Akhbar Cairo

حزب الله يهاجم اتفاق الإطار ويرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل

رفض جديد من حزب الله يفتح باب السجال في لبنان

عاد ملف العلاقة بين لبنان وإسرائيل إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني، بعد موقف واضح من حزب الله أعلن فيه رفضه اتفاق الإطار واعتباره باطلا وغير دستوري، مع التشديد على رفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل. هذا الموقف لا يُقرأ فقط باعتباره اعتراضا سياسيا عابرا، بل يأتي في سياق نزاع داخلي أعمق يتصل بطبيعة القرار السيادي في لبنان، وحدود صلاحيات الدولة، وكيفية إدارة الملفات الحدودية والأمنية مع عدو ما زال البلدان رسميا في حالة حرب معه.

وبالنسبة للقارئ المصري، يكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن لبنان يبقى جزءا من معادلة المشرق العربي الأوسع، وأي تغير في قواعد الاشتباك أو في شكل التفاهمات اللبنانية الإسرائيلية ينعكس على الاستقرار الإقليمي، من شرق المتوسط إلى ملفات الطاقة والأمن والحدود.

ما المقصود باتفاق الإطار؟

مصطلح اتفاق الإطار ارتبط في الأصل بالصيغة التي أُعلن عنها في أكتوبر 2020 لبدء مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل بشأن الحدود البحرية والبرية، على أن تجري برعاية الأمم المتحدة ووساطة أمريكية في الناقورة جنوب لبنان. وكان رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري هو من أعلن آنذاك التوصل إلى هذا الإطار التفاوضي، باعتباره آلية تسمح بإطلاق المحادثات من دون أن تعني تطبيعا أو اعترافا سياسيا متبادلا.

وفيما بعد، تُوج هذا المسار باتفاق ترسيم الحدود البحرية في 27 أكتوبر 2022، حين قدمت الوفود اللبنانية والإسرائيلية رسالتين منفصلتين إلى الوسيط الأمريكي في مقر اليونيفيل في الناقورة، وهو ما أكدته الأمم المتحدة رسميا. كما أوضحت المنظمة الدولية أن الاتفاق جاء بعد مسار انطلق من إطار التفاوض الذي بدأ في 2020، ولم يُقدَّم في صيغة معاهدة سلام مباشرة بين الطرفين.

لماذا يرفض حزب الله هذا المسار؟

اعتراض حزب الله يقوم على أكثر من مستوى. الأول سياسي، إذ يرى الحزب أن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل يتجاوز الخطوط التي حكمت الموقف اللبناني التقليدي لعقود، خصوصا أن القوانين اللبنانية والبيئة السياسية التي تشكلت بعد اتفاق الطائف ظلت تتعامل مع إسرائيل بوصفها عدوا لا طرفا طبيعيا في تفاوض علني مفتوح.

أما المستوى الثاني فهو دستوري، إذ يعتبر الحزب أن بعض الصيغ المطروحة أو المتداولة بشأن الاتفاقات الإطارية أو الترتيبات الأمنية لا تستند إلى مسار دستوري سليم داخل المؤسسات اللبنانية، سواء من حيث آلية الإقرار أو من حيث حدود التفويض السياسي. لذلك وصف الاتفاق بأنه غير دستوري، في محاولة لربط الاعتراض السياسي بحجة قانونية ومؤسساتية أوسع.

وهناك أيضا بعد ثالث لا يقل أهمية، وهو البعد الاستراتيجي. فحزب الله ينظر إلى أي انتقال من التفاوض غير المباشر المحدود تقنيا إلى مفاوضات مباشرة باعتباره تحولا نوعيا قد يفتح الباب أمام مسار سياسي أوسع لا يقتصر على الحدود، بل يمتد إلى ملف السلاح ودور المقاومة ومستقبل التوازنات الداخلية في لبنان.

انقسام لبناني يتجاوز حزب الله

اللافت أن الجدل اللبناني لا ينحصر بين مؤيدي حزب الله ومعارضيه فقط. فحتى داخل القوى التي تؤيد تقوية مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها، توجد تباينات بشأن شكل التفاوض الممكن مع إسرائيل. بعض الأطراف يرى أن أي مسار تفاوضي يجب أن يبقى محكوما بسقف واضح: انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وغياب أي صيغة يمكن أن تُفهم باعتبارها تطبيعا سياسيا.

وفي هذا الإطار، كان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام قد قال في تصريحات نُشرت في أبريل 2026 إن لبنان لا يمكنه توقيع اتفاق لا يتضمن انسحابا إسرائيليا كاملا، كما رفض فكرة التعايش مع منطقة عازلة. هذه التصريحات تعكس أن السجال اللبناني لا يتعلق فقط بمبدأ التفاوض، بل أيضا بشروطه ومآلاته والحدود التي يمكن أن تقبل بها الدولة.

في المقابل، تعتبر أطراف لبنانية أخرى أن التفاوض، إذا جرى وفق ضوابط رسمية وبوساطة دولية، قد يكون وسيلة لتثبيت الحقوق اللبنانية وتخفيف مخاطر الحرب، خصوصا في ظل الأزمات الاقتصادية العنيفة التي يعيشها البلد منذ سنوات. لكن هذا الطرح يصطدم مباشرة بخشية خصومه من أن يتحول المسار الفني أو الأمني إلى مدخل لتغيير هوية لبنان الاستراتيجية.

من ترسيم البحر إلى عقدة البر

تجربة ترسيم الحدود البحرية عام 2022 تقدم نموذجا مهما لفهم السجال الحالي. فالاتفاق يومها صيغ عبر تبادل رسائل منفصلة، وليس عبر توقيع مشترك مباشر بين لبنان وإسرائيل، وهو ما سمح للسلطات اللبنانية بتسويقه داخليا باعتباره ترتيبا تقنيا لحفظ الحقوق الاقتصادية، لا اتفاق سلام. كما رأت الأمم المتحدة أن هذا التفاهم ساهم في إنهاء النزاع حول الحدود البحرية وفتح الباب أمام الاستفادة من موارد الطاقة في شرق المتوسط.

لكن أي نقاش يتصل اليوم بالحدود البرية أو الترتيبات الأمنية يبدو أكثر حساسية بكثير من الملف البحري. فالبر يرتبط مباشرة بمناطق تماس عسكري، وبتوازن الردع في الجنوب اللبناني، وبالقرار الدولي 1701، وبمستقبل سلاح حزب الله. ومن هنا يصبح رفض الحزب للتفاوض المباشر رسالة إلى الداخل والخارج معا بأنه لا يقبل نقل التفاهمات من الإطار التقني المحدود إلى مسار سياسي أوسع.

ما الذي يعنيه ذلك إقليميا؟

إقليميا، لا يمكن فصل موقف حزب الله عن المشهد الأوسع في المنطقة. فلبنان يقع عند تقاطع حساس بين الصراع العربي الإسرائيلي، والتجاذب الإيراني الأمريكي، وحسابات الأمن في شرق المتوسط. لذلك فإن أي حديث عن اتفاق إطار أو تفاوض مباشر مع إسرائيل لا يبقى شأنا لبنانيا داخليا صرفا، بل يتحول بسرعة إلى عنصر من عناصر إعادة رسم التوازنات الإقليمية.

ومن زاوية مصرية، فإن استقرار لبنان يظل مهما لعدة اعتبارات: أمن الملاحة والطاقة في شرق المتوسط، مستقبل أسواق الغاز، وضع الجاليات العربية، وطبيعة الاصطفافات السياسية في المشرق. كما أن القاهرة تتابع تاريخيا ملفات الدولة الوطنية العربية، ما يجعل أي سجال لبناني حول السيادة والمؤسسات والسلاح محل اهتمام أوسع من مجرد خلاف حزبي داخلي.

السيناريوهات المحتملة

  • استمرار السجال الداخلي: وهو السيناريو الأقرب، حيث يبقى الرفض السياسي قائما من دون انتقال فوري إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
  • حصر التفاوض في القنوات غير المباشرة: وقد يكون ذلك مخرجا وسطا إذا أرادت الدولة اللبنانية تجنب صدام سياسي واسع.
  • تجميد أي مسار جديد: خصوصا إذا ارتفع منسوب التوتر على الحدود الجنوبية أو تعقدت الحسابات الإقليمية.
  • توسيع الانقسام حول صلاحيات الدولة: وهو ما قد يعيد طرح أسئلة قديمة بشأن من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان.

خلاصة المشهد

موقف حزب الله الرافض لاتفاق الإطار ولأي تفاوض مباشر مع إسرائيل يعكس تمسكا بسقف سياسي مرتفع، لكنه يكشف في الوقت نفسه حجم التصدع داخل الساحة اللبنانية حول مفهوم الدولة والسيادة وشكل التسويات المقبولة. وبين من يرى في التفاوض أداة لحماية الحقوق وتخفيف المخاطر، ومن يعتبره انزلاقا خطيرا نحو مسار مرفوض، يبقى لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد.

النتيجة الأهم حتى الآن أن ملف التفاوض مع إسرائيل لم يعد مجرد قضية حدود، بل تحول إلى اختبار مباشر لطبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه: هل يتجه نحو إدارة براغماتية للنزاع عبر الدولة ومؤسساتها، أم يبقى أسير توازنات الردع والانقسام الداخلي؟ في هذا السؤال تحديدا يتحدد وزن المرحلة المقبلة، ليس في لبنان وحده، بل في المشهد الإقليمي المحيط به كله.