Akhbar Cairo

حزب الله يتوعد بالرد ويحمّل إسرائيل وواشنطن مسؤولية التصعيد

تصعيد جديد على الحدود اللبنانية يرفع منسوب التوتر

عاد الملف اللبناني إلى واجهة المشهد الإقليمي مع إعلان حزب الله أن الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية «لن تستمر» من دون رد، مؤكدًا أن أي محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة ستُواجَه بما يراه مناسبًا. جاء هذا الموقف في وقت شهد فيه جنوب لبنان غارات إسرائيلية عنيفة، وصفتها تقارير دولية بأنها من الأكثر دموية منذ بدء الهدنة الهشة بين الجانبين في 20 يونيو/حزيران 2026.

وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس في 15 أغسطس/آب 2026، أسفرت الضربات الإسرائيلية على جنوب لبنان عن مقتل 11 شخصًا على الأقل، في حصيلة نقلتها عن وزارة الصحة اللبنانية، ما أعاد المخاوف من انزلاق الجبهة إلى موجة تصعيد أوسع بعد أسابيع من محاولات احتواء الاشتباكات.

ماذا قال حزب الله؟

بيان الحزب حمل نبرة شديدة الوضوح، إذ اعتبر أن إسرائيل تواصل الاعتداءات والانتهاكات وتسعى إلى تكريس أمر واقع على الأرض، وهو ما لن يقبل به. كما حمّل الولايات المتحدة مسؤولية موازية، معتبرًا أنها شريك سياسي في تغطية هذا التصعيد، لا سيما في ظل الرعاية الأمريكية للاتفاقات والآليات التي يُفترض أن تضبط الوضع على الحدود.

ورغم أن البيان لم يحدد شكل الرد أو توقيته، فإن دلالته السياسية كانت لافتة: الحزب يريد أن يبعث برسالة مزدوجة، الأولى إلى إسرائيل بأن كلفة الضربات لن تكون مفتوحة بلا مقابل، والثانية إلى الداخل اللبناني بأن الضغط العسكري الخارجي لا يمكن فصله عن مسار الترتيبات السياسية والأمنية الجارية في البلاد.

بيروت بين الإدانة والاحتواء

في المقابل، يواصل الموقف الرسمي اللبناني التشديد على ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية، مع التمسك بحصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة. وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد كرر في أكثر من مناسبة إدانته للهجمات الإسرائيلية، معتبرًا أنها تمثل انتهاكًا للسيادة اللبنانية وللتفاهمات القائمة، وداعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل لوقفها.

وتُظهر بيانات الرئاسة اللبنانية ووكالة الأنباء الوطنية في لبنان أن عون شدد خلال الأشهر الماضية على أن استمرار الضربات الإسرائيلية يتعارض مع مساعي تثبيت التهدئة، كما طالب الأطراف الدولية الراعية لأي تفاهمات أمنية بتحمل مسؤولياتها السياسية والقانونية. هذا الموقف الرسمي يلتقي مع المزاج العام في لبنان الرافض لتحويل الجنوب إلى ساحة استنزاف دائمة، لكنه في الوقت نفسه يعكس حرص الدولة على منع توسع المواجهة إلى الداخل اللبناني.

اتفاقات هشة ووقائع ميدانية معقدة

تأتي هذه التطورات بعد أسابيع من إعلان اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله دخل حيز التنفيذ في 20 يونيو/حزيران 2026، ثم أعقبته في 26 يونيو/حزيران معالم اتفاق إطاري تحدثت عنه تقارير دولية، يقوم على انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان مقابل ترتيبات مرتبطة ببسط سلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح حزب الله في بعض المناطق الحدودية.

لكن الوقائع على الأرض بدت أكثر تعقيدًا من نصوص التفاهمات. فمنذ إعلان التهدئة، توالت الاتهامات المتبادلة بالخرق، بينما استمرت الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية تحت مبررات أمنية، في وقت تؤكد فيه بيروت أن استمرار هذه العمليات ينسف أي فرصة فعلية للاستقرار. كما أعلن الجيش اللبناني في بيانات سابقة أنه ينسق مع اليونيفيل والآلية المشرفة على وقف الأعمال العدائية لاحتواء الانتهاكات ومنع تدهور الوضع.

لماذا يهم هذا التطور القارئ المصري؟

بالنسبة إلى المتابع المصري، لا يُقرأ التصعيد في جنوب لبنان بوصفه حدثًا محليًا معزولًا، بل باعتباره جزءًا من مشهد إقليمي أوسع يمتد من غزة إلى الحدود اللبنانية، ويؤثر على توازنات الشرق الأوسط بأكمله. أي انفجار واسع على هذه الجبهة قد ينعكس على ملفات الطاقة، وحركة الملاحة، والمناخ السياسي في المنطقة، فضلًا عن تأثيره على فرص التهدئة الشاملة التي تسعى إليها عواصم عربية عدة.

ومن هنا، فإن تطور الموقف بين إسرائيل وحزب الله لا يخص لبنان وحده، بل يرتبط بسؤال أكبر: هل تتجه المنطقة إلى تثبيت هدنات متفرقة، أم إلى إعادة فتح الجبهات على نحو متزامن؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل تداخل الأدوار الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الدور الأمريكي، الذي بات حاضرًا في خطاب الحزب كطرف مسؤول سياسيًا عن التصعيد، وليس فقط وسيطًا أو راعيًا لترتيبات التهدئة.

بين خطاب الرد وحسابات الانفجار الكبير

اللافت في خطاب حزب الله هذه المرة أنه يجمع بين التهديد بالرد وترك هامش من الغموض حول طبيعته. هذا الأسلوب ليس جديدًا في أدبيات الحزب، لكنه يكتسب وزنًا أكبر في المرحلة الحالية لأن أي رد قد يدفع إسرائيل إلى توسيع عملياتها، بينما قد يُبقي عدم الرد الباب مفتوحًا أمام مزيد من الضربات. لذلك يبدو أن الطرفين يتحركان داخل معادلة شديدة الحساسية: إظهار القوة من دون الانزلاق السريع إلى حرب شاملة.

كما أن المعادلة الداخلية اللبنانية تضيف طبقة أخرى من التعقيد. فالدولة اللبنانية تسعى إلى تثبيت موقعها بوصفها الجهة الشرعية الوحيدة المعنية بإدارة الملف الأمني، في حين يتمسك حزب الله بخطاب «الردع» و«المقاومة» في مواجهة الهجمات الإسرائيلية. وبين المسارين، يظل الجنوب اللبناني هو الساحة الأكثر هشاشة، والأسرع تأثرًا بأي تبدل ميداني أو سياسي.

السيناريوهات الأقرب في الأيام المقبلة

  • استمرار الضربات المحدودة: وهو السيناريو الأقرب إذا بقي الرد ضمن سقف مضبوط، بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
  • رد محسوب من حزب الله: قد يأخذ شكل عملية محدودة أو رسالة ميدانية مدروسة، هدفها تثبيت معادلة ردع من دون فتح حرب مفتوحة.
  • ضغط دبلوماسي أكبر على بيروت وتل أبيب: خصوصًا إذا ارتفعت أعداد الضحايا المدنيين أو توسعت الضربات إلى مناطق أكثر حساسية.
  • اهتزاز التهدئة بالكامل: وهو أخطر الاحتمالات، ويعني عودة الجبهة اللبنانية إلى دورة نار أوسع يصعب احتواؤها بسرعة.

خلاصة المشهد

المؤكد حتى الآن أن لبنان يقف مجددًا على حافة تصعيد خطير. فالغارات الإسرائيلية التي أوقعت قتلى في الجنوب، ورد حزب الله المتوعد، والموقف الرسمي اللبناني المطالب بوقف الاعتداءات، كلها عناصر تشير إلى أن الهدنة القائمة لا تزال شديدة الهشاشة. وبينما تحاول بيروت منع الانفجار، تبدو الجبهة مفتوحة على احتمالات متعددة، من الاحتواء الحذر إلى المواجهة الأوسع.

وفي لحظة إقليمية شديدة السيولة، تبقى الرسالة الأساسية من هذا التطور واضحة: الجنوب اللبناني لم يخرج بعد من دائرة الخطر، وأي خلل إضافي في ميزان الردود قد يدفع المنطقة كلها إلى فصل جديد من التوتر.