Akhbar Cairo

جوزاف عون: حصر السلاح ممكن بعد إنهاء الاحتلال

موقف لبناني جديد من ملف السلاح والسيادة

في تطور سياسي لافت يتصل بأحد أكثر الملفات حساسية في لبنان، قال الرئيس اللبناني جوزاف عون إن مسألة نزع سلاح حزب الله أو حصر السلاح بيد الدولة تبقى ممكنة، لكنها ليست خطوة معزولة عن السياق الميداني والسياسي الأوسع. وبحسب ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام ونقلته دوائر الرئاسة اللبنانية، فإن عون ربط هذا المسار بثلاثة شروط أساسية: إزالة الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الجيش اللبناني من بسط السيطرة الكاملة، وبدء برنامج إعادة إعمار تتولى الدولة إدارته وحدها.

وجاء كلام الرئيس اللبناني خلال مناسبة أقامتها السفارة اللبنانية في واشنطن، بالتزامن مع زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة اكتسبت أهمية خاصة، في ظل تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية على بيروت للتقدم في ملفات الأمن جنوباً، والعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل سلاح التنظيمات المسلحة خارج مؤسسات الدولة.

رسالة عون: دولة واحدة وجيش واحد

جوهر الرسالة التي حملها عون من واشنطن كان واضحاً: لا استقرار حقيقياً في لبنان من دون دولة تحتكر القرار الأمني والعسكري. وفي هذا السياق، شدد على أن لبنان لا يمكن أن يكون آمناً أو موحداً إلا عندما يصبح دولة واحدة بجيش واحد يحمي جميع اللبنانيين من دون تمييز. هذه الصيغة تعكس، في الجوهر، ما تعهد به عون منذ انتخابه رئيساً للجمهورية في 9 يناير 2025، حين وضع أولوية استعادة الدولة لموقعها المركزي في إدارة الأمن والسيادة.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه المقاربة شديدة الصلة بالمعادلة العربية الأوسع: لا يمكن فصل الأمن الداخلي عن استعادة الدولة الوطنية لقدرتها على فرض القانون وحدود الشرعية. فالنقاش في لبنان لا يدور فقط حول السلاح، بل حول من يملك قرار الحرب والسلم، وكيف يمكن إعادة بناء المؤسسات في بلد أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية والانقسام السياسي.

لماذا يربط عون الملف بإنهاء الاحتلال؟

الربط الذي طرحه الرئيس اللبناني بين حصر السلاح وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ليس جديداً بالكامل في الخطاب اللبناني، لكنه هذه المرة صدر بصياغة مباشرة من رأس الدولة. فبحسب مواقف رسمية سابقة صادرة عن الرئاسة اللبنانية، تطالب بيروت بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، بالتوازي مع تمكين الجيش من الانتشار الكامل، باعتبار أن أي فراغ أمني أو استمرار للاحتلال يعقّد تنفيذ أي ترتيبات داخلية شاملة.

وخلال يوليو 2026، تزايد الحديث عن مناطق تجريبية أو ترتيبات مرحلية في الجنوب اللبناني برعاية أمريكية، هدفها نقل السيطرة تدريجياً إلى الجيش اللبناني بعد انسحابات إسرائيلية محددة. كما أشارت تقارير دولية إلى أن هذه الترتيبات تُناقش في إطار أوسع يهدف إلى تثبيت الهدوء على الحدود ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصاً الجيش.

هذا الربط يحمل أبعاداً عملية أيضاً؛ إذ إن الدولة اللبنانية تقول عملياً إن نزع ذرائع السلاح غير الرسمي يمر عبر معالجة أصل النزاع الحدودي، وتوفير مظلة سياسية وأمنية تسمح للجيش بأن يكون الجهة الوحيدة الممسكة بالأرض.

الجيش اللبناني في قلب المعادلة

يقدّم جوزاف عون، القادم أصلاً من المؤسسة العسكرية بعدما شغل منصب قائد الجيش اللبناني قبل انتخابه رئيساً، رؤية تضع الجيش في مركز أي تسوية مستقبلية. وقد أظهرت بيانات الجيش اللبناني خلال 2025 و2026 استمرار الانتشار في الجنوب ومتابعة الخروقات الأمنية، مع دعوات متكررة من القيادة للمواطنين إلى الالتزام بتعليمات الوحدات المنتشرة بسبب هشاشة الوضع الميداني في بعض المناطق الحدودية.

كما أن الرئاسة اللبنانية كانت قد تحدثت في مناسبات رسمية عن حاجة الجيش إلى دعم مالي ولوجستي مستدام، وطرحت فكرة تأمين تمويل سنوي على مدى سنوات لتعزيز قدراته، إلى جانب تنظيم مؤتمر دولي للمانحين لدعم إعادة الإعمار. ومن هنا، لا يبدو ملف السلاح منفصلاً عن ملف التمويل ولا عن إعادة بناء مؤسسات الدولة، بل جزءاً من سلة واحدة عنوانها: استعادة السيادة بالتدرج.

أبرز الشروط التي طرحها عون

  • انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
  • تسلم الجيش اللبناني كامل المسؤولية الأمنية على الأرض.
  • إطلاق إعادة الإعمار عبر الدولة اللبنانية حصراً.
  • توحيد القرار العسكري تحت سلطة المؤسسات الشرعية.

واشنطن على خط الأزمة اللبنانية

زيارة عون إلى واشنطن جاءت في توقيت بالغ الحساسية. فقد استقبله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 21 يوليو 2026، في لقاء ركز على تثبيت التهدئة، ودعم لبنان، ومسار الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل نفوذ حزب الله. ووفق تقارير أمريكية ودولية، تسعى بيروت خلال هذه المرحلة إلى انتزاع دعم أمريكي أكبر للضغط في اتجاه انسحابات إسرائيلية أوسع، مقابل تعزيز دور الدولة اللبنانية والجيش.

وتحمل هذه الزيارة دلالة إضافية، لأنها تأتي فيما تحاول الحكومة اللبنانية، برئاسة نواف سلام، إظهار نفسها كشريك إصلاحي قادر على الإمساك بمفاصل الدولة، في وقت لا تزال فيه البلاد تواجه أزمة مالية خانقة، وتراجعاً حاداً في البنية التحتية والخدمات، واحتياجات إنسانية وإعمارية كبيرة في المناطق المتضررة من الحرب.

إعادة الإعمار ليست تفصيلاً

أحد أهم ما ورد في طرح عون هو ربطه بين الأمن وإعادة إعمار لبنان. فالرئاسة اللبنانية تعتبر أن أي مسار جدي لحصر السلاح يحتاج إلى بيئة داخلية مستقرة، وإلى شعور المجتمعات المحلية، خاصة في الجنوب، بأن الدولة قادرة على التعويض، وإعادة البناء، وإدارة المرحلة المقبلة بعيداً عن الازدواجية بين مؤسسات رسمية وبُنى موازية.

ومن هذه الزاوية، فإن ملف الإعمار يتجاوز كونه شأناً خدمياً أو اقتصادياً، ليصبح جزءاً من المعادلة السيادية. فحين تتولى الدولة وحدها ملف إعادة البناء، فإنها لا تستعيد فقط دورها الإداري، بل تستعيد أيضاً شرعيتها السياسية في أعين المواطنين، وهو ما يفسر تشديد عون على أن يكون هذا البرنامج تحت إدارتها حصراً.

ما الذي يعنيه ذلك عربياً؟

في الإطار العربي الأوسع، يعكس الموقف اللبناني محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والسلاح خارجها، ضمن مناخ إقليمي شديد التقلب. وبالنسبة لمصر، التي تنظر تقليدياً إلى استقرار لبنان باعتباره جزءاً من استقرار المشرق العربي، فإن أي تقدم في مسار تثبيت سلطة الدولة اللبنانية ستكون له انعكاسات على أمن شرق المتوسط، وعلى التوازنات العربية في ملفي الحدود والسيادة.

لكن الطريق ما زال معقداً. فتنفيذ ما طرحه عون يتطلب تفاهمات داخلية لبنانية، وضمانات خارجية، وانسحاباً إسرائيلياً ملموساً، ودعماً مالياً جدياً للجيش والإعمار. لذلك يمكن القول إن تصريح الرئيس اللبناني لا يقدّم حلاً نهائياً بقدر ما يرسم خريطة طريق سياسية عنوانها: لا حصر للسلاح بلا انسحاب، ولا انسحاب بلا ترتيبات، ولا ترتيبات قابلة للحياة من دون دولة قوية قادرة على إعادة البناء وفرض السيادة.

وبهذا المعنى، فإن كلام جوزاف عون من واشنطن يضع الملف اللبناني مجدداً أمام معادلته الصعبة: الدولة أولاً، لكن استعادتها تحتاج إلى توازن دقيق بين الأمن والسياسة والإعمار، في بلد لا يزال يبحث عن مخرج مستدام من أزماته المتشابكة.