابة عن سؤال واحد: متى تتحول الاكتشافات الجديدة والاستثمارات المعلنة إلى زيادة ملموسة ومستدامة في الإنتاج المحلي تقلص الحاجة إلى الاستيراد؟
حتى الآن، تبدو الصورة كالتالي: الوزارة نجحت في تفادي أزمة إمدادات أكبر، لكنها لا تزال أمام اختبار أصعب، وهو استعادة نمو الإنتاج بوتيرة أسرع من تراجع الحقول القديمة. وهذا الاختبار هو الذي سيحدد في النهاية ما إذا كانت مصر تتحرك من مرحلة إدارة العجز إلى مرحلة استعادة التوازن في سوق الطاقة.