حازم بدوي: تصويت الجاليات بالخارج ركيزة للديمقراطية في إفريقيا
دعوة مصرية من شرم الشيخ لتوسيع الحقوق السياسية للأفارقة في الخارج
طرح المستشار حازم حسين بدوي، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر، ملف تصويت الجاليات المقيمة خارج أوطانها باعتباره أحد الاختبارات المهمة لمدى تطور الممارسة الديمقراطية في القارة الإفريقية. وجاءت تصريحاته بالتزامن مع انعقاد الدورة العاشرة للمنتدى القاري السنوي لهيئات إدارة الانتخابات في الدول الإفريقية بمدينة شرم الشيخ يومي 6 و7 يوليو 2026، وهو المنتدى الذي تستضيفه مصر بمشاركة واسعة من مسؤولين وخبراء ومنظمات إقليمية ودولية معنية بالشأن الانتخابي.
وبحسب ما أُعلن عن أعمال المنتدى، فإن نسخة هذا العام تنعقد تحت عنوان "تصويت الجاليات في الخارج.. التقدم والفجوات والآفاق المستقبلية"، وهو عنوان يعكس بوضوح مركزية النقاش حول حقوق المواطنين المقيمين خارج حدود دولهم، ومدى قدرة الأنظمة الانتخابية الإفريقية على استيعابهم ضمن العملية السياسية بدل تركهم على هامشها.
بدوي: مطالبة المغتربين بدعم أوطانهم تقتضي تمكينهم سياسيا
في هذا السياق، شدد رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات على أن مطالبة أبناء القارة المقيمين بالخارج بالحفاظ على صلتهم بأوطانهم والمساهمة في دعمها، خصوصا في أوقات الأزمات، يجب أن يقترن بضمان حقهم في المشاركة الانتخابية. ومن هذه الزاوية، اعتبر أن استبعادهم من التصويت يخلق تناقضا سياسيا وقانونيا ينبغي على الدول الإفريقية العمل على معالجته عبر تطوير الأطر التشريعية والإجرائية المنظمة للاقتراع خارج الحدود.
أهمية هذا الطرح لا تتوقف عند كونه تصريحا سياسيا عاما، بل ترتبط بجدول أعمال المنتدى نفسه، الذي يناقش أفضل الممارسات الدولية والتجارب المقارنة، إلى جانب التحديات التشريعية والإدارية واللوجستية المتعلقة بتنظيم التصويت في الخارج، فضلا عن دور تكنولوجيا الانتخابات في تسهيل مشاركة المواطنين المقيمين خارج بلدانهم.
أكثر من 100 مشارك ومنظمات إقليمية ودولية
المنتدى القاري في شرم الشيخ يشهد، وفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية، مشاركة أكثر من 100 ممثل عن هيئات انتخابية ووفود رسمية ومنظمات دولية وإقليمية. ومن بين الجهات المشاركة: مفوضية الاتحاد الإفريقي، ورابطة الهيئات الانتخابية الإفريقية، وجامعة الدول العربية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، والمركز الأوروبي للدعم الانتخابي. هذا الحضور يمنح النقاش بعدا عمليا، لأنه يجمع بين صناع القرار ومؤسسات الدعم الفني والخبراء المعنيين بتطوير نظم الاقتراع في القارة.
كما يكتسب انعقاد المنتدى في مصر دلالة إضافية لدى المتابع المصري والإفريقي، في ظل سعي القاهرة إلى تقديم تجربتها في إدارة الاستحقاقات الانتخابية، وخاصة ما يتعلق بترتيبات تصويت المواطنين بالخارج، باعتبارها واحدة من الملفات التي شهدت توسعا تنظيميا خلال السنوات الأخيرة.
التجربة المصرية في تصويت الخارج.. نموذج مطروح للنقاش الإفريقي
الموقع الرسمي للهيئة الوطنية للانتخابات يوضح أن الهيئة، المنشأة بموجب دستور 2014، تختص دون غيرها بإدارة الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية والمحلية، وتشمل اختصاصاتها تيسير إجراءات تصويت المصريين المقيمين في الخارج. وتُعد هذه النقطة جزءا أصيلا من البناء المؤسسي للهيئة، لا مجرد إجراء تنظيمي عابر.
وخلال السنوات الماضية، كررت الهيئة الوطنية للانتخابات التأكيد على أهمية مشاركة المصريين بالخارج في الاستحقاقات المختلفة. وفي تغطيات رسمية وإعلامية سابقة، وصف المستشار حازم بدوي إقبال المصريين المقيمين بالخارج على التصويت بأنه تعبير عن وعي سياسي وانتماء وارتباط بالدولة، وهو ما يعكس النظرة المصرية إلى اقتراع الخارج بوصفه امتدادا للمجال العام الوطني، لا ملفا ثانويا.
وتُظهر بيانات الهيئة كذلك أن تصويت المصريين بالخارج كان جزءا من العملية الانتخابية في الاستحقاقات الأخيرة؛ ففي جولة الإعادة ضمن انتخابات مجلس النواب 2025 جرى اقتراع المصريين بالخارج يومي 31 ديسمبر 2025 و1 يناير 2026، قبل التصويت في الداخل يومي 3 و4 يناير، بحسب ما أعلنته الهيئة عند إعلان النتائج النهائية.
لماذا يزداد وزن هذا الملف في إفريقيا؟
ملف تصويت الجاليات في الخارج يكتسب ثقلا متزايدا في القارة الإفريقية لعدة أسباب:
- اتساع حجم الهجرة والتنقل بين دول القارة وخارجها لأسباب العمل والدراسة واللجوء.
- الدور الاقتصادي للجاليات عبر التحويلات المالية والدعم الأسري والاستثماري.
- الحاجة إلى توسيع التمثيل السياسي بحيث لا يفقد المواطن صوته لمجرد إقامته المؤقتة أو الطويلة خارج بلده.
- تعزيز الثقة في المؤسسات من خلال إشعار المواطنين في الخارج بأنهم جزء من القرار الوطني.
- مواجهة الفجوات القانونية والتنظيمية التي ما تزال تمنع أو تقيد المشاركة في عدد من الدول.
ومن هنا، تبدو رسالة بدوي موجهة إلى نطاق أوسع من الحالة المصرية؛ فهي تعبر عن توجه يدعو إلى تطوير منظومة انتخابية إفريقية أكثر شمولا، بحيث تستوعب التحولات السكانية والاقتصادية التي تشهدها القارة.
تحديات عملية أمام اقتراع الخارج
رغم الجاذبية الديمقراطية لفكرة تمكين الجاليات من التصويت، فإن تطبيقها يظل مرتبطا بجملة من التحديات. وتشمل هذه التحديات تحديد مقار الاقتراع في البعثات الدبلوماسية أو غيرها، وضمان تحديث قواعد بيانات الناخبين، وتأمين أوراق الاقتراع أو النظم الإلكترونية، ومراقبة العملية الانتخابية، وحسم المسائل القانونية المرتبطة بالطعون والفرز وإعلان النتائج.
كما أن بعض الدول الإفريقية تواجه تحديات مرتبطة بالتمويل والبنية التحتية والقدرات الإدارية، ما يجعل تبادل الخبرات بين هيئات إدارة الانتخابات مسألة أساسية. ولهذا تبرز أهمية المنتدى القاري الذي تستضيفه شرم الشيخ، ليس فقط كمساحة للنقاش، بل أيضا كمنصة لصياغة توصيات عملية قابلة للتطبيق في بيئات قانونية وسياسية مختلفة داخل القارة.
مصر وتكريس البعد الإفريقي في النقاش الديمقراطي
استضافة مصر لهذا الحدث تعكس كذلك استمرار انخراطها في ملفات التعاون الإفريقي المؤسسي، خاصة في المسائل المرتبطة بالحكم الرشيد وبناء المؤسسات. وكانت الهيئة الوطنية للانتخابات قد شاركت من قبل في فعاليات إفريقية متخصصة، من بينها اجتماعات عُقدت في جوهانسبرج في الفترة من 27 إلى 29 فبراير 2024 بشأن المبادئ الإرشادية لاستخدام الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في الانتخابات الإفريقية.
هذا المسار يشير إلى أن القاهرة لا تقدم نفسها فقط كدولة تنظم انتخابات داخل حدودها، بل أيضا كطرف مشارك في تطوير النقاش الإفريقي حول إدارة الانتخابات، والشفافية، ودمج التكنولوجيا، وتوسيع المشاركة السياسية. ومن هذه الزاوية، ينسجم حديث حازم بدوي عن حق المغتربين في التصويت مع توجه أوسع يربط بين الديمقراطية الشاملة واستقرار الدولة الوطنية والحفاظ على الروابط مع الجاليات.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يضع تصريح رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات قضية تصويت الجاليات بالخارج في قلب النقاش الإفريقي حول مستقبل الديمقراطية. فالمعادلة التي طرحها واضحة: إذا كانت الدول الإفريقية تريد من مواطنيها في الخارج أن يظلوا سندا لأوطانهم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، فإن منطق المشاركة يقتضي عدم حرمانهم من أحد أهم الحقوق العامة، وهو حق التصويت. وبينما تستضيف شرم الشيخ هذا النقاش في يوليو 2026، تبدو الفرصة قائمة أمام عدد من دول القارة لتحويل هذا الملف من شعار سياسي إلى إصلاح مؤسسي ملموس يوسع المشاركة ويعزز شرعية العمليات الانتخابية.