Akhbar Cairo

جولة وزارية في بنها: هل تبدأ نقلة تصنيع الطاقة محليًا؟

جولة بنها: رسالة سياسية واقتصادية تتجاوز الزيارة البروتوكولية

أعادت الجولة التي قام بها وزير الكهرباء والطاقة المتجددة الدكتور محمود عصمت، ووزير الدولة للإنتاج الحربي، إلى شركة بنها للصناعات الإلكترونية التابعة لقطاع الإنتاج الحربي، فتح نقاش أوسع حول معنى توطين صناعة المهمات الكهربائية والطاقة الشمسية في مصر، ليس بوصفه شعارًا إداريًا، بل باعتباره رهانًا اقتصاديًا وسياديًا في توقيت حساس. وتأتي أهمية الزيارة من أنها ارتبطت بواحدة من أبرز القلاع الصناعية المتخصصة في الإلكترونيات، وهي شركة بنها للصناعات الإلكترونية (مصنع 144 الحربي) بمحافظة القليوبية، التي تمتلك بالفعل قاعدة إنتاجية تجمع بين الاستخدامات الدفاعية والمدنية.

المصادر الرسمية لوزارة الإنتاج الحربي تؤكد أن الشركة تنتج أنظمة إلكترونية متقدمة للقوات المسلحة، وفي الوقت نفسه تستغل فائض طاقاتها في منتجات مدنية تشمل لمبات الليد، وكشافات الشوارع العاملة بالليد والطاقة الشمسية، وألواح الطاقة الشمسية، وشاشات العرض، وأجهزة التأمين، إلى جانب منتجات إلكترونية أخرى موجهة للسوق المحلية. هذا التنوع يفسر لماذا تحظى الشركة بمكانة خاصة كلما طُرح ملف التصنيع المحلي في قطاعات الطاقة والإلكترونيات.

لماذا الآن؟

اللافت أن الجولة تأتي في لحظة تدفع فيها الدولة المصرية بقوة نحو زيادة حصة الطاقة النظيفة في مزيج الكهرباء. ووفق ما عرضته الرئاسة المصرية في اجتماعات خلال عام 2026، تعمل الحكومة على تسريع ربط مشروعات جديدة من الطاقة الشمسية والرياح على الشبكة القومية، مع التوسع كذلك في مشروعات التخزين بالبطاريات. كما عرض وزير الكهرباء في مايو 2026 مشروعات من بينها محطة شمسية بقدرة 1700 ميجاوات في محافظة المنيا، إلى جانب مشروعات تخزين طاقة بقدرات إجمالية كبيرة، بينما أكدت الوزارة لاحقًا أن المستهدف هو رفع مساهمة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة إلى 45% بحلول عام 2028.

من هذه الزاوية، لا تبدو زيارة مصنع 144 الحربي مجرد متابعة لخطوط إنتاج قائمة، بل تبدو جزءًا من محاولة ربط السياسة الصناعية بخطة الطاقة. فكل توسع في مشروعات الشمس والرياح يطرح سؤالًا مباشرًا: ما نسبة المكوّن المحلي؟ ومن يستفيد من الإنفاق الرأسمالي الضخم: المصانع المصرية أم المورد الأجنبي؟

ما الذي تملكه شركة بنها للصناعات الإلكترونية فعليًا؟

بحسب البيانات المنشورة من وزارة الإنتاج الحربي، فإن شركة بنها للصناعات الإلكترونية تملك خبرات متراكمة في مجالات الاتصالات، والرادارات، والميكروويف، والإلكترونيات الصناعية، كما تنتج مدنيًا ألواح طاقة شمسية، ولمبات موفرة، وكشافات شوارع تعمل بالطاقة الشمسية، وعدادات كهرباء ذكية ومسبقة الدفع، ومنتجات مراقبة وتأمين إلكتروني. هذه النقطة مهمة للغاية، لأن التوطين لا يبدأ من الصفر، بل من مصانع لديها بنية فنية وقاعدة بشرية ونظم جودة وتجارب تصنيع سابقة.

وفي هذا السياق، فإن وجود وزارة الكهرباء في المشهد يضيف بعدًا مختلفًا. فالأمر لا يتعلق فقط بإنتاج منتج محلي، بل بمدى توافقه مع احتياجات الشبكة، والمعايير الفنية، ومتطلبات التشغيل طويل الأجل، وجدوى دمجه ضمن خطط الدولة لخفض الاعتماد على الواردات في مكونات الطاقة الجديدة والمتجددة.

القراءة السياسية للجولة

في قسم تحليلات ورأي، الأهم ليس وصف الزيارة، بل قراءة دلالتها. أولى هذه الدلالات أن الدولة لا تريد أن يبقى ملف الطاقة المتجددة أسير استيراد المعدات، خصوصًا مع تكرار الحديث الرسمي خلال 2026 عن نقل وتوطين التكنولوجيا في مهمات الكهرباء ومكونات الطاقة المتجددة. وقد ظهر ذلك بوضوح في أكثر من تحرك رسمي، منها اجتماعات وزير الكهرباء مع شركات دولية لبحث تصنيع توربينات الرياح، وكذلك توقيع مذكرة تفاهم في يناير 2026 للتعاون في بناء أول مصنع في مصر لإنتاج Inverters الخاصة بربط الطاقة على الشبكة.

الدلالة الثانية أن الإنتاج الحربي ما زال يُنظر إليه باعتباره ذراعًا صناعية قادرة على التحرك بسرعة نسبيًا في الملفات التي تحتاج إلى انضباط إنتاجي، ونقل معرفة تقنية، ومعدلات تصنيع مستقرة. وهذا يفسر استمرار الرهان على شركة بنها للصناعات الإلكترونية في ملفات متنوعة، من الإلكترونيات والاتصالات إلى منتجات الطاقة الشمسية والعدادات الذكية.

أما الدلالة الثالثة، فهي أن المحافظات الصناعية، مثل القليوبية، يمكن أن تتحول من مجرد مواقع إنتاج إلى حلقات وصل بين الصناعة المحلية والتنمية الإقليمية. فوجود المصنع في بنها يمنح الملف بعدًا محليًا مهمًا: تشغيل، سلاسل إمداد، خدمات مساندة، ونقل خبرات إلى شركات أصغر تعمل حوله.

لكن ماذا يعني “التوطين” فعلًا؟

في الخطاب الرسمي المصري، يُستخدم مصطلح التوطين كثيرًا، لكن نجاحه يُقاس بثلاثة مستويات واضحة:

  • التجميع المحلي: وهو أقل المراحل قيمة مضافة، ويعتمد غالبًا على استيراد المكونات الرئيسية وتركيبها محليًا.
  • التصنيع الجزئي للمكونات: وهنا تبدأ الاستفادة الصناعية الحقيقية، مع إنتاج أجزاء ومهمات داخل مصر.
  • نقل التكنولوجيا والتصميم: وهو المستوى الأهم، حيث لا تصبح مصر فقط سوقًا أو مركز تجميع، بل شريكًا في المعرفة والتطوير.

التحدي الحقيقي أن كثيرًا من الدول تتوقف عند المستوى الأول، بينما الخطاب الرسمي المصري خلال 2026 يوحي برغبة في القفز إلى مستويات أعلى، خاصة مع الحديث عن تحديد نسب للصناعة المحلية في قطاع الطاقات المتجددة، وهو ما أشار إليه وزير الكهرباء في يونيو 2026 خلال توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء أول مصنع لتوربينات الرياح في منطقة خليج السويس.

من المصنع إلى الشبكة: أين تكمن الفجوة؟

رغم أهمية الجولات الميدانية، فإن الفجوة الأساسية تبقى بين القدرة على التصنيع والقدرة على النفاذ للسوق. فالمصنع قد ينتج ألواحًا أو كشافات أو عدادات، لكن السوق لا ينمو بقرارات الزيارة وحدها. المطلوب منظومة مشتريات حكومية واضحة، وحوافز تمويلية، ومواصفات ملزمة تراعي الجودة والسعر ونسبة المكوّن المحلي، مع فتح مساحات حقيقية أمام المنتج المصري في المشروعات العامة والخاصة.

وهنا تكتسب مبادرة الحكومة التي جرى استعراضها في 8 يونيو 2026 لتشجيع تركيب الألواح الشمسية في المصانع والمنازل أهمية خاصة. فإذا طُبقت بصورة توسعية، فإنها لا تخدم فقط التحول للطاقة النظيفة، بل يمكن أن تصنع طلبًا مستدامًا على مكونات ومنتجات تصنّع محليًا، بشرط أن تكون المواصفات والأسعار والضمانات منافسة.

ماذا تقول المؤشرات الأوسع؟

مصر لا تتحرك في فراغ. فالطلب على الكهرباء مرشح للارتفاع، وكانت الرئاسة قد أشارت في فبراير 2026 إلى توقع زيادة الأحمال على الشبكة بنسب تتراوح بين 6% و7% خلال فترات الذروة الصيفية، مع خطط لإضافة 3000 ميجاوات من الطاقة الشمسية وإدخال سعات تخزين جديدة. هذا يعني أن ملف التوطين لم يعد رفاهية صناعية، بل أصبح مرتبطًا بأمن الطاقة، وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، وتقليل حساسية القطاع لتقلبات سلاسل الإمداد العالمية.

كما أن دخول القطاع الخاص بقوة في مشروعات الشمس والرياح يضيف بُعدًا جديدًا: المستثمر يريد وضوحًا في القواعد، وسرعة في الإتاحة، ومكوّنًا محليًا يمكن الاعتماد عليه دون التضحية بالكفاءة أو الجدول الزمني. لذلك فإن نجاح مصنع مثل 144 الحربي لن يقاس فقط بما لديه من خطوط إنتاج، بل بقدرته على أن يكون جزءًا من منظومة توريد متكاملة ومعترف بها داخل السوق.

الخلاصة: الزيارة مهمة.. لكن الاختبار في التنفيذ

الجولة المشتركة داخل شركة بنها للصناعات الإلكترونية يمكن قراءتها باعتبارها إشارة رسمية قوية إلى أن توطين صناعة المهمات الكهربائية والطاقة الشمسية بات في قلب أولويات الدولة المصرية. وهي إشارة تستند إلى قاعدة صناعية موجودة بالفعل، وإلى توجه حكومي معلن لتوسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة، وربط ذلك بتصنيع محلي ونقل تكنولوجيا.

لكن من منظور تحليلي، يبقى السؤال الحاسم: هل تتحول هذه المتابعة إلى سياسة صناعية قابلة للقياس؟ أي: نسب مكوّن محلي معلنة، تعاقدات فعلية، منظومة اعتماد فني، وحوافز تصنع سوقًا حقيقية للمنتج المصري. عندها فقط يمكن القول إن الزيارة إلى بنها كانت بداية مسار، لا مجرد محطة خبرية في جدول الوزراء.

في النهاية، تمتلك مصر فرصة مهمة: لديها طلب متزايد على الكهرباء، وخطة توسع في الطاقة الشمسية والرياح، ومصانع قائمة مثل شركة بنها للصناعات الإلكترونية. ما ينقص ليس الفكرة، بل تحويلها إلى سلسلة قرارات تنفيذية تجعل التصنيع المحلي جزءًا أصيلًا من أمن الطاقة والتنمية الصناعية معًا.