حرب الظل بين الاستخبارات والتنظيمات المسلحة في غرب آسيا
حرب الاستخبارات والتنظيمات المسلحة: ماذا تكشف الوقائع المؤكدة؟
أعاد الجدل الإعلامي الأخير حول إمكان توظيف عناصر من تنظيمات متطرفة داخل إيران فتح ملف شديد الحساسية في غرب آسيا: إلى أي مدى تستطيع أجهزة الاستخبارات اختراق جماعات مسلحة أو استغلالها لخدمة أهدافها؟ وبينما تبقى بعض المزاعم المتداولة غير قابلة للتحقق المستقل، فإن الوقائع المثبتة خلال السنوات الماضية تؤكد أن الصراع الخفي بين إسرائيل وإيران تجاوز منذ زمن حدود المواجهة التقليدية، وانتقل إلى مستوى بالغ التعقيد من الاختراق الأمني والعمليات السرية.
في هذا السياق، تبدو إيران ساحة مركزية لما يُعرف بـحرب الظل، وهي الحرب التي تتداخل فيها الاستخبارات البشرية، والمراقبة التقنية، والاغتيالات الدقيقة، والهجمات السيبرانية، والعمل عبر وسطاء أو شبكات غير نظامية. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا الملف لا تنبع فقط من متابعة توازنات غرب آسيا، بل من تأثيره المباشر على أمن البحر الأحمر، ومسارات الطاقة، والاستقرار الإقليمي الممتد من المشرق إلى شمال أفريقيا.
اختراقات مثبتة داخل إيران
بعيدًا عن الروايات غير المؤكدة، هناك سلسلة من الأحداث الموثقة التي عززت الانطباع بأن البنية الأمنية الإيرانية تعرضت لاختراقات عميقة. من أبرزها إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 30 أبريل 2018 أن إسرائيل حصلت على ما وصفه بـ"الأرشيف النووي الإيراني"، عارضًا وثائق وملفات قال إنها تثبت احتفاظ طهران بمعرفة منظمة تتعلق ببرنامجها النووي السابق. وكشفت تغطيات دولية واسعة آنذاك أن العملية نُسبت إلى جهاز الموساد في واحدة من أكثر العمليات الاستخباراتية إثارة في المنطقة.
كما شكّل اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في 27 نوفمبر 2020، قرب طهران، محطة مفصلية أخرى. وقتها قالت تقارير دولية إن العملية أظهرت ثغرات أمنية خطيرة داخل إيران، خصوصًا أن فخري زاده كان من أبرز الأسماء المرتبطة بالملف النووي الإيراني. وتحدثت تقارير لاحقة عن أن اغتياله كان خامس استهداف بارز لعلماء إيرانيين منذ 2010.
ثم جاء اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في طهران فجر 31 يوليو 2024، ليضاعف هذا الجدل. وكان هنية قد وصل إلى العاصمة الإيرانية للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، قبل أن تعلن حماس والحرس الثوري الإيراني مقتله مع أحد مرافقيه في مقر إقامته. وقد اعتُبر الحادث، سياسيًا وأمنيًا، مؤشرًا جديدًا على هشاشة الحماية داخل واحدة من أكثر العواصم تحصينًا أمنيًا في المنطقة.
لماذا قد تستغل الاستخبارات جماعات متطرفة؟
القاعدة المعروفة في عالم الاستخبارات لا تشترط تطابقًا أيديولوجيًا بين الجهاز والجهة التي يسعى لاختراقها أو تشغيل بعض عناصرها. الأهم هو وجود مصلحة مؤقتة، أو ثغرة، أو قابلية للتجنيد. ولهذا، فإن فكرة سعي أجهزة استخبارات إلى تجنيد أفراد من تنظيمات معادية أصلًا لخصومها ليست مستبعدة نظريًا، حتى إن ظل إثباتها عمليًا بالغ الصعوبة.
في الحالة الإيرانية، تمثل التنظيمات المتشددة السنّية، وعلى رأسها تنظيم "داعش"، خصمًا عقائديًا وعسكريًا مباشرًا لطهران وحلفائها. هذا العداء البنيوي يخلق، من الناحية النظرية، بيئة قد تحاول فيها أجهزة استخبارات معادية لإيران استغلال أفراد أو خلايا عبر المال، أو التهريب، أو تزويد معلومات، أو تسهيل الحركة. لكن الانتقال من الإمكان النظري إلى الحقيقة الموثقة يحتاج دائمًا إلى أدلة دامغة، وهو ما لا يتوافر غالبًا في هذا النوع من العمليات السرية.
بين الاستغلال والإنشاء: مدرستان في تفسير الظاهرة
توجد داخل الأدبيات السياسية والأمنية مقاربتان رئيسيتان لفهم علاقة الاستخبارات بالتنظيمات المسلحة. الأولى تقول إن هذه التنظيمات تنشأ أساسًا بفعل ظروف سياسية واجتماعية وأيديولوجية محلية، ثم تتعرض لاحقًا للاختراق أو التوظيف أو إعادة التوجيه عندما تتقاطع مصالحها مع أجندات إقليمية أو دولية. وهذه المقاربة هي الأكثر شيوعًا بين الباحثين.
أما المقاربة الثانية، وهي الأكثر إثارة للجدل، فترى أن بعض الجماعات لم يتم فقط استغلالها لاحقًا، بل جرى التساهل مع تمددها أو تسريع صعودها في لحظات معينة لإنتاج حالة من الفوضى المنضبطة أو إنهاك خصوم استراتيجيين. غير أن هذا الطرح، رغم انتشاره في النقاشات العامة، يظل أصعب في الإثبات علميًا وقانونيًا بسبب الطبيعة السرية للملفات الاستخباراتية.
أفغانستان.. المثال التاريخي الأكثر حضورًا
حين يُطرح هذا الملف، تعود المقارنات سريعًا إلى الحرب السوفيتية في أفغانستان بين 1979 و1989. فخلال تلك الحرب، قدّمت الولايات المتحدة عبر وكالة الاستخبارات المركزية، وبالتنسيق مع أجهزة إقليمية، دعمًا ماليًا وعسكريًا ولوجستيًا لفصائل المقاومة الأفغانية التي كانت تقاتل القوات السوفيتية. هذا الدعم موثق على نطاق واسع في المراجع الغربية والرسمية، ويُعد من أشهر الأمثلة على تداخل الحسابات الجيوسياسية مع الحركات المسلحة.
ومن رحم تلك البيئة ظهرت شبكات "الأفغان العرب" التي ارتبطت لاحقًا بتأسيس تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن. وثائق قضائية أمريكية لاحقة أوضحت أن القاعدة تبلورت من شبكات وخبرات تشكلت في أفغانستان وباكستان قبل أن تتحول إلى تنظيم عابر للحدود. وهنا يتحدث كثير من الباحثين عن "الأثر الارتدادي"، أي أن الجماعات التي جرى التساهل مع نموها أو دعم بيئتها القتالية في مرحلة معينة قد تنقلب لاحقًا إلى تهديد على رعاتها السابقين وعلى الإقليم كله.
دلالات النشر الإعلامي في قلب الصراع
حتى عندما يصعب تأكيد كل ما يُنشر عن العمليات السرية، فإن مجرد تسريب مثل هذه الروايات قد يكون جزءًا من المعركة نفسها. فالإيحاء بوجود اختراق غير تقليدي داخل منشآت حساسة يمكن أن يربك دوائر القرار، ويزيد الشكوك داخل الأجهزة الأمنية، ويدفع إلى حملات تطهير أو مراجعات داخلية مكلفة.
في الصراع الإيراني الإسرائيلي تحديدًا، لا يقتصر الهدف على جمع المعلومات أو تنفيذ عملية محددة، بل يمتد أحيانًا إلى التأثير النفسي والسياسي. فحين يتكرر وقوع حوادث كبيرة داخل إيران، من سرقة أرشيف إلى اغتيال علماء ثم مقتل شخصية بحجم إسماعيل هنية، فإن الرسالة الأوسع تصبح أن المواجهة لم تعد تدور فقط عند الحدود أو عبر الصواريخ، بل أيضًا داخل الدوائر الأمنية المغلقة.
ما الذي يعنيه ذلك لمحيط مصر والأمن الإقليمي؟
رغم أن مركز الثقل هنا هو غرب آسيا، فإن تداعيات هذا النمط من الصراعات تمتد إلى المجال الأفريقي الأوسع الذي تتابعه القاهرة عن كثب. أي تصعيد كبير بين إيران وإسرائيل أو توسع في استخدام الوكلاء والتنظيمات المسلحة يمكن أن ينعكس على طرق التجارة والطاقة، وعلى أمن الملاحة في البحر الأحمر، وعلى مستوى الاستقطاب في الإقليم.
ومن ثم، فإن فهم العلاقة المركبة بين أجهزة الاستخبارات والتنظيمات المتشددة ليس تمرينًا نظريًا فقط، بل مدخل ضروري لقراءة مستقبل الصراعات الممتدة من المشرق إلى القرن الأفريقي. والدرس الأهم من الوقائع المؤكدة حتى الآن هو أن التنظيمات المسلحة، مهما بدت مستقلة في خطابها، تبقى عرضة دومًا للاختراق، وأن الدول نفسها قد تواجه لاحقًا تداعيات الأدوات التي استُخدمت في حروب الظل.
- النتيجة الأولى: كثير من المزاعم المتداولة عن العلاقات السرية يصعب حسمها نهائيًا.
- النتيجة الثانية: الاختراقات الإسرائيلية داخل إيران مدعومة بسلسلة وقائع علنية وموثقة.
- النتيجة الثالثة: التاريخ، من أفغانستان إلى اليوم، يثبت أن استغلال الجماعات المسلحة قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل لكنه يخلّف أخطارًا طويلة المدى.
في النهاية، لا يمكن الجزم بكل ما يدور في الكواليس، لكن المؤكد أن الاستخبارات والتنظيمات المسلحة باتتا جزءًا من معادلة واحدة في صراعات المنطقة؛ معادلة تتغير أدواتها باستمرار، بينما تبقى كلفتها السياسية والأمنية مفتوحة على احتمالات أوسع من حدود مسرح العملية نفسها.