حازم بدوي: حق التصويت لا يسقط بالهجرة ويتطلب إصلاحات
رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات يضع ملف تصويت المواطنين بالخارج في صدارة النقاش
عاد ملف التصويت بالخارج إلى الواجهة من جديد بعد تصريحات المستشار حازم بدوي، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر، التي شدد فيها على أن المواطنة حق لا يسقط بالهجرة، وأن المشاركة السياسية يجب ألا ترتبط بمكان إقامة المواطن أو موقعه الجغرافي. هذا الطرح يكتسب أهمية خاصة في سياق النقاشات الأوسع داخل القارة الإفريقية حول حقوق الجاليات والمغتربين، وكيفية تمكينهم من الاقتراع في الاستحقاقات الوطنية دون تمييز أو تعقيد.
التصريحات تعكس توجهاً يقوم على فكرة أساسية مفادها أن انتقال المواطن للعمل أو الإقامة خارج بلده لا ينبغي أن يتحول إلى سبب عملي أو تشريعي يحول بينه وبين ممارسة حقه الدستوري في اختيار ممثليه أو المشاركة في الاستفتاءات والانتخابات. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا النقاش ليس بعيداً عن التجربة المحلية، إذ طورت مصر خلال السنوات الأخيرة آليات تصويت المصريين في الخارج عبر السفارات والقنصليات، بالتنسيق بين الهيئة الوطنية للانتخابات ووزارة الخارجية.
ماذا قال حازم بدوي؟
بحسب التصريحات المتداولة في وسائل إعلام مصرية، دعا رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات إلى وضع تصورات عملية ومقترحات قابلة للتنفيذ لمعالجة العقبات التشريعية والإدارية التي تعرقل تفعيل حق التصويت للمواطنين المقيمين بالخارج في عدد من الدول الإفريقية. كما شدد على أهمية أن تنعكس هذه المقترحات في القوانين الوطنية، مع الالتزام بمبدأ المساواة بين المواطنين وعدم ربط الحق الانتخابي بمكان الإقامة.
هذا التوجه يتسق مع مواقف سابقة للمستشار حازم بدوي، الذي أكد في مناسبات عدة أن التصويت حق يكفله الدستور والقانون لكل مواطن مستوفٍ للشروط، وأن الهيئة تعمل على تيسير الإجراءات داخل مصر وخارجها. كما سبق للهيئة أن نظمت تصويت المصريين بالخارج في الانتخابات الرئاسية 2023 عبر 137 سفارة وقنصلية في 121 دولة حول العالم، مع السماح بالتصويت لمن هم مقيدون بقاعدة بيانات الناخبين ويحملون بطاقة رقم قومي أو جواز سفر سارياً متضمناً الرقم القومي.
التجربة المصرية كنموذج قابل للمقارنة
في الحالة المصرية، برز ملف اقتراع المواطنين خارج البلاد بشكل واضح خلال الاستحقاقات الأخيرة. الهيئة الوطنية للانتخابات أوضحت في نهاية عام 2023 أن اللجان الانتخابية بالخارج انتشرت عبر البعثات الدبلوماسية المصرية، وأن التصويت متاح للمقيمين والزائرين على السواء متى توافرت الشروط القانونية الأساسية. هذا التنظيم جاء نتيجة تنسيق مباشر بين الهيئة ووزارة الخارجية، وهو ما أشار إليه بدوي أيضاً في تصريحات رسمية سابقة.
كما أظهرت بيانات الهيئة في يناير 2026 أن الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة امتدت 99 يوماً، وانتهت بانتخاب 568 نائباً في مجلس النواب، في عملية وصفتها الهيئة بأنها الأطول في تاريخ الحياة البرلمانية المصرية. ورغم أن هذا الرقم يخص الداخل أساساً، فإنه يعكس حجم الخبرة التنظيمية التي راكمتها المؤسسات المصرية في إدارة العمليات الانتخابية، بما في ذلك ما يتصل بتصويت المواطنين في الخارج.
لماذا تبدو القضية أكثر تعقيداً في بعض الدول الإفريقية؟
الحديث عن تفعيل التصويت بالخارج في إفريقيا لا يتعلق فقط بفتح مقار اقتراع في السفارات، بل يمتد إلى شبكة واسعة من التحديات القانونية واللوجستية. بعض الدول لا تزال تواجه إشكالات مرتبطة بقوانين الجنسية المزدوجة، أو اشتراطات التسجيل المسبق، أو محدودية التمثيل الدبلوماسي، أو نقص قواعد البيانات المحدثة للناخبين في المهجر.
وتوضح تقارير ومراجع إفريقية أن مسألة إشراك الشتات الإفريقي في الحياة العامة تحظى باهتمام متزايد داخل الاتحاد الإفريقي، الذي ينظر إلى الدياسبورا الإفريقية باعتبارها شريكاً في التنمية وبناء المؤسسات. كما أقر الاتحاد بدور الشتات في التفاعل مع القارة، وهو ما يمنح النقاش حول التصويت من الخارج بعداً سياسياً يتجاوز الإجراء الانتخابي نفسه إلى مسألة الاندماج الوطني والتمثيل المتكافئ.
وفي المقابل، تكشف تجارب إفريقية متباينة أن التطبيق ليس سهلاً دائماً. فبعض الدول وسعت الاقتراع الخارجي تدريجياً، كما حدث في توغو، بينما فضلت دول أخرى تجريب التصويت الخارجي على نطاق محدود، كما جرى في تجربة الكونغو الديمقراطية بالنسبة لبعض الدول المستضيفة للجاليات. وهناك أيضاً دول فتحت محطات اقتراع في الخارج ضمن الانتخابات الوطنية، كما سُجل في بوروندي. هذه الفوارق تبرز أن نجاح التجربة يرتبط أولاً بالإرادة التشريعية، ثم بالقدرة التنفيذية.
العقبات التشريعية والإدارية الأبرز
عند تفكيك القضية، يمكن رصد مجموعة من التحديات التي تجعل دعوة بدوي ذات طابع عملي أكثر من كونها مجرد موقف مبدئي:
- غياب نصوص قانونية واضحة تسمح بالاقتراع الخارجي أو تنظم شروطه بدقة.
- صعوبات تسجيل الناخبين في الخارج، خصوصاً مع تغير محل الإقامة أو ضعف تحديث البيانات.
- محدودية عدد السفارات والقنصليات في بعض الدول الإفريقية، ما يرهق الناخبين بمسافات سفر طويلة.
- القيود الإدارية المرتبطة بالأوراق الثبوتية أو اشتراطات الهوية والجنسية.
- التكلفة اللوجستية لتأمين اللجان ونقل المواد الانتخابية والإشراف على العملية بشفافية.
من هنا، فإن دعوة رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات إلى تضمين التوصيات في القوانين الوطنية تبدو جوهرية، لأن أي توسع في الاقتراع الخارجي يحتاج إلى سند تشريعي واضح يحدد من يحق له التصويت، وكيف يتم التسجيل، وما هي الجهة المشرفة، وكيف تُحتسب النتائج وتُعلن.
أهمية التصويت بالخارج في السياق العالمي
بالنسبة لدول كثيرة، لم يعد تصويت المواطنين في الخارج مسألة هامشية. الجاليات والمهاجرون يشكلون في أحيان كثيرة كتلاً سكانية واقتصادية مؤثرة، وبعضهم يحافظ على ارتباط قوي ببلده الأصلي عبر التحويلات المالية والاستثمارات والعلاقات الأسرية. لذلك، فإن حرمان هذه الفئة من التصويت قد يخلق فجوة بين الدولة ومواطنيها في الخارج، بينما يساهم تمكينهم من الاقتراع في تعزيز الشرعية السياسية والشعور بالمواطنة المتساوية.
وفي الحالة الإفريقية تحديداً، تزداد حساسية الملف مع اتساع موجات الهجرة والعمل العابر للحدود، سواء داخل القارة أو خارجها. ولهذا، فإن أي إصلاحات تتعلق بتمكين الناخبين في الخارج ستنعكس على صورة النظم السياسية الإفريقية أمام مواطنيها وأمام شركائها الدوليين، باعتبارها مؤشراً على اتساع المشاركة واحترام الحقوق السياسية.
ما الذي يعنيه ذلك لمتابعي الشأن المصري؟
رغم أن التصريحات تتناول تحديات أوسع في عدد من الدول الإفريقية، فإنها تهم المتابع المصري من زاويتين. الأولى أن مصر تمتلك بالفعل تجربة مؤسسية في تنظيم اقتراع مواطنيها في الخارج، ما يجعل صوتها وخبرتها محل اهتمام في أي نقاش إقليمي حول أفضل الممارسات الانتخابية. والثانية أن تطور هذا الملف في إفريقيا يفتح الباب أمام مقارنات مفيدة بشأن كيفية تحقيق التوازن بين الضمانات القانونية، والمرونة الإدارية، وسهولة وصول الناخب إلى صندوق الاقتراع.
في المحصلة، تحمل رسالة المستشار حازم بدوي مضموناً سياسياً وقانونياً واضحاً: الحق في التصويت لا ينبغي أن يتبخر بمجرد عبور الحدود. وبين المبدأ والتطبيق، يبقى التحدي الحقيقي أمام العديد من الدول الإفريقية هو تحويل هذا الحق إلى آليات قابلة للتنفيذ، تضمن للمواطن في الخارج أن يشارك في تقرير مستقبل بلاده دون أن يصبح البعد الجغرافي عائقاً دائماً أمامه.