Akhbar Cairo

جزر الكوريل تعيد توتير المثلث الروسي الياباني الصيني

جزر الكوريل تعود إلى صدارة التوتر في شرق آسيا

عاد ملف جزر الكوريل، أو ما تسميه اليابان «الأقاليم الشمالية»، إلى واجهة التوتر الدبلوماسي في شمال شرق آسيا بعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للجزر الخاضعة لسيطرة موسكو والمتنازع عليها مع طوكيو. الزيارة فجّرت احتجاجًا يابانيًا رسميًا، قبل أن يأتي رد صيني حاد يؤكد أن على اليابان «احترام نتائج الحرب العالمية الثانية» وعدم الطعن في الترتيبات التي تشكلت بعد انتهائها.

التطور لا يخص العلاقات الروسية اليابانية وحدها، بل يكشف أيضًا عن تقاطع المصالح بين موسكو وبكين في مواجهة المواقف اليابانية، في لحظة إقليمية حساسة تشهد تصاعدًا في الاستقطاب العسكري والسياسي في شرق آسيا. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ما يجري هناك يهم فهم خرائط النفوذ الكبرى في القارة الأوسع الممتدة من المحيطين الهندي والهادئ إلى أفريقيا، خاصة مع تأثير هذه التوترات على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

ماذا حدث في الساعات الأخيرة؟

في 13 أغسطس 2026، قام بوتين بزيارة إلى جزر الكوريل، في خطوة وصفتها وكالة أسوشيتد برس بأنها أول زيارة له إلى الأرخبيل الواقع في المحيط الهادئ والذي تطالب به اليابان أيضًا. وعلى أثر الزيارة، قدمت طوكيو احتجاجًا دبلوماسيًا، معتبرة أن التحرك الروسي غير مقبول ويتعارض مع الموقف الياباني الثابت بشأن السيادة على الجزر الأربع الجنوبية من السلسلة.

السفارة الروسية في طوكيو رفضت الاحتجاج، وأكدت أن «الكوريل الجنوبية جزء لا يتجزأ من الاتحاد الروسي» وأن وضعها الحالي نتج عن الحرب العالمية الثانية وعلى أسس دولية تعتبرها موسكو مشروعة. وخلال حديثه على متن سفينة حربية مشاركة في تدريبات بحرية، شدد بوتين على أن الوضع القائم للجزر مثبت في وثائق دولية باعتباره نتيجة مباشرة لمخرجات الحرب العالمية الثانية.

الرد الصيني: التاريخ في قلب الموقف

بكين دخلت على الخط من زاوية تاريخية وسياسية مألوفة في خطابها تجاه طوكيو. فوزارة الخارجية الصينية دأبت في ملفات خلافية عدة مع اليابان على التذكير بأن على الحكومة اليابانية الالتزام بالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية واحترام نتائجه. وفي وثائق وتصريحات صينية رسمية خلال 2026، كررت بكين أن أي خطاب أو سلوك يطعن في هذا الإرث يمثل تحديًا للنظام الدولي بعد الحرب.

هذا السياق يفسر نبرة الرد الصيني على الاحتجاج الياباني بشأن زيارة بوتين. فالصين، التي تشهد بدورها توترات حادة مع اليابان في ملفات بحر الصين الشرقي والجنوبي وتايوان والإنفاق العسكري، ترى أن إعادة فتح ملفات السيادة التي تعتبرها محسومة تاريخيًا وقانونيًا تمثل جزءًا من نزعة يابانية أوسع تحاول بكين احتواءها سياسيًا ودعائيًا.

لماذا تمثل جزر الكوريل عقدة مزمنة؟

النزاع يعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. اليابان تؤكد، بحسب مواد تعريفية منشورة على موقع وزارة خارجيتها، أن الاتحاد السوفيتي دخل الحرب ضدها في أغسطس 1945 ثم سيطر على الجزر الأربع التي تسميها طوكيو «الأقاليم الشمالية»: إيتوروب وكوناشير وشيكوتان ومجموعة هابوماي. ومنذ ذلك الوقت، بقي الخلاف حول السيادة عقبة أساسية أمام توقيع معاهدة سلام نهائية بين البلدين.

أما روسيا، فتعتبر أن سيادتها على الجزر نهائية وغير قابلة للنقاش لأنها نتجت عن الترتيبات الدولية التي أعقبت الحرب. هذا التناقض الجذري في السردية القانونية والتاريخية هو ما يجعل كل زيارة يقوم بها مسؤول روسي رفيع، خصوصًا إذا كان الرئيس نفسه، سببًا مباشرًا لتجدد الأزمة.

أبعاد تتجاوز الخلاف الثنائي

اللافت في الأزمة الحالية أن توقيتها يأتي وسط بيئة إقليمية أكثر توترًا من السنوات السابقة. فالصين تواصل انتقاد ما تصفه بزيادة النزعة العسكرية اليابانية، بينما تراقب موسكو عن كثب توسع التعاون الأمني بين اليابان والولايات المتحدة وشركاء آخرين في آسيا. وفي يوليو 2026، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن موسكو ترفض احتجاجات اليابان المتعلقة بالتحركات الروسية الصينية المشتركة، داعية طوكيو إلى الاعتراف الكامل بنتائج الحرب العالمية الثانية.

هذا التلاقي الروسي الصيني لا يعني تطابقًا كاملاً في كل الملفات، لكنه يوضح وجود أرضية مشتركة في مواجهة الضغوط اليابانية والغربية في شرق آسيا. ومن هنا، فإن احتجاج اليابان على زيارة بوتين لم يبق في إطار ثنائي، بل تحوّل سريعًا إلى مناسبة جديدة لإظهار التنسيق السياسي بين موسكو وبكين.

كيف تنظر اليابان إلى الملف الآن؟

رغم أن الملف قديم، فإن اليابان لا تزال تتعامل معه باعتباره قضية سيادة وطنية غير مغلقة. وتظهر مواد وزارة الخارجية اليابانية، بما فيها الأدلة التعريفية الخاصة بـ«الأقاليم الشمالية»، أن طوكيو تواصل المطالبة بالجزر وتربط حل القضية بإبرام معاهدة سلام مع روسيا. كما تواصل الحكومة اليابانية تنظيم فعاليات وتوعية داخلية مرتبطة بهذا الملف، بما يعكس أنه لا يزال حاضرًا في الذاكرة السياسية الوطنية.

غير أن هامش الحركة الياباني يبدو أضيق اليوم مقارنة بمراحل سابقة، بسبب تدهور علاقاتها مع موسكو منذ الحرب في أوكرانيا، وبسبب تصاعد الاحتكاك الاستراتيجي مع الصين. ولذلك، فإن الاحتجاجات اليابانية، رغم استمرارها، لا تبدو حتى الآن قادرة على تعديل الوقائع الميدانية التي ترسخها روسيا على الأرض.

لماذا يهم هذا التطور المتابع المصري؟

من منظور مصري وأفريقي، قد يبدو النزاع بعيدًا جغرافيًا، لكنه ليس معزولًا عن مصالح المنطقة. أي توتر بين قوى كبرى في الممرات البحرية الآسيوية ينعكس على التجارة الدولية، وأسعار الشحن، وتأمين الإمدادات، وهي ملفات تهم الاقتصادات الأفريقية بشدة، بما فيها مصر المرتبطة بحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس.

كما أن التوترات في شرق آسيا تعيد تشكيل أولويات القوى الكبرى في مجالات الدفاع والطاقة والاستثمار، وهي تحولات تراقبها العواصم الأفريقية عن قرب، خاصة في ظل التنافس المتزايد على النفوذ والموانئ والبنية التحتية عبر القارة.

إلى أين تتجه الأزمة؟

من غير المرجح أن تفضي هذه الجولة إلى تغير سريع في المواقف. روسيا متمسكة بتكريس سيادتها الفعلية على الجزر، واليابان ستواصل تسجيل اعتراضاتها الرسمية، بينما تستخدم الصين القضية لتشديد الضغط السياسي على طوكيو وربطها بسردية ما بعد الحرب العالمية الثانية.

المؤكد أن زيارة بوتين (@russian_kremlin على إنستغرام) أعادت إحياء واحد من أقدم النزاعات الإقليمية في آسيا في توقيت شديد الحساسية. وبين احتجاج ياباني ورد صيني داعم لموسكو، تبدو جزر الكوريل مرة أخرى أكثر من مجرد أرخبيل متنازع عليه؛ إنها مرآة لصراع أوسع على التاريخ والشرعية وموازين القوة في الإقليم.

  • الجزر محل النزاع: إيتوروب، كوناشير، شيكوتان، هابوماي.
  • الموقف الروسي: الجزر جزء من روسيا بنتائج الحرب العالمية الثانية.
  • الموقف الياباني: الجزر أراضٍ يابانية محتلة وتظل شرطًا أساسيًا لمعاهدة السلام.
  • الموقف الصيني: ضرورة احترام نتائج الحرب العالمية الثانية والنظام الدولي الذي أعقبها.