Akhbar Cairo

حاتم الجبلي يروي كواليس علاقة الجنزوري بمعركة توشكى

حاتم الجبلي يعيد إحياء الجدل حول كمال الجنزوري وتوشكى

أعاد الدكتور حاتم الجبلي، وزير الصحة الأسبق، تسليط الضوء على تجربة الدكتور كمال الجنزوري ورؤيته للتنمية في مصر، متوقفًا عند واحدة من أكثر القضايا التي أثارت نقاشًا واسعًا لسنوات، وهي مشروع توشكى وما أحاط به من اعتراضات وخلافات مبكرة. الحديث لم يكن مجرد استدعاء لسيرة رئيس وزراء سابق، بل فتح الباب مجددًا أمام سؤال قديم: هل تعرض الجنزوري لهجوم سياسي وإعلامي لأن مشروعه كان طموحًا أكثر من اللازم، أم لأن شعبيته المتزايدة أزعجت دوائر نافذة في ذلك الوقت؟

هذا السؤال عاد إلى الواجهة مع استحضار الجبلي لبعض كواليس تلك المرحلة، في وقت لا يزال فيه اسم الجنزوري حاضرًا بقوة في ملف التنمية، خصوصًا بعد أن أطلقت الدولة اسمه على محور توشكى تقديرًا لدوره في إطلاق المشروع خلال تسعينيات القرن الماضي.

الجنزوري ومشروع توشكى.. من الحلم الكبير إلى المعركة المفتوحة

يرتبط اسم كمال الجنزوري تاريخيًا بمشروع تنمية جنوب الوادي في توشكى، وهو المشروع الذي انطلق رسميًا في يناير 1997، حين وُضع حجر الأساس له باعتباره أحد أكبر المشروعات الهادفة إلى إعادة توزيع السكان والتوسع الزراعي خارج الوادي الضيق. وقدمت الدولة المشروع وقتها باعتباره ركيزة استراتيجية لزيادة الرقعة الزراعية وخلق مجتمعات عمرانية جديدة في جنوب مصر.

وخلال السنوات التالية، تحول المشروع إلى ساحة جدل حاد. فريق رأى فيه رؤية بعيدة المدى تتجاوز الحسابات السريعة للربح والخسارة، وفريق آخر اعتبر أن التنفيذ واجه عقبات كبيرة تتعلق بالتربة، والخدمات، والتسويق، وكلفة البنية الأساسية. وفي هذا السياق، ظهرت انتقادات معروفة من العالم المصري الراحل فاروق الباز، الذي أبدى في وقت سابق اعتراضات على جدوى المشروع بصيغته الأولى، معتبرًا أن ابتعاده عن العمران والخدمات يمثل تحديًا أساسيًا.

خلافات فكرية لا تنفي أهمية الفكرة

الحديث عن توشكى لم يكن يومًا مجرد خلاف فني محدود، بل كان في جوهره خلافًا حول أولويات التنمية في مصر: هل تتجه الدولة إلى تعمير الصحراء الجنوبية بمشروعات ضخمة تحتاج صبرًا طويلًا، أم تركز على مناطق أقرب إلى الكتل السكانية والأسواق؟ ولهذا جاء اسم كل من فاروق الباز وإسماعيل سراج الدين ضمن النقاشات التي صاحبت الملف، في إشارة إلى أن المشروع ظل مطروحًا على طاولة الخبراء وصناع القرار لسنوات، بين مؤيد يراه مشروعًا استراتيجيًا، ومتحفظ يرى أن نجاحه مشروط بتوافر شبكة متكاملة من النقل والخدمات والاستثمارات.

مفيض توشكى.. لماذا ظل عنصرًا محوريًا في النقاش؟

من النقاط التي أثيرت مجددًا في تناول الجبلي للملف، الحديث عن مفيض توشكى ودوره الحيوي. والمقصود هنا الممر المائي الطبيعي والاصطناعي المرتبط بتصريف المياه الزائدة من بحيرة ناصر عند ارتفاع المناسيب، وهو ما جعل المنطقة مرتبطة منذ البداية ليس فقط بالزراعة، ولكن أيضًا بإدارة المياه وحماية المنظومة المائية في جنوب مصر.

أهمية هذا الجزء من الملف تعود إلى أن مشروع توشكى لم يكن مجرد استصلاح أراضٍ، بل كان أيضًا جزءًا من تصور أوسع لاستغلال الموارد المائية بشكل يدعم الأمن الغذائي ويخفف الضغط عن الوادي والدلتا. ولهذا السبب ظل المشروع حاضرًا في خطاب الدولة كلما جرى الحديث عن الأمن القومي المائي والغذائي.

لماذا ارتبط الهجوم على توشكى باسم الجنزوري شخصيًا؟

جزء من الجدل حول المشروع ارتبط بشخصية الجنزوري نفسه. فقد عُرف الرجل في الوعي العام بلقب وزير الفقراء، واحتفظ بحضور شعبي واضح حتى بعد خروجه من رئاسة الحكومة. ومع مرور الوقت، ظهرت روايات سياسية وإعلامية تقول إن بعض الهجوم عليه لم يكن منفصلًا عن اتساع شعبيته أو عن طبيعة إدارته التي بدت مختلفة داخل النظام التنفيذي في ذلك الوقت.

لا توجد وثيقة رسمية حاسمة تثبت أن الحرب على الجنزوري كانت بسبب شعبيته وحدها، لكن المؤكد أن اسمه ارتبط بمشروع توشكى أكثر من ارتباطه بأي ملف آخر، حتى بات تقييم المشروع عند كثيرين مرادفًا لتقييم تجربته السياسية والتنموية نفسها. ولهذا فإن استعادة الجبلي لهذه المرحلة تعني عمليًا إعادة قراءة سيرة رجل ظل حضوره يتجاوز حدود المنصب.

توشكى اليوم.. ماذا تغير على الأرض؟

بعيدًا عن جدل التسعينيات، فإن السنوات الأخيرة شهدت عودة قوية لمشروع توشكى ضمن خطة الدولة للتوسع الزراعي. ووفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات ووزارة الموارد المائية والري، أعيد إحياء المشروع ضمن برنامج التوسع في استصلاح الأراضي، مع استثمارات قومية تجاوزت 40 مليار جنيه حتى 2024. كما أكدت الرئاسة والجهات الرسمية أن إجمالي المساحات المنزرعة في المنطقة وصل في 2024 إلى ما بين 600 ألف و650 ألف فدان، مع استهداف استصلاح وزراعة 150 ألف فدان إضافية خلال العام نفسه.

وتشير البيانات الرسمية كذلك إلى أن المشروع بات جزءًا من خطة أوسع لزراعة المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، فضلًا عن التوسع في زراعة النخيل. وتتحدث المصادر الرسمية عن هدف زراعة 2.3 مليون نخلة في توشكى، بما يدعم موقع مصر في إنتاج وتصدير التمور، إلى جانب بناء بنية أساسية حديثة تشمل محطات رفع المياه والطرق والخدمات اللازمة لاستدامة النشاط الزراعي.

من مشروع متعثر إلى أولوية قومية

ما يلفت الانتباه أن الدولة لم تتعامل مع توشكى في السنوات الأخيرة باعتباره مجرد مشروع قديم يُستكمل، بل قدمته باعتباره نموذجًا على قدرة مصر على تصحيح مسار المشروعات الكبرى بدلًا من إلغائها. ففي 25 مايو 2024 افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع محطات رفع المياه الرئيسية العملاقة في توشكى، في خطوة عكست استمرار الرهان الرسمي على المنطقة باعتبارها أحد مفاتيح الأمن الغذائي والتنمية في جنوب البلاد.

قراءة جديدة لتجربة الجنزوري

تصريحات حاتم الجبلي تعيد طرح تجربة كمال الجنزوري من زاوية مختلفة: ليس فقط كرئيس وزراء أطلق مشروعًا مثيرًا للجدل، بل كمسؤول تبنى رؤية تنموية اصطدمت ببيئة سياسية وإدارية لم تكن دائمًا متفقة على الأولويات. وبينما يظل الجدل قائمًا حول تفاصيل الماضي، فإن الواقع الحالي يشير إلى أن فكرة توشكى نفسها لم تمت، بل عادت بصيغة أحدث وأوسع.

ولهذا، فإن السؤال عن تعرض الجنزوري لـ"حرب" بسبب شعبيته قد يظل مفتوحًا على التأويل السياسي، لكن الثابت أن اسمه لا يزال حاضرًا كلما ذُكرت مشروعات التوسع الزراعي الكبرى في مصر. ومع استمرار العمل في توشكى، يبدو أن الحكم النهائي على تلك التجربة لم يعد يعتمد فقط على ما قيل عنها في بدايتها، بل على ما تحقق منها فعليًا على الأرض.

  • بداية المشروع: يناير 1997.
  • المنطقة: جنوب الوادي في نطاق توشكى بمحافظة أسوان.
  • أحدث دفعة رسمية كبيرة: افتتاحات ومشروعات معلنة في 25 مايو 2024.
  • المساحات المنزرعة المعلنة رسميًا: بين 600 ألف و650 ألف فدان في 2024.
  • الهدف الزراعي البارز: دعم القمح وزراعة ملايين من أشجار النخيل.

في النهاية، لا تبدو قصة الجنزوري مع توشكى مجرد فصل من الماضي، بل فصلًا مستمرًا في نقاش مصري قديم ومتجدد حول معنى التنمية، ومن يملك شجاعة الدفع بها رغم الشكوك والاعتراضات.