Akhbar Cairo

حاتم الجبلي واعترافات ما قبل 25 يناير: قراءة في الدلالات

شهادة متأخرة تعيد فتح الأسئلة القديمة

أعادت التصريحات المنسوبة إلى الدكتور حاتم الجبلي، وزير الصحة المصري الأسبق، النقاش حول ما جرى في الأيام الفاصلة التي سبقت ثورة 25 يناير 2011. فبحسب ما أُعلن عن ظهوره في بودكاست "أسئلة حرجة" مع الإعلامي مجدي الجلاد، قال الجبلي إن أجهزة الدولة رصدت تحركات لعناصر من حركة حماس قبل اندلاع الاحتجاجات بخمسة أيام، مضيفًا أن المشكلة لم تكن في غياب الرصد بقدر ما كانت في سوء تقدير التطورات وعدم فهم الأثر المتصاعد لمواقع التواصل الاجتماعي على الحشد والتعبئة.

أهمية هذا الكلام لا تكمن فقط في مضمونه الأمني، بل في توقيته أيضًا. فالتصريحات جرى الترويج لها في 18 يوليو 2026 ضمن حلقة حوارية تستعيد ملفات سياسية من أواخر عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، من بينها صعود مجموعة جمال مبارك، وملف التوريث، والأيام الأخيرة قبل انفجار الشارع في 25 يناير. وهذه العودة إلى ذلك الملف بعد أكثر من 15 عامًا تعكس أن أسئلة يناير لم تغادر المجال العام المصري، حتى لو تغيّرت أولويات السياسة وتبدّلت خرائط القوى.

ماذا نعرف يقينًا من التصريحات؟

المعلومة المؤكدة التي أمكن التحقق منها هي أن الجبلي ظهر أو سيظهر في حلقة من بودكاست "أسئلة حرجة"، وأن المادة الترويجية المنشورة للحلقة نسبت إليه حديثًا عن رصد تحركات لحماس قبل الثورة بخمسة أيام، إلى جانب حديثه عن "خطة أمريكية لنشر الفوضى" ورؤيته لملفات تلك المرحلة. كما أمكن التحقق من أن حاتم الجبلي شغل منصب وزير الصحة والسكان في مصر من 31 ديسمبر 2005 حتى 31 يناير 2011، أي إنه كان عضوًا في الحكومة حتى الأيام الأولى للاحتجاجات التي بدأت في 25 يناير 2011.

أما ما لا يمكن الجزم به من خارج الحلقة الكاملة، فهو التفاصيل الدقيقة التي استند إليها الجبلي: من هي الجهة التي أبلغته؟ وما طبيعة "الرصد" المقصود؟ وهل كان الرصد يتعلق بعبور حدودي، أو اتصالات، أو تقديرات أمنية عامة؟ هذه أسئلة حاسمة، لأن الفارق كبير بين وجود معلومات أولية لدى أجهزة الدولة وبين امتلاك تصور كامل لمسار الأحداث وقدرتها على التحول إلى انتفاضة شعبية واسعة.

الفجوة بين جمع المعلومات وفهم اللحظة

في التحليل السياسي، لا تُقاس كفاءة الدولة فقط بقدرتها على جمع المعلومات، بل بمدى قدرتها على ترجمة الإشارات إلى قرار. وهنا تبدو شهادة الجبلي، إن أخذناها في سياقها الأوسع، أقرب إلى اعتراف ضمني بأن بنية الحكم في أواخر عهد مبارك لم تكن عاجزة عن الرصد، لكنها كانت أقل قدرة على فهم التحولات الاجتماعية العميقة التي كانت تتراكم تحت السطح.

ثورة 25 يناير لم تبدأ في فراغ. فالهيئة العامة للاستعلامات تشير إلى أن الاحتجاجات انطلقت يوم 25 يناير 2011 على خلفية اعتراضات اجتماعية وسياسية واقتصادية، واحتجاجًا على عنف الشرطة والأوضاع المعيشية. وهذا يعني أن أي قراءة تختزل ما جرى في عنصر خارجي واحد تتجاهل البيئة الداخلية التي جعلت الانفجار ممكنًا ومفهومًا.

من هنا، يمكن فهم حديث الجبلي عن سوء تقدير تأثير مواقع التواصل بوصفه أحد أهم أجزاء الرواية، وربما أكثرها واقعية سياسيًا. ففي تلك الفترة، لم تكن شبكات مثل فيسبوك وتويتر مجرد أدوات اتصال، بل تحولت إلى منصات لصناعة المزاج العام، وتبادل مواد التوثيق، وكسر احتكار السردية الرسمية. كانت الدولة، على الأرجح، تنظر إلى هذه المنصات بعين أمنية تقليدية، بينما كانت وظيفتها الحقيقية في الشارع أكبر من ذلك بكثير.

هل تغيّر مضمون النقاش حول يناير؟

اللافت أن الجبلي لا يعود إلى يناير من بوابة صحية أو خدمية، رغم أنه شغل وزارة سيادية من حيث التأثير المجتمعي، بل من بوابة السياسة العميقة: التوريث، توازنات الحكم، العلاقة بمبارك، ودور المؤسسات. وهذا في حد ذاته كاشف؛ لأن مراجعات رجال النظام السابق، حين تحدث، نادرًا ما تكون إدارية خالصة، بل تأتي محمّلة بمحاولة تفسير لماذا أخطأت الدولة في قراءة لحظة الانهيار.

في هذا المعنى، تبدو تصريحات الجبلي جزءًا من نمط أوسع من الشهادات المتأخرة: شهادات لا تنفي وجود مؤشرات مسبقة، لكنها تقول إن التقدير السياسي كان هو الحلقة الأضعف. وهذه نقطة مهمة للقارئ المصري، لأن سؤال يناير لم يكن يومًا: "هل كانت هناك معلومات؟" فقط، بل: "لماذا لم تُفهم مصر كما كانت تتغير؟"

بين الأمن والسياسة.. أين وقع الخلل؟

يمكن تلخيص المعضلة التي توحي بها تصريحات الجبلي في ثلاث نقاط:

  • أولًا: وجود مؤشرات أو تحركات مرصودة لا يعني تلقائيًا فهم المشهد الشعبي.
  • ثانيًا: المؤسسات التقليدية قد تنجح في متابعة الخطر الخارجي، لكنها تخفق في قياس الغضب الداخلي.
  • ثالثًا: التأثير السياسي لمواقع التواصل في 2011 سبق أدوات الدولة في الاستيعاب والاستجابة.

وهذا كله ينسجم مع حقيقة تاريخية ثابتة: الاحتجاجات التي بدأت يوم 25 يناير 2011 اتسعت سريعًا وتحولت إلى موجة شعبية واسعة انتهت بتنحي الرئيس حسني مبارك في 11 فبراير 2011 بعد 18 يومًا من التظاهر. أي أن المشكلة لم تكن في حدث عابر، بل في لحظة تراكم انفجرت دفعة واحدة.

لماذا تهم هذه الشهادة الآن؟

لأنها تعيد توجيه النقاش من سؤال الاتهام إلى سؤال الفهم. فحين يقول مسؤول سابق إن الأجهزة رصدت وإن الأزمة كانت في التقدير، فهو يلفت الانتباه إلى عيب بنيوي في أنظمة الحكم المغلقة: كثرة المعلومات لا تُنتج بالضرورة رؤية صحيحة، ما لم تكن هناك قدرة على الاستماع للمجتمع، وقراءة التحولات خارج القوالب الأمنية الجامدة.

وبالنسبة للقارئ في مصر اليوم، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه التصريحات لا تكمن في إعادة تدوير سجالات قديمة، بل في التفكير في درس أكثر اتساعًا: الدول لا تُفاجأ فقط بما لا تعرفه، بل أيضًا بما تعرفه ولا تحسن تفسيره. وربما لهذا السبب يظل ملف 25 يناير مفتوحًا في الذاكرة السياسية المصرية، ليس فقط باعتباره حدثًا تاريخيًا، بل باعتباره اختبارًا دائمًا لعلاقة السلطة بالمجتمع.

خلاصة المشهد

ما قاله حاتم الجبلي يضيف طبقة جديدة إلى أرشيف الشهادات عن ما قبل يناير، لكنه لا يحسم الجدل. المؤكد أن الرجل كان في قلب السلطة حتى 31 يناير 2011، وأنه يتحدث الآن عن رصد سابق للأحداث وعن قصور في فهم أثر الفضاء الرقمي. أما الأهم من ذلك، فهو أن هذه الرواية، حتى لو صحت في كل تفاصيلها، لا تلغي حقيقة أن ثورة 25 يناير بدأت في 25 يناير 2011 وسط أسباب داخلية عميقة ومركبة، اجتماعية وسياسية واقتصادية، كانت أقوى من أي قراءة تبسيطية.

لهذا، فإن التعامل مع هذه الشهادة ينبغي أن يكون باعتبارها مادة للتحليل لا حقيقة نهائية. فهي تفتح الباب أمام مراجعة جديدة لواحدة من أهم اللحظات في تاريخ مصر الحديث: كيف رأت الدولة ما كان يقترب، ولماذا لم تدرك حجمه إلا بعد أن أصبح واقعًا في الشارع؟