Akhbar Cairo

جولة السيسي الأفريقية: لماذا شملت تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد؟

جولة أفريقية تعكس أولوية العمق القاري

في منتصف أغسطس 2017، بدأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة أفريقية استغرقت أربعة أيام وشملت تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد، بحسب ما أعلنته رئاسة الجمهورية يوم 12 أغسطس 2017، مع تحديد انطلاقها يوم الاثنين 14 أغسطس 2017. وجاءت الجولة في توقيت حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن القارة الأفريقية تحتل موقعًا متقدمًا في حسابات السياسة الخارجية المصرية، سواء على مستوى التنسيق السياسي أو دفع التعاون الاقتصادي والتجاري أو التعامل مع ملفات الأمن والاستقرار داخل القارة.

ووفق البيان الرسمي للرئاسة، كان الهدف المعلن من الجولة هو تعزيز العلاقات الثنائية مع دول القارة، وتكثيف التواصل مع الشركاء الأفارقة، إلى جانب بحث القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، خاصة ما يتعلق بحفظ السلم والأمن في أفريقيا. كما أشار البيان إلى أن المباحثات كانت تستهدف أيضًا توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وهذه الدول الأربع.

لماذا اكتسبت الجولة أهمية خاصة؟

أهمية هذه الجولة لا ترتبط فقط بعدد الدول التي شملتها، بل أيضًا بتنوع مواقعها الجغرافية والسياسية داخل القارة. فالمحطات الأربع موزعة بين شرق أفريقيا ووسطها وغرب وسطها ومنطقة الساحل، وهو ما منح التحرك المصري بعدًا قاريًا أوسع، وليس مجرد زيارة ثنائية تقليدية لدولة واحدة أو اثنتين.

وتوضح قراءات صادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات أن العلاقات المصرية مع تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد تتداخل فيها ملفات متعددة، من بينها التعاون السياسي، والتنمية البشرية، والتدريب، ومكافحة الإرهاب، والتنسيق داخل أطر أفريقية وإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي والكوميسا ومبادرة النيباد وتجمع الساحل والصحراء. وهذا يعني أن الجولة لم تكن بروتوكولية، بل ارتبطت بمصالح عملية تمس الحضور المصري في القارة.

تنزانيا: بوابة شرق أفريقيا وملف التعاون التنموي

كانت تنزانيا المحطة الأولى في الجولة. ووفق مواد منشورة لدى هيئة الاستعلامات، استقبل الرئيس التنزاني الراحل جون ماجوفولي الرئيس السيسي لدى وصوله إلى دار السلام في 14 أغسطس 2017. وتكمن أهمية هذه الزيارة في أنها أعادت تنشيط التواصل الرئاسي المباشر مع دولة محورية في شرق أفريقيا ومنطقة حوض النيل.

البيانات الرسمية المصرية تشير إلى أن مباحثات القاهرة ودار السلام تناولت تطوير التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب تفعيل آليات العمل المشترك بين البلدين. كما برز البعد التنموي في الزيارة، خصوصًا مع اهتمام مصر بتقديم خبراتها في مشروعات البنية الأساسية وبناء القدرات، وهو مسار ظل حاضرًا في تحركاتها الأفريقية خلال تلك المرحلة.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن تنزانيا تظل دولة ذات أهمية خاصة في معادلات شرق أفريقيا، ليس فقط بحكم موقعها، بل أيضًا لدورها في دوائر التعاون الإقليمي المتصلة بالنقل والتجارة وقضايا التنمية العابرة للحدود.

رواندا: شريك اقتصادي صاعد وتنسيق سياسي متزايد

المحطة الثانية كانت رواندا، حيث برز اسم الرئيس بول كاجامي بوصفه أحد القادة الأفارقة الذين شهدت العلاقات المصرية معهم نشاطًا ملحوظًا في تلك الفترة. وتشير هيئة الاستعلامات إلى أن الجانب الاقتصادي كان من أبرز الملفات المطروحة بين القاهرة وكيجالي، إلى جانب التعويل على برامج الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في دعم بناء القدرات البشرية.

وتحمل رواندا قيمة إضافية في السياسة الأفريقية المعاصرة باعتبارها واحدة من الاقتصادات التي سعت إلى تقديم نموذج مؤسسي وتنموي مختلف بعد سنوات من الصراع. لهذا بدا إدراجها ضمن الجولة رسالة بأن مصر تتحرك أيضًا نحو الدول التي تكتسب وزنًا متناميًا في دوائر الاستثمار والتجارة وصنع القرار داخل القارة.

كما أن عضوية مصر ورواندا في السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا) منحت العلاقات الاقتصادية بين البلدين أساسًا يمكن البناء عليه، سواء في زيادة التبادل التجاري أو في تشجيع الاستثمارات المصرية في أسواق شرق أفريقيا.

الجابون: تنسيق مع لاعب مؤثر في وسط أفريقيا

في الجابون، اتجهت الأنظار إلى بلد يتمتع بحضور سياسي مؤثر في منطقة وسط أفريقيا. ووفق ما أوردته هيئة الاستعلامات، فإن تنسيق المواقف بين القاهرة وليبرفيل اكتسب أهمية في ملفات إقليمية عدة، خصوصًا ما يتعلق بتطورات الأوضاع في وسط القارة.

كما لم يقتصر مسار العلاقات على السياسة فقط، بل شمل أبعادًا ثقافية وتعليمية ودينية، إذ أشارت الهيئة إلى وجود بعثة أزهرية في الجابون، فضلًا عن منح دراسية يقدمها الأزهر الشريف. وهذا النوع من الحضور يفسر كيف تستخدم مصر أدوات القوة الناعمة جنبًا إلى جنب مع التحرك الدبلوماسي والاقتصادي لتعزيز روابطها مع المجتمعات الأفريقية.

ومن زاوية أوسع، فإن الجابون مثلت في هذه الجولة امتدادًا لتحرك مصري يستهدف توسيع الشراكات مع دول وسط وغرب القارة، وعدم حصر التواصل في دوائر حوض النيل أو الشرق الأفريقي فقط.

تشاد: أمن الساحل والملف الليبي في الصدارة

أما تشاد فكانت محطة تحمل وزنًا أمنيًا واضحًا. فبحسب تحليل هيئة الاستعلامات، يرتبط التنسيق المصري التشادي ارتباطًا مباشرًا بملفات الساحل والصحراء، ومكافحة الإرهاب، والتدريب وبناء القدرات، إضافة إلى التشاور بشأن الأزمة الليبية بحكم الجوار الجغرافي لتشاد مع ليبيا ومشاركتها في ترتيبات دول الجوار.

وخلال تلك الفترة، كان اسم الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي حاضرًا بقوة في ملفات الأمن الإقليمي، وهو ما منح زيارة نجامينا بعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية إلى ترتيبات أوسع تخص استقرار الإقليم. وبالنسبة لمصر، فإن تعزيز التشاور مع تشاد يدخل ضمن رؤية تربط بين حماية الأمن القومي ومساندة استقرار الدول الأفريقية في محيطها المضطرب.

ماذا تقول هذه الجولة عن السياسة المصرية في أفريقيا؟

الرسالة الأبرز من الجولة أن القاهرة كانت تتحرك وفق مقاربة تقوم على ثلاثة محاور متداخلة:

  • أولًا: الانفتاح السياسي عبر توسيع دوائر التشاور مع العواصم الأفريقية المؤثرة.
  • ثانيًا: التعاون الاقتصادي من خلال فتح مجالات أرحب للتجارة والاستثمار وتبادل الخبرات.
  • ثالثًا: الأمن والاستقرار عبر التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب وتسوية الأزمات الإقليمية.

هذه المقاربة انعكست بوضوح في البيان الرئاسي الصادر قبل الجولة، كما دعمتها تحليلات هيئة الاستعلامات التي ركزت على أن شعار الأمن والتنمية والتكامل الإقليمي أصبح من العناوين الرئيسية في التوجه المصري نحو أفريقيا خلال تلك المرحلة.

دلالات مستمرة بعد سنوات من الجولة

ورغم أن الجولة تعود إلى أغسطس 2017، فإن دلالاتها لا تزال حاضرة عند قراءة مسار العلاقات المصرية الأفريقية لاحقًا. فقد واصلت القاهرة خلال السنوات التالية توسيع اتصالاتها بالقادة الأفارقة، كما استمرت في استخدام أدوات متعددة تشمل الزيارات الرئاسية، والوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، والتعاون الفني، والتنسيق داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي.

من هذا المنظور، يمكن اعتبار جولة السيسي إلى تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد محطة كاشفة لطبيعة التحرك المصري في القارة: تحرك يجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن، ويستهدف استعادة حضور نشط ومباشر في الفضاء الأفريقي، بما يخدم مصالح مصر ويواكب في الوقت نفسه التحولات المتسارعة داخل القارة.

خلاصة المشهد

جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأفريقية في أغسطس 2017 لم تكن مجرد برنامج زيارات خارجية، بل جاءت كجزء من رؤية أوسع لتعزيز موقع مصر في أفريقيا. اختيار تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد عكس اهتمامًا بمناطق متعددة داخل القارة، وبملفات تجمع بين التنمية والتجارة والأمن الإقليمي. وبالنسبة للمتابع المصري، فإن هذه الجولة مثلت واحدة من العلامات الواضحة على عودة الزخم إلى الدبلوماسية المصرية في عمقها الأفريقي.