Akhbar Cairo

جوزاف عون وحصر السلاح: هل ينجح لبنان في اختبار السيادة؟

جوزاف عون يرفع سقف خطاب الدولة

عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية إلى واجهة النقاش السياسي في بيروت بعد موقف واضح أعلنه الرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي شدد على أن استعادة السيادة لا تنفصل عن تثبيت سلطة المؤسسات الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية. هذا النوع من الخطاب ليس جديدًا تمامًا في الحياة السياسية اللبنانية، لكنه يكتسب وزنًا أكبر عندما يصدر عن رئيس وصل إلى قصر بعبدا في 9 يناير 2025 بعد سنوات قاد خلالها المؤسسة العسكرية، بما يمنحه رصيدًا خاصًا في قضايا الأمن والدفاع.

بالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو هذا السجال امتدادًا مزمنًا للأزمة اللبنانية المعروفة، لكنه في الحقيقة يتجاوز الداخل اللبناني إلى معادلة إقليمية أوسع: من يملك قرار الحرب والسلم في بلد شديد الهشاشة الاقتصادية ومحاط بحدود ملتهبة؟ هنا تحديدًا تكمن أهمية كلام عون، لأنه لا يقدَّم باعتباره شعارًا سياديًا فقط، بل كمحاولة لإعادة تعريف الدولة اللبنانية نفسها بعد سنوات من التآكل المؤسسي.

ماذا قال الرئيس اللبناني؟

في رسالة بمناسبة عيد الجيش اللبناني في 1 أغسطس 2026، أكد جوزاف عون أن الجيش هو الضامن الأوحد لوحدة لبنان وسيادته واستقلاله، وأنه لا شرعية لأي سلاح خارج شرعية الدولة، معتبرًا أن حماية البلاد لا تكون إلا عبر الجيش الوطني الجامع. كما ربط المرحلة المقبلة بانتشار كامل للوحدات العسكرية على الحدود الجنوبية وبسط السلطة الحصرية للدولة على أراضيها.

هذا الموقف لم يأتِ معزولًا. ففي مقابلة رسمية نُشرت بمناسبة مرور عام على توليه الرئاسة، قال عون إن دور السلاح خارج الدولة انتفى بوجود الجيش، وإن بقاء هذا السلاح بات عبئًا على بيئته وعلى لبنان ككل. وبين الموقفين تتضح معادلة الرئاسة الحالية: الانتقال من لغة “إدارة التوازن” إلى لغة “استعادة الاحتكار الشرعي للقوة”.

من الشعار إلى القرار: أين تقف الدولة؟

اللافت أن خطاب الرئاسة لم يبقَ عند حدود الرسائل السياسية. ففي قرار رسمي صدر عن مجلس الوزراء في قصر بعبدا خلال 2026، أعلنت الدولة اللبنانية رفض أي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من أراضيها خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وأكدت أن قرار الحرب والسلم هو حصرًا بيد الدولة، مع تكليف الأجهزة العسكرية والأمنية باتخاذ إجراءات فورية للتنفيذ، وطلب المباشرة بخطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني.

سياسيًا، هذا التطور مهم للغاية. فالحديث لم يعد فقط عن “استراتيجية دفاعية” مؤجلة أو حوار وطني مفتوح بلا سقف زمني، بل عن قرار حكومي مباشر يضع المسألة في إطار قانوني وتنفيذي. غير أن التجربة اللبنانية تقول إن الفجوة بين النص والتطبيق غالبًا ما تكون هائلة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتوازنات الطوائف، وعلاقات القوى المسلحة، والضغوط الخارجية.

الجيش اللبناني في قلب المعادلة

إذا كان جوزاف عون (@josephaounlb على إنستغرام) يراهن على المؤسسة العسكرية بوصفها أداة استعادة الدولة، فإن هذا الرهان يستند إلى وقائع ميدانية تطرحها قيادة الجيش نفسها. فالجيش اللبناني أعلن في يناير 2026 تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطته الخاصة بحصر السلاح، مؤكدًا التزامه تحمل المسؤولية الحصرية عن حفظ الأمن والاستقرار، ولا سيما في منطقة جنوب الليطاني، ومنع استخدام تلك المنطقة منطلقًا لأي أعمال عسكرية.

لكن هذا التقدم الميداني لا يعني أن الملف حُسم. فالمؤسسة العسكرية تعمل في بيئة معقدة: حدود جنوبية حساسة، أعباء أمنية داخلية، ضغوط معيشية على العسكريين، وحاجة دائمة إلى التسليح والتدريب والدعم اللوجستي. لذلك فإن دعوة عون إلى دعم الجيش ليست بندًا بروتوكوليًا، بل شرطًا لازمًا لأي محاولة جدية لترجمة فكرة السيادة إلى واقع.

  • التحدي الأول: قدرة الجيش على الانتشار الكامل وفرض السيطرة المستدامة.
  • التحدي الثاني: الغطاء السياسي الداخلي المطلوب لأي مواجهة مع السلاح غير الشرعي.
  • التحدي الثالث: استمرار الاعتداءات والتوترات على الجبهة الجنوبية وتأثيرها على أولويات الدولة.
  • التحدي الرابع: الأزمة الاقتصادية التي تحد من قدرة المؤسسات على الاستمرار بنفس الكفاءة.

لماذا يكتسب هذا الخطاب أهمية الآن؟

توقيت الموقف لا يقل أهمية عن مضمونه. لبنان لا يزال يحاول الخروج من سنوات شديدة القسوة، بدأت بالانهيار المالي ثم تعمقت مع الفراغات الدستورية والاضطرابات الأمنية والضغوط الإقليمية. وفي مثل هذا السياق، تصبح حصرية السلاح بيد الدولة مسألة تتجاوز الجدل النظري إلى سؤال وجودي: هل يمكن بناء اقتصاد، جذب استثمار، أو استعادة ثقة عربية ودولية، بينما تبقى سلطة القوة موزعة خارج مؤسسات الحكم؟

من هذه الزاوية، يفهم إصرار الرئاسة اللبنانية على الربط بين السيادة والاستقرار. فالدول العربية، وبينها مصر، تنظر عادة إلى استعادة الدولة الوطنية كمدخل لأي تعافٍ سياسي واقتصادي. ولذلك فإن الرسالة اللبنانية الحالية تحمل أيضًا بعدًا خارجيًا: لبنان يريد أن يقول لشركائه العرب والدوليين إن هناك محاولة لإعادة ضبط قواعد السلطة الشرعية.

بين الرئاسة والواقع اللبناني المركب

مع ذلك، لا ينبغي قراءة خطاب عون باعتباره إعلانًا عن نهاية وشيكة لأزمة السلاح في لبنان. الأرجح أنه يمثل رفعًا تدريجيًا لسقف الدولة، تمهيدًا لمسار طويل ومليء بالمساومات. فالرئيس اللبناني يدرك على الأرجح أن المسألة لا تُحسم بخطاب واحد، ولا حتى بقرار حكومي واحد، بل بتراكم سياسي وأمني يبدل موازين القوة ببطء.

وهنا تظهر المعضلة اللبنانية الكلاسيكية: كلما اقتربت الدولة من طرح احتكارها للسلاح باعتباره أمرًا غير قابل للتفاوض، اصطدمت بسؤال القدرة الفعلية على التنفيذ. وكلما تأخرت في التنفيذ، تآكلت هيبتها أكثر. لذلك تبدو معركة جوزاف عون في جوهرها معركة استعادة معنى الدولة قبل أن تكون مجرد معركة أمنية.

كيف يقرأ المصريون هذا التطور؟

من منظور مصري، تبدو القضية مألوفة في شقها النظري: لا استقرار بلا مؤسسات، ولا سيادة بلا احتكار شرعي للقوة. لكن خصوصية لبنان تكمن في أن هذا المبدأ يصطدم بتركيبة داخلية شديدة التعقيد، حيث تتداخل الطوائف مع الأحزاب والسلاح والحدود والاصطفافات الإقليمية. لهذا فإن أي تقدم لبناني في هذا الملف ستكون له دلالة عربية مهمة، ليس فقط لأنه يخص بيروت، بل لأنه يعيد طرح سؤال الدولة الوطنية في المشرق كله.

في النهاية، ما قاله جوزاف عون ليس مجرد موقف مناسباتي. إنه محاولة لرسم خط سياسي واضح: لبنان الذي يريده العهد هو لبنان لا يُدار بازدواجية السلاح والقرار. غير أن نجاح هذا الخط سيظل مرهونًا بقدرة الرئاسة والحكومة والجيش على تحويل الشعار إلى مؤسسات فاعلة، وقرارات قابلة للإنفاذ، وتوازنات داخلية تمنع الانفجار. وبين الطموح والواقع، سيبقى ملف السيادة اللبنانية أحد أكثر ملفات المنطقة حساسية وأهمية في الشهور المقبلة.