حسام الخولي: السوشيال ميديا تضخم الغضب وتربك الوعي العام
السوشيال ميديا من منصة تواصل إلى ساحة اشتباك سياسي
أعادت تصريحات المهندس حسام الخولي، نائب رئيس حزب مستقبل وطن ورئيس الهيئة البرلمانية للحزب بمجلس الشيوخ، فتح ملف قديم يتجدد باستمرار في مصر: كيف غيّرت منصات التواصل الاجتماعي طريقة تلقي المواطن للمعلومة، وكيف أصبحت ساحة موازية للصراع السياسي وتشكيل الانطباعات العامة؟ جاءت تصريحات الخولي خلال ظهوره في برنامج "الحياة اليوم" مع الإعلامي محمد مصطفى شردي، حيث اعتبر أن السوشيال ميديا لم تعد مجرد أداة للنقاش، بل تحولت في أحيان كثيرة إلى وسيلة قادرة على ضرب الروح المعنوية ونشر روايات متزامنة عن الفشل في قطاعات مختلفة. هذا المضمون ورد في تغطيات منشورة يوم 9 سبتمبر 2026 في وسائل إعلام مصرية تناولت المقابلة نفسها وتوقيتها وسياقها السياسي.
الملاحظة الأهم هنا ليست فقط في العبارة الصادمة سياسيًا، بل في دلالتها. فحين يقول مسؤول حزبي وبرلماني بارز إن الحكومة صارت «أسهل شيء في التخبيط»، فهو يقر ضمنيًا بأن المجال الرقمي بات أسرع من الخطاب الرسمي، وأكثر قدرة على تثبيت الانطباع الأول لدى الجمهور، حتى قبل أن تصل أي محاولة للتفسير أو التصحيح. وهذه ليست مشكلة حكومة بعينها بقدر ما هي أزمة اتصال سياسي في عصر السرعة.
ماذا قال حسام الخولي تحديدًا؟
بحسب ما نشرته وسائل إعلام مصرية متطابقة في الجوهر، شدد الخولي على أن أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، من الأغلبية والمعارضة على السواء، ينزلون إلى دوائرهم ويشرحون للمواطنين ما لهم وما عليهم، بما في ذلك الإيجابيات والسلبيات، انطلاقًا من مسؤولية تتعلق بمصلحة البلد لا بالاستقطاب الحزبي فقط. كما حذر من الأخبار المغلوطة المتداولة بكثافة، لافتًا إلى أن قطاعًا من المواطنين لا يملك الوقت الكافي للتحقق من كل ما يُنشر، وهو ما يسمح بترسيخ تصورات سلبية يصعب تفكيكها لاحقًا.
وفي مثال مباشر على فكرته، أشار إلى ما تردد عن مطالبة نواب حزب مستقبل وطن بتأجيل انتخابات المجالس المحلية، مؤكدًا أن الحزب، وفق روايته، من أكثر القوى الجاهزة لإجراء هذه الانتخابات، وأن من يروّج لمثل هذه الأخبار يتجاهل أن مشروعات القوانين تسير عبر آليات تشريعية ولجانية محددة داخل البرلمان.
لماذا تبدو هذه التصريحات مهمة الآن؟
تكتسب تصريحات الخولي وزنًا إضافيًا لأنها تأتي من موقع يجمع بين الحضور الحزبي والبرلماني. فحسام الخولي ليس مجرد متحدث سياسي، بل يشغل موقع نائب رئيس حزب مستقبل وطن، كما يرأس الهيئة البرلمانية للحزب في مجلس الشيوخ، وهو المجلس الذي يتكوّن من 300 عضو وفق الشرح الرسمي المتداول عن النظام البرلماني المصري. كما أن الهيئة الوطنية للانتخابات هي الجهة المختصة قانونًا بإدارة الاستحقاقات الانتخابية وإعلان نتائجها، وهو ما يضع أي حديث عن الاستحقاقات المقبلة، ومنها المحليات، داخل إطار مؤسسي واضح لا داخل شائعات المنصات.
الأهمية الزمنية أيضًا حاضرة. فالحياة السياسية المصرية شهدت خلال عام 2025 إعلان نتائج انتخابات مجلس الشيوخ عبر الجهات الرسمية، ما يجعل النقاش حول الأداء النيابي، وفاعلية الأحزاب في الشارع، وقدرتها على التواصل مع المواطنين، جزءًا من مرحلة إعادة اختبار الثقة بين المؤسسات والجمهور.
الأزمة ليست في المعلومة فقط.. بل في سرعة الانطباع
المشكلة التي يلفت إليها الخولي تتجاوز مسألة «صحة الخبر» إلى مسألة «زمن التأثير». على منصات التواصل، تصل الرواية المختصرة أولًا، غالبًا بعنوان حاد أو مقطع مبتور أو تعليق ساخر. وبعد ذلك تأتي التفاصيل، ثم الردود، ثم النفي، لكن يكون الانطباع قد استقر بالفعل. هذه المعادلة تفسر لماذا تبدو الحكومات، ليس في مصر فقط بل في كثير من الدول، في وضع دفاعي مستمر أمام موجات رقمية متلاحقة.
في السياق المصري، يزيد الأمر تعقيدًا بسبب الطبيعة المعيشية للملفات العامة. المواطن الذي يواجه يوميًا أسئلة الأسعار والخدمات والنقل والتعليم، يكون أكثر حساسية تجاه أي محتوى سلبي، حتى لو كان منقوصًا أو بلا سند. هنا تصبح السوشيال ميديا قوة مضاعِفة للغضب، لا لأنها تخلق الأزمة من العدم بالضرورة، بل لأنها تعيد تقديمها بصورة أكثر كثافة وعاطفية وانتشارًا.
هل يكفي نزول النواب إلى دوائرهم؟
من الناحية النظرية، يقدم الخولي وصفة تقليدية لكنها منطقية: أن ينزل النواب إلى الناس، يشرحوا، يناقشوا، يصححوا المعلومات، ويضعوا الوقائع في سياقها. هذا الدور جزء أصيل من وظيفة النائب، لا سيما في مجتمع كبير ومتنوع مثل مصر. لكن السؤال الأهم: هل الخطاب المباشر في الدائرة الانتخابية ما زال كافيًا في مواجهة خطاب رقمي يعمل على مدار الساعة؟
الإجابة الأقرب للواقع هي: ليس وحده. لأن الفجوة اليوم ليست فقط بين المعلومة الصحيحة والمعلومة الخاطئة، بل بين أسلوبين مختلفين في التواصل. الأول رسمي أو شبه رسمي، يتكلم بلغة الشرح والتفصيل. والثاني رقمي، سريع، انفعالي، قائم على الاختزال والاستفزاز البصري واللغوي. لذلك، إذا أرادت الأحزاب والبرلمان والحكومة كسب معركة الوعي، فلا بد من تطوير أدواتها الإعلامية، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج اللغة التقليدية نفسها.
بين الدفاع عن الدولة والنقد المشروع
واحدة من أكثر النقاط حساسية في تصريحات الخولي هي قوله إن من يحاول أحيانًا توضيح الحقيقة قد يُتهم بأنه يدافع عن الحكومة لمصلحة شخصية. هذه الملاحظة تكشف أزمة ثقة أعمق: فالمجال العام بات يميل أحيانًا إلى الشك في كل خطاب تفسيري، حتى لو استند إلى وقائع. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن كل نقد متداول على السوشيال ميديا هو شائعة أو حملة منظمة؛ فبعضه يعكس بالفعل ضغوطًا اجتماعية واقتصادية حقيقية تحتاج إلى استجابة لا إلى مجرد تفنيد.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة للفصل بين ثلاثة مستويات: الشائعة المتعمدة، والمعلومة غير المكتملة، والغضب الشعبي الحقيقي. الخلط بين هذه المستويات يربك المشهد ويضعف أي جهد اتصالي جاد.
ما الذي تحتاجه الساحة السياسية المصرية؟
- خطاب أسرع: لأن التأخر في التوضيح يترك فراغًا تملؤه التأويلات.
- لغة أبسط: المواطن لا ينتظر بيانات مطولة بقدر ما يريد إجابات مباشرة.
- حضور رقمي منظم: الأحزاب والنواب بحاجة إلى منصات فعالة لا مجرد ردود موسمية.
- مساحة أوسع للمصارحة: الاعتراف بالمشكلة أحيانًا يقنع أكثر من الدفاع المطلق.
- تمييز واضح بين النقد والشائعة: حتى لا يُفقد النقد الجاد قيمته ولا تُترك الأكاذيب بلا مواجهة.
خلاصة المشهد
تصريحات حسام الخولي لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها دفاعًا عن الحكومة أو عن حزب مستقبل وطن، بل باعتبارها مؤشرًا على مأزق أكبر في السياسة المصرية المعاصرة: من يملك رواية اليوم يملك، ولو مؤقتًا، توجيه المزاج العام. وفي بلد بحجم مصر، حيث تتقاطع السياسة مع الضغوط اليومية للمواطن، تصبح معركة الوعي أكثر تعقيدًا من مجرد نفي شائعة أو الرد على منشور.
لذلك، فإن جوهر القضية ليس أن السوشيال ميديا «خطيرة» فحسب، بل أن المجال السياسي كله لم يعد قادرًا على تجاهلها أو التعامل معها كمنصة هامشية. لقد أصبحت جزءًا من صناعة السياسة نفسها، ومن إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين البرلمان والناخبين، وبين الخبر والانطباع. وهذا، في حد ذاته، هو المعنى الأعمق في حديث الخولي.