جيه دي فانس: إيران لا تملك عمليًا إغلاق التجارة الدولية
فانس يقلل من قدرة طهران على تعطيل الملاحة العالمية
عاد ملف مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الدولي بعد تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي قال إن إيران لا تملك عمليًا القدرة الفعلية على قطع خطوط التجارة الدولية، رغم التهديدات المتكررة المرتبطة بإغلاق الممر البحري الحيوي. وتأتي هذه التصريحات في سياق أمريكي يربط بين التحركين العسكري والدبلوماسي في المنطقة وبين استمرار تدفق شحنات الطاقة عبر أحد أكثر الممرات حساسية في العالم.
أهمية التصريح لا تتعلق فقط بالسجال السياسي بين واشنطن وطهران، بل بما يمثله المضيق من وزن مباشر في حركة النفط والغاز عالميًا، وما قد يترتب على أي اضطراب فيه من انعكاسات سريعة على أسعار الطاقة، وكلفة الشحن، وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى الأسواق المستوردة في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
لماذا يظل مضيق هرمز نقطة اشتعال عالمية؟
بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بلغ متوسط تدفقات النفط والسوائل البترولية الأخرى عبر مضيق هرمز نحو 20.7 مليون برميل يوميًا خلال 2024، وارتفع إلى 20.9 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من 2025. كما أوضحت الإدارة أن ما يمر عبر المضيق يمثل أكثر من ربع التجارة البحرية العالمية للنفط، إلى جانب نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، مع بروز قطر كمصدر رئيسي لشحنات الغاز المارة من هناك. هذه الأرقام تفسر لماذا يُنظر إلى أي تهديد للمضيق باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي.
ومع أن الأرقام المتداولة في التصريحات السياسية قد تتفاوت من يوم إلى آخر، فإن الصورة الأشمل ثابتة: المضيق ليس مجرد ممر إقليمي، بل شريان دولي تتوقف عليه صادرات دول خليجية رئيسية، بينها السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر. ولذلك فإن أي حديث عن إغلاقه يدفع الأسواق فورًا إلى إعادة تسعير المخاطر.
ما الذي قصده فانس؟
البيت الأبيض نشر في 22 يونيو 2025 مقتطفات من مقابلات تلفزيونية لفانس دافع فيها عن مقاربة الإدارة الأمريكية تجاه إيران، في وقت كانت فيه واشنطن تؤكد قدرتها على حماية مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة. ورغم أن التصريحات الأمريكية حملت نبرة حازمة، فإن جوهر الرسالة كان أن التهديد الإيراني للملاحة لا يساوي بالضرورة قدرة عملية ومستدامة على شل حركة التجارة الدولية.
هذا التقدير يتقاطع مع قراءات أوسع داخل أسواق الطاقة والأمن البحري؛ فتعطيل الملاحة في هرمز، حتى لو وقع جزئيًا أو مؤقتًا، يحمل أيضًا كلفة كبيرة على إيران نفسها، نظرًا لاعتماد المنطقة بأكملها على استمرار تدفق الشحنات، بما في ذلك صادرات مرتبطة بالسوق الآسيوية. ولهذا تميل تقديرات كثيرة إلى أن سيناريو الإغلاق الكامل طويل الأمد يبقى شديد الصعوبة من الناحية العملية، حتى إن ظل التهديد قائمًا سياسيًا وعسكريًا.
انعكاسات مباشرة على مصر وقناة السويس
بالنسبة إلى مصر، لا يُقرأ أي توتر في هرمز بمعزل عن قناة السويس والبحر الأحمر. فالقاهرة سبق أن شددت في أكثر من مناسبة على أهمية حماية حرية الملاحة ومنع اتساع دائرة الصراع الإقليمي. وفي 21 يونيو 2025 أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) خلال اتصال مع الرئيس الإيراني رفض مصر للتصعيد الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة. كما عاد التأكيد رسميًا في مناسبات لاحقة على أولوية تثبيت التهدئة وصون أمن الممرات البحرية.
الاعتبارات المصرية هنا اقتصادية وأمنية في آن واحد. فالرئاسة المصرية أشارت في مارس 2025 إلى أن مصر فقدت أكثر من 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال 2024 نتيجة الهجمات على السفن في المنطقة. لذلك، فإن أي توتر إضافي في هرمز أو باب المندب أو البحر الأحمر يضغط مباشرة على حركة التجارة العالمية، ويؤثر على القناة التي تبقى مصدرًا حيويًا للنقد الأجنبي واللوجستيات الدولية.
كذلك أظهرت بيانات وتقارير مصرية رسمية أن تطوير قناة السويس وتحسين قدرتها الاستيعابية كان جزءًا من تحرك مصري واسع لتعزيز مرونة الممر الملاحي أمام الأزمات. ووفق ما نشرته الهيئة العامة للاستعلامات، فإن التوسعات التي دخلت حيز التنفيذ خلال الربع الأول من 2025 دعمت القدرة التشغيلية للقناة وأتاحت استيعاب سفن إضافية يوميًا، بما يعزز الجاهزية في أوقات الاضطراب.
بين الردع العسكري والدبلوماسية
الرسالة الأمريكية التي عبّر عنها فانس تقوم على أن واشنطن لا تعتمد فقط على الردع العسكري، بل تطرح نفسها أيضًا كضامن لاستمرار تدفق التجارة عبر الممرات البحرية. وفي الخلفية، ظل البيت الأبيض يتحدث خلال صيف 2025 عن مزيج من الضغط والاتصالات السياسية لمنع اتساع المواجهة. هذا النهج اكتسب أهمية خاصة لأن أي احتكاك واسع في الخليج لا يبقى محصورًا هناك، بل يمتد فورًا إلى أسعار النفط، وأسعار النقل، وحسابات التضخم في اقتصادات عديدة.
ومن زاوية السوق، تكفي الإشارة إلى أن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية وصفت هرمز بأنه أهم نقطة اختناق نفطي في العالم. وبذلك فإن قدرة الولايات المتحدة وشركائها على الإبقاء على الممر مفتوحًا ليست مجرد ملف أمني، بل عنصر مؤثر في استقرار الاقتصاد الدولي بأكمله.
ماذا يعني ذلك للمستهلك المصري؟
قد يبدو النقاش حول هرمز بعيدًا جغرافيًا، لكنه يمس القارئ المصري بشكل غير مباشر عبر عدة مسارات:
- أسعار الطاقة عالميًا: أي اضطراب كبير يرفع فاتورة النفط والغاز والشحن.
- حركة التجارة: تعطل الممرات البحرية يزيد زمن الرحلات وكلفة التأمين والنقل.
- قناة السويس: استقرار الملاحة الإقليمية يظل عاملًا أساسيًا لتعافي الإيرادات.
- الاقتصاد الإقليمي: توسيع الصراع يضغط على الاستثمارات والسياحة وسلاسل الإمداد.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المصري الرسمي المتكرر بملف حرية الملاحة، سواء في البحر الأحمر أو في الخليج، باعتباره جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني، لا مجرد متابعة لأزمة خارجية.
الخلاصة
تصريحات جيه دي فانس تعكس محاولة أمريكية لتبديد المخاوف من قدرة إيران على فرض إغلاق فعلي ودائم على خطوط التجارة الدولية، خصوصًا عبر مضيق هرمز. لكن أهمية التصريح تكمن أيضًا في أنه يسلط الضوء على هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام أي تصعيد في الخليج. بالنسبة لمصر، يبقى هذا التطور وثيق الصلة بمصالحها المباشرة: من استقرار أسواق الطاقة، إلى سلامة الملاحة، إلى تعافي قناة السويس بعد خسائر كبيرة تكبدتها بفعل اضطرابات الإقليم خلال 2024 و2025.
وفي ظل الترابط بين هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس، فإن أي تهدئة حقيقية في المنطقة لا تمثل مكسبًا سياسيًا فقط، بل تحمل أيضًا أثرًا اقتصاديًا ملموسًا على القاهرة، وعلى حركة التجارة التي تمر عبر أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.