حزب الغد يفتح ملف الإيجار القديم ويطرح رؤية للتوازن
حزب الغد يدخل على خط النقاش حول الإيجار القديم
عاد ملف الإيجار القديم في مصر إلى واجهة الاهتمام السياسي والمجتمعي، بعدما نظم حزب الغد برئاسة المهندس موسى مصطفى موسى ندوة موسعة لمناقشة القانون رقم 164 لسنة 2025 الخاص ببعض الأحكام المتعلقة بإيجار الأماكن وإعادة تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر. الندوة جاءت في توقيت حساس، مع استمرار الجدل حول كيفية تطبيق القانون على الأرض، خاصة أنه يمس شريحة واسعة من الأسر المصرية والملاك على حد سواء.
وبحسب تغطيات صحفية مصرية حديثة، ركزت الندوة على فتح باب الحوار العام حول واحدة من أكثر القضايا اتصالًا بالحياة اليومية للمواطنين، في ظل سعي الأحزاب والقوى السياسية إلى تقديم تصورات عملية تقلل من حدة الاستقطاب بين طرفي العلاقة الإيجارية. ويترأس الحزب موسى مصطفى موسى، الذي يقود حزب الغد منذ سنوات، وظهر مؤخرًا في عدد من الفعاليات العامة والحزبية بالقاهرة.
ماذا يتضمن القانون 164 لسنة 2025؟
القانون رقم 164 لسنة 2025 دخل حيز السريان بعد نشره في الجريدة الرسمية في 4 أغسطس 2025، ويستهدف إعادة ضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر في العقود القديمة، في ضوء تحولات اقتصادية وقانونية تراكمت على مدى عقود. ووفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية استنادًا إلى نصوص القانون، فإنه يتضمن آليات جديدة لتحديد القيم الإيجارية، ومددًا انتقالية قبل انتهاء بعض العقود، إلى جانب نص يتيح للمستأجر التقدم للحصول على وحدة بديلة من الدولة إيجارًا أو تمليكًا وفق ضوابط محددة.
ومن أبرز النقاط التي جرى تداولها حول القانون أن الدولة ربطت تنفيذه بإجراءات حصر وتصنيف للوحدات السكنية إلى فئات مثل متميزة ومتوسطة واقتصادية، بما ينعكس على القيمة الإيجارية الجديدة وطبيعة المعالجة في كل منطقة. كما نصت المادة الثامنة، وفق ما تم نشره لاحقًا في قرارات تنفيذية، على أحقية بعض المستأجرين أو من امتد إليهم العقد في طلب تخصيص وحدة من الوحدات المتاحة لدى الدولة، مع منح أولوية للفئات الأولى بالرعاية.
خلفية الأزمة: من حكم الدستورية إلى القانون الجديد
التحول التشريعي الأخير لم يأتِ من فراغ. ففي 9 نوفمبر 2024 قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية ثبات الأجرة السنوية في بعض نصوص القانون رقم 136 لسنة 1981 الخاصة بالأماكن المؤجرة لأغراض السكنى، معتبرة أن الجمود الطويل في القيمة الإيجارية لم يعد منسجمًا مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية. هذا الحكم فتح الباب واسعًا أمام البرلمان والحكومة للتحرك نحو صياغة معالجة تشريعية جديدة، وهو ما انتهى بإصدار القانون 164 لسنة 2025.
ومنذ صدور حكم الدستورية، بدا واضحًا أن النقاش لم يعد قانونيًا فقط، بل أصبح اجتماعيًا وسياسيًا أيضًا، بسبب التشابك الكبير بين حقوق الملكية من جهة، واعتبارات الاستقرار السكني لملايين المستأجرين من جهة أخرى. لذلك اكتسبت أي مبادرة للحوار المجتمعي، سواء من الأحزاب أو المؤسسات أو الخبراء، أهمية خاصة في رسم صورة أكثر هدوءًا للمرحلة المقبلة.
ما الذي يطرحه حزب الغد؟
المعلن من تحرك حزب الغد هو السعي إلى مشروع متكامل يحقق التوازن بين المالك والمستأجر، وهي صيغة تعكس إدراكًا لطبيعة الملف وحساسيته. فالحزب لا يقدمه باعتباره نزاعًا صفريًا، بل كقضية تحتاج إلى تسوية تدريجية تضمن حق المالك في عائد عادل من ملكه، وفي الوقت نفسه تراعي أوضاع المستأجرين الذين ارتبطت حياتهم ومسكنهم بهذه العقود لسنوات طويلة.
هذا التوجه يتسق أيضًا مع خطاب سياسي يتكرر في فعاليات الحزب خلال الأشهر الأخيرة، ويركز على دور الأحزاب في تقديم حلول عملية للقضايا التي تمس المواطنين مباشرة، وليس الاكتفاء بالمواقف العامة. وفي هذا السياق، يبدو أن الحزب يحاول توظيف النقاش حول الإيجار القديم كملف اجتماعي واقتصادي في آن واحد، بالنظر إلى انعكاساته على السكن والاستثمار العقاري والاستقرار الأسري.
أبرز المحاور المتوقع أن تدور حولها الرؤية الحزبية
- تحقيق زيادة عادلة وتدريجية في القيم الإيجارية بدل القفزات المفاجئة.
- منح فترات انتقالية كافية لتوفيق الأوضاع، خصوصًا في الحالات السكنية.
- التوسع في بدائل الدولة للمستأجرين المستحقين وفق الضوابط القانونية.
- التمييز بين الحالات الاجتماعية وعدم التعامل مع جميع الوحدات والعقود بمنطق واحد.
- تقليل النزاعات القضائية عبر آليات أوضح للتطبيق والتصنيف والحصر.
هذه المحاور تمثل قراءة منطقية لاتجاهات النقاش الدائر حول القانون، لكنها تبقى في النهاية مرتبطة بما سيُطرح رسميًا داخل أروقة الحزب أو في أي مذكرات أو مقترحات تشريعية لاحقة.
لماذا يحظى الملف بكل هذا الاهتمام في مصر؟
السبب الرئيسي أن قانون الإيجار القديم لا يخص سوق العقارات فقط، بل يمس خريطة السكن في محافظات كثيفة مثل القاهرة والجيزة والإسكندرية، حيث توجد أعداد كبيرة من الوحدات الخاضعة لعقود قديمة. كما أن الملف يرتبط بمسألة أوسع هي كيفية تحقيق عدالة بين حقوق متعارضة ظاهريًا: حق الملكية والحق في السكن الآمن.
وفي الشارع المصري، تختلف المقاربات بحسب موقع كل طرف. فالملاك يعتبرون أن استمرار أجرة متدنية لسنوات طويلة أضر بعوائدهم وبقيمة ممتلكاتهم، بينما يخشى مستأجرون من أن يؤدي الانتقال السريع إلى أوضاع جديدة إلى ضغوط معيشية صعبة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف السكن. لذلك تحاول الدولة، ومعها القوى السياسية، تقديم حلول تتجنب الصدمة الاجتماعية، وهو ما يفسر أهمية القرارات التنفيذية الخاصة بالوحدات البديلة وإجراءات الحصر.
المرحلة المقبلة: التطبيق هو الاختبار الحقيقي
رغم صدور القانون، فإن التحدي الأهم يبقى في التنفيذ. فنجاح أي معالجة لملف الإيجار القديم سيتوقف على كفاءة اللجان المحلية في الحصر والتصنيف، ووضوح الإجراءات أمام المواطنين، وتوافر المعلومات الدقيقة بشأن الفئات المستحقة للوحدات البديلة، فضلًا عن قدرة الحكومة على إدارة الملف بحساسية اجتماعية وقانونية في الوقت نفسه.
ومن هنا يمكن قراءة خطوة حزب الغد باعتبارها محاولة للمشاركة في النقاش العام حول قانون الإيجار القديم، لا سيما أن الملف لا يزال مفتوحًا على أسئلة عديدة تتعلق بالتفاصيل التنفيذية والآثار الاجتماعية. وفي ظل حساسية القضية، تبدو الحاجة مستمرة إلى حوار أوسع يضم الأحزاب والبرلمان والخبراء وممثلي الملاك والمستأجرين، حتى لا يتحول القانون من أداة لتنظيم العلاقة إلى مصدر جديد للتوتر المجتمعي.
في المحصلة، فإن ندوة حزب الغد تعكس استمرار الحراك السياسي حول واحد من أكثر ملفات السكن تعقيدًا في مصر. وبين نصوص القانون وضرورات الواقع، يبقى التحدي الأكبر هو الوصول إلى صيغة عادلة وقابلة للتطبيق، تحافظ على حقوق الملاك، وتمنح المستأجرين مسارًا واضحًا وآمنًا لتوفيق الأوضاع دون اضطراب واسع في المجتمع.