Akhbar Cairo

جوتيريش في دمشق: أول زيارة لأمين عام الأمم المتحدة منذ 2009

جوتيريش يصل إلى دمشق في زيارة تحمل رسائل تتجاوز البروتوكول

وصل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى العاصمة السورية دمشق صباح السبت 25 يوليو 2026، في زيارة وُصفت بأنها محطة سياسية ودبلوماسية بارزة في مسار العلاقة بين المنظمة الدولية وسوريا. وبحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا، كان في استقباله في مطار دمشق الدولي وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، إلى جانب الوفد المرافق له.

وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها أول زيارة لأمين عام الأمم المتحدة إلى سوريا منذ عام 2009، كما أنها الزيارة الأولى لغوتيريش نفسه إلى البلاد منذ توليه منصب الأمين العام في 1 يناير 2017. ووفق البرنامج الرسمي المنشور على موقع الأمم المتحدة، غادر غوتيريش عمّان يوم الجمعة 24 يوليو 2026 على أن يصل إلى دمشق يوم السبت 25 يوليو 2026، ما يؤكد الطابع الرسمي للتحرك الأممي وتوقيته المحدد ضمن أجندة معلنة.

لماذا تحظى الزيارة بكل هذا الاهتمام؟

في السياق العربي، لا تبدو هذه الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي بين مسؤول دولي رفيع والسلطات السورية، بل تأتي وسط مرحلة تشهد فيها سوريا محاولات متزايدة لإعادة توسيع حضورها الدبلوماسي والإقليمي، بالتوازي مع بقاء ملفات شائكة على الطاولة، من بينها الوضع الإنساني، واحتياجات إعادة التعافي، والملف الأمني، ومسارات التسوية السياسية.

الأمم المتحدة كانت قد مهّدت للزيارة علناً قبل أيام. ففي إحاطة صحفية نُشرت في 21 يوليو 2026، أُعلن أن غوتيريش سيلتقي في دمشق الرئيس أحمد الشرع، إلى جانب مسؤولين حكوميين آخرين، وبينهم وزير الخارجية أسعد الشيباني. كما أشارت الإحاطة إلى أن الأمين العام يعتزم أيضاً زيارة عناصر قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف)، وهو ما يعكس أن الزيارة لا تقتصر على البعد السياسي، بل تمتد إلى الشق الأمني المرتبط بوجود الأمم المتحدة على الأرض السورية.

توقيت حساس إقليمياً ودولياً

تأتي زيارة غوتيريش إلى دمشق في لحظة إقليمية معقدة، مع استمرار التوترات الأمنية في محيط سوريا، وتزايد الحديث داخل المؤسسات الدولية عن هشاشة الأوضاع في بعض المناطق السورية، خصوصاً في الجنوب. كما أن مجلس الأمن كان قد ناقش خلال الأيام الماضية تطورات الملف السوري، في جلسة سلطت الضوء على الأوضاع الميدانية والإنسانية، بالتزامن مع استعداد الأمين العام للتوجه إلى دمشق.

ومن منظور يهم القارئ المصري والعربي، فإن أي انخراط أممي مباشر بهذا المستوى في سوريا يبقى وثيق الصلة باستقرار المشرق العربي ككل. فالقضية السورية لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل ملفاً إقليمياً تتقاطع فيه اعتبارات الأمن، واللاجئين، والاقتصاد، وحركة التجارة، وإعادة الإعمار، والعلاقات العربية-الدولية. ومن هنا، فإن الزيارة تحمل وزناً يتجاوز حدود العاصمة السورية إلى المشهد العربي الأوسع.

ما الذي يمكن أن يُطرح على جدول الأعمال؟

حتى الآن، لم تُنشر تفاصيل كاملة عن كل اجتماعات غوتيريش في دمشق، لكن المؤشرات الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة توحي بأن النقاشات ستشمل أكثر من ملف، على رأسها:

  • الوضع الإنساني واحتياجات المدنيين في مناطق مختلفة من سوريا.
  • التعاون بين دمشق والأمم المتحدة في القضايا الإغاثية والتنموية.
  • الترتيبات الأمنية ذات الصلة بعمل بعثات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها أندوف.
  • المسار السياسي وما يرتبط به من جهود دولية لدعم الاستقرار.
  • إعادة الانخراط الدولي مع سوريا في مرحلة ما بعد سنوات العزلة والصراع.

كما أن مجرد انعقاد لقاءات على هذا المستوى يبعث برسالة مفادها أن دمشق عادت إلى واجهة المتابعة الدولية المباشرة، لا سيما في ضوء الزيارات والتحركات الدبلوماسية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الأخيرة.

أول زيارة منذ 2009... ودلالة الفاصل الزمني

الفاصل الزمني الطويل بين زيارة 2009 والوصول الحالي لغوتيريش يختصر حجم التحولات التي مرت بها سوريا خلال ما يزيد على عقد ونصف. فمنذ اندلاع الحرب في 2011، ظل الحضور الأممي في الملف السوري قائماً عبر المبعوثين والوكالات والبعثات والقرارات الأممية، لكن زيارة الأمين العام نفسه إلى دمشق بقيت غائبة لسنوات طويلة.

لذلك، فإن استئناف هذا المستوى من الزيارات يعبّر عن تغير في طبيعة اللحظة السياسية، حتى لو كان من المبكر البناء على الزيارة باعتبارها نقطة تحول نهائية. فالمشهد السوري لا يزال معقداً، وأي تقدم فعلي سيظل مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المختلفة على تحويل اللقاءات الدبلوماسية إلى تفاهمات عملية.

ماذا تعني الزيارة لسوريا عربياً؟

بالنسبة للمنطقة العربية، تمثل الزيارة إشارة إلى أن سوريا عادت لتكون بنداً حاضراً بقوة في جدول الأعمال الدولي، لكن من زاوية مختلفة عن سنوات الحرب الأولى. اليوم، يتركز الاهتمام بصورة أكبر على إدارة الاستقرار، وفتح قنوات التعاون، ومعالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بمتابعة الصدامات العسكرية فقط.

وهنا تظهر أهمية متابعة هذا التطور من القاهرة والعواصم العربية؛ لأن أي تحرك أممي تجاه دمشق ستكون له انعكاسات على ملفات إقليمية مترابطة، تشمل أمن الحدود، وعودة اللاجئين، وشبكات النقل والطاقة، وإيقاع العلاقات العربية مع المؤسسات الدولية. كما أن مصر، بحكم ثقلها الإقليمي وموقعها في النظام العربي، تتابع بطبيعة الحال أي تطور يخص استقرار دولة مركزية في المشرق مثل سوريا.

بين الرمزية والنتائج المنتظرة

الزيارة في حد ذاتها تحمل رمزية عالية، لكن المعيار الحقيقي سيبقى في ما إذا كانت ستنتج مخرجات ملموسة خلال الأيام والأسابيع المقبلة. هل نشهد زخماً أكبر في التعاون بين دمشق والأمم المتحدة؟ هل تُترجم اللقاءات إلى خطوات عملية على الأرض؟ وهل تُسهم الزيارة في تهيئة مناخ أقل توتراً في بعض الملفات العالقة؟

هذه الأسئلة ستظل مفتوحة، غير أن المؤكد حتى الآن هو أن وصول أنطونيو غوتيريش إلى دمشق يوم 25 يوليو 2026 يمثل حدثاً سياسياً عربياً ودولياً بارزاً، ليس فقط لأنه كسر غياباً استمر منذ 2009، بل لأنه أعاد تسليط الضوء على موقع سوريا في معادلات الإقليم، وعلى طبيعة الدور الذي قد تلعبه الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة.

وفي المحصلة، فإن الزيارة تبدو أقرب إلى اختبار دبلوماسي مهم للطرفين: الأمم المتحدة الساعية إلى تعزيز حضورها وتأثيرها في ملف شديد التعقيد، ودمشق التي تريد تثبيت صورة الانفتاح واستعادة موقعها في دوائر التفاعل العربي والدولي. وبين هذا وذاك، يبقى المشهد السوري واحداً من أكثر ملفات العالم العربي احتياجاً إلى المتابعة الدقيقة والقراءة الهادئة بعيداً عن الانفعال والشعارات.