جرينلاند تفند مزاعم ترامب عن تنقيب وشيك للنفط والمعادن
جرينلاند ترد على تصريحات ترامب: لا تنقيب واسع وشيك كما قيل
رفضت سلطات جرينلاند التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن اقتراب بدء عمليات واسعة لاستخراج النفط والغاز والمعادن من الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي، معتبرة أن هذا الطرح لا يعكس الواقع القانوني والتنظيمي للمشروعات القائمة هناك. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه القضية لا تتعلق فقط بخلاف سياسي عابر، بل بملف دولي يرتبط بالطاقة والموارد النادرة والمنافسة الجيوسياسية في منطقة تزداد حساسيتها عامًا بعد عام.
الجدل تجدد بعد منشور لترامب تحدث فيه عن انطلاق ما وصفه باستغلال كبير لموارد جرينلاند. لكن تقارير دولية حديثة أوضحت أن الحكومة المحلية في جرينلاند سارعت إلى نفي فكرة وجود انطلاقة فورية أو واسعة النطاق، خاصة في قطاع النفط والغاز، الذي يخضع أصلًا لقيود سياسية وبيئية صارمة منذ سنوات.
ما الذي قالته جرينلاند فعليًا؟
بحسب ما ورد في تغطيات إخبارية حديثة، فإن يورجن هامّكن-هولم، نائب وزير شؤون الموارد المعدنية في جرينلاند، أقر بوجود اهتمام ونشاط من شركات أمريكية، لكنه لم يؤكد وجود عمليات ضخمة ووشيكة كما أوحت تصريحات ترامب. المعنى هنا مهم: هناك اهتمام استثماري ومتابعة لمشروعات الموارد، لكن ذلك لا يعني أن الجزيرة فتحت الباب أمام موجة تنقيب فورية أو غير مقيدة.
هذا الموقف يتسق مع الإطار الرسمي المعلن من حكومة جرينلاند، التي تؤكد أن أي نشاط في قطاع الموارد الطبيعية يمر عبر مسارات ترخيص ومراجعات بيئية ومجتمعية معقدة، وأن الأمر لا يُحسم بتصريحات سياسية من خارج الجزيرة.
وقف التراخيص النفطية الجديدة منذ 2021
أحد أهم الحقائق التي تفسر الرد الغاضب من جرينلاند أن الحكومة أعلنت في يونيو 2021 وقف الاستراتيجية النفطية السارية آنذاك، وقررت عدم إصدار تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط، استنادًا إلى اعتبارات بيئية ومناخية، مع تأكيد رسمي بأن مستقبل الجزيرة لا ينبغي أن يُبنى على النفط. كما جرى لاحقًا إغلاق إجراءات مفتوحة كانت تسمح بطلبات حصرية للتنقيب في بعض المناطق البرية بغرب جرينلاند.
بمعنى آخر، الحديث عن بدء واسع ووشيك لمشروعات نفطية جديدة لا ينسجم مع السياسة المعلنة لجرينلاند خلال السنوات الأخيرة. صحيح أن بعض التراخيص القديمة ما زالت قائمة في مناطق محددة، لكن استمرارها لا يساوي منح ضوء أخضر لاستخراج فوري، كما أن أي انتقال من الاستكشاف إلى الإنتاج يتطلب موافقات إضافية ومراجعات مطولة.
مشروعات قائمة.. لكن الطريق إلى الإنتاج ما زال طويلًا
السلطات في جرينلاند أوضحت كذلك، في شرح رسمي يتعلق بمشروع نوناب قيقا/جيمسون لاند في شرق جرينلاند، أن التراخيص القديمة الصادرة قبل قرار 2021 لا تزال قائمة من الناحية القانونية، لكن هذا لا يعني إمكان بدء الحفر أو الإنتاج فورًا. فالحكومة شددت على أن أعمال الحفر لا يمكن أن تبدأ قبل اعتماد تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي ومرورها بمشاورات عامة وموافقات حكومية نهائية.
كما أكدت السلطات أن هذه الرخص لا تعني ثبوت وجود كميات تجارية قابلة للاستخراج، ولا تعني اتخاذ قرار بالإنتاج. هذه النقطة شديدة الأهمية، لأن كثيرًا من الجدل السياسي حول جرينلاند يخلط بين وجود موارد محتملة تحت الأرض وبين وجود صناعة استخراج جاهزة للانطلاق.
لماذا تظل المعادن أولوية مختلفة عن النفط؟
على خلاف النفط والغاز، تواصل جرينلاند العمل على تطوير قطاع المعادن ضمن استراتيجية رسمية للموارد المعدنية للفترة 2025-2029. هذه الاستراتيجية تركز على جذب استثمارات في معادن تعتبر مهمة للتحول الصناعي والطاقة النظيفة، مع التشديد في الوقت نفسه على المعايير البيئية والبنية التحتية وتدريب العمالة المحلية.
الوثائق الحكومية تشير إلى أن تطوير المناجم في جرينلاند يرتبط بعوامل صعبة، منها بُعد المواقع، وارتفاع تكاليف النقل، والحاجة إلى موانئ وطرق وشبكات طاقة مناسبة. ولهذا فإن وجود معادن مهمة، بما فيها المعادن الحرجة والنادرة، لا يعني تلقائيًا أن استغلالها سيكون سريعًا أو واسعًا. فالمسألة في النهاية اقتصادية ولوجستية بقدر ما هي سياسية.
كما أن جرينلاند سبق أن شددت على نهج أكثر تحفظًا في بعض الملفات الحساسة، من بينها القيود المتعلقة باليورانيوم، في إشارة إلى أن الحكومة تحاول الموازنة بين تنمية الموارد والحساسيات البيئية والاجتماعية.
خلفية سياسية: لماذا يركز ترامب على جرينلاند؟
الجزيرة تحظى باهتمام أمريكي متزايد بسبب موقعها الاستراتيجي بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، إلى جانب ما يُعتقد أنه مخزون مهم من المعادن. وفي سبتمبر 2026 أُعلن اتفاق بين جرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة لتعزيز الأمن في القطب الشمالي وشمال الأطلسي، وهو اتفاق أبقى جرينلاند ضمن السيادة الدنماركية مع توسيع التعاون الأمني. لكن هذا المسار الأمني لا يعني تلقائيًا أن ملف الموارد الطبيعية حُسم بالطريقة التي يصورها الخطاب السياسي الأمريكي.
ومنذ مطلع 2026، كرر قادة جرينلاند رفضهم لفكرة تقرير مستقبل الجزيرة من الخارج، مؤكدين أن القرار يعود لشعب جرينلاند ومؤسساته. لذلك فإن أي حديث عن مواردها الطبيعية يلامس سريعًا مسألة السيادة، وليس فقط الاستثمار والطاقة.
ماذا يعني ذلك اقتصاديًا وسياسيًا؟
الرسالة الأساسية من رد جرينلاند هي أن الاستثمار الأجنبي مرحب به عندما يتحرك داخل الأطر القانونية المحلية، لكنه لا يمكن أن يتجاوز قرارات الحكومة المنتخبة أو سياساتها البيئية. وهذا مهم أيضًا لقراءة أسواق الطاقة والمعادن عالميًا: فحتى في المناطق الغنية بالموارد، لا يكفي وجود احتياطات محتملة لكي تبدأ الصناعة غدًا.
بالنسبة لمصر والمنطقة العربية، يظل الملف جديرًا بالمتابعة لأن المعادن الحرجة تدخل في صناعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة وسلاسل الإمداد العالمية، وهي قطاعات تؤثر بدورها في الأسعار والاستثمارات واتجاهات التجارة الدولية. لكن التطورات الحالية في جرينلاند تشير إلى أن الطريق ما زال طويلًا قبل الحديث عن طفرة استخراجية كبرى.
الخلاصة
رغم الضجة التي أثارتها تصريحات ترامب، فإن المعطيات الرسمية المتاحة لا تدعم فكرة انطلاق وشيك لعمليات واسعة لاستخراج النفط والغاز والمعادن في جرينلاند. الواقع أن الحكومة أوقفت منح تراخيص نفط جديدة منذ 2021، وما تبقى من مشروعات قديمة ما زال خاضعًا لسلسلة طويلة من الاشتراطات البيئية والتنظيمية. أما في قطاع المعادن، فهناك بالفعل اهتمام أكبر، لكن ضمن استراتيجية تدريجية وحذرة، لا ضمن اندفاعة فورية كما صُوِّر في التصريحات السياسية.