حسين الهنداوي: التنوير العربي يمر عبر حرية الاعتقاد
دعوة من بغداد إلى المجال العربي الأوسع
أعاد الكاتب والمفكر والدبلوماسي العراقي حسين الهنداوي طرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش العام العربي، حين قال إن أي مشروع تنويري عربي جديد لا يمكن أن يبدأ من دون مراجعة طريقة التعامل مع الظاهرة الدينية، بما يسمح بمواجهة التعصب والانغلاق والتخلف، مع الحفاظ الكامل على حق الأفراد في ممارسة معتقداتهم وشعائرهم الدينية. وجاءت تصريحات الهنداوي خلال ظهوره في برنامج "الجلسة سرية" الذي يقدمه الإعلامي المصري سمير عمر على شاشة القاهرة الإخبارية.
أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند بعدها الفكري، بل تمتد إلى توقيتها وسياقها العربي. فالرجل يشغل منصب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، كما ظهر أخيراً في فعاليات رسمية داخل مقر الجامعة بالقاهرة، بينها المؤتمر الدولي الثاني لمكافحة التمييز ضد الإسلام والمسلمين في أغسطس 2026، حيث قُدم بصفته الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الرقابة المالية والإدارية. هذا الحضور المؤسسي يمنح مداخلته وزناً يتجاوز الرأي الشخصي إلى مساهمة في نقاش عربي عام حول الدولة والمجتمع والدين.
ما الذي قصده الهنداوي بمشروع التنوير؟
بحسب ما نُشر عن الحلقة، ربط الهنداوي بين التنوير العربي وبين بناء رؤية مستقلة تنطلق من المصلحة الوطنية واحتياجات المجتمعات العربية الفعلية، لا من استنساخ نماذج جاهزة من الخارج. وفي تصريحات أخرى مرتبطة بالحلقة نفسها، شدد على أن تطوير المجتمعات العربية يقتضي الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي والرقمنة، مع الحفاظ على القدرة على التفكير المستقل وصياغة مسار عربي خاص للتحديث.
وفي هذا الإطار، تبدو مداخلته عن حرية الاعتقاد جزءاً من تصور أشمل، لا يختزل التنوير في الصدام مع الدين، بل يطرحه بوصفه محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين المجال الديني والمجال العام، على أساس احترام الحقوق الفردية ورفض توظيف الدين في إنتاج الكراهية أو تكريس الانغلاق.
بين صون التدين الفردي ومواجهة التعصب
اللافت في طرح الهنداوي أنه يفصل بوضوح بين أمرين: الأول هو حق الإنسان في أن يؤمن ويمارس شعائره، والثاني هو الحاجة إلى مواجهة أنماط التشدد التي تعطل تقدم المجتمع. هذا التمييز مهم في النقاش العربي، لأن كثيراً من السجالات تنزلق سريعاً إلى معادلة مضللة تعتبر أن أي نقد للتعصب هو اعتداء على الدين نفسه.
من زاوية مصرية وعربية، ينسجم هذا الطرح مع نقاشات ممتدة خلال السنوات الأخيرة حول تجديد الخطاب الديني، ومكافحة خطاب الكراهية، وضرورة حماية التعدد داخل المجتمعات العربية، خصوصاً في الدول التي تضم تنوعاً مذهبياً ودينياً وإثنياً واسعاً مثل العراق ولبنان وسوريا والسودان.
لماذا يكتسب الكلام أهمية خاصة في الحالة العراقية؟
يتحدث الهنداوي من خلفية عراقية شديدة الارتباط بأسئلة الهوية والطائفة والدولة. فالعراق، منذ 2003 على الأقل، ظل واحداً من أكثر النماذج العربية تعرضاً لامتحان العلاقة بين السياسة والدين والانقسام المجتمعي. وخلال حلقاته التلفزيونية الأخيرة، تناول الهنداوي كذلك تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وأزمة الهوية، وتحولات النظام السياسي، ما يجعل حديثه عن التنوير وحرية الاعتقاد متصلاً بخبرة سياسية وفكرية طويلة، لا بمداخلة عابرة.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن التجربة العراقية تظل ذات دلالة كبيرة؛ لأنها تقدم مثالاً ملموساً على كلفة الانقسامات الحادة حين يتحول الدين أو المذهب إلى أداة صراع سياسي واجتماعي. لذلك، فإن أي دعوة صادرة من شخصية عراقية بارزة إلى ترسيخ حرية الاعتقاد ومراجعة التعامل مع الظاهرة الدينية تحمل بعداً عملياً، وليس نظرياً فقط.
جامعة الدول العربية وسؤال الخطاب المعتدل
تكتسب تصريحات الهنداوي بعداً إضافياً لأنها تصدر من مسؤول في جامعة الدول العربية، وهي مؤسسة كثيراً ما تُنتقد بسبب انشغالها بالملفات السياسية التقليدية على حساب الأسئلة الثقافية والفكرية. غير أن استضافة مقر الجامعة في القاهرة خلال أغسطس 2026 مؤتمراً دولياً لمكافحة التمييز ضد الإسلام والمسلمين، بمشاركة مسؤولين وخبراء ومؤسسات دينية، تعكس أن ملف الخطاب المعتدل ومواجهة الكراهية بات حاضراً أيضاً داخل الأطر العربية الرسمية.
هذا لا يعني أن المؤسسة العربية تمتلك بالفعل مشروعاً موحداً للتنوير، لكنه يوضح أن موضوعات مثل التسامح ومكافحة التطرف والحقوق الدينية لم تعد محصورة في دوائر المثقفين فقط، بل دخلت تدريجياً إلى أجندة النقاش المؤسسي العربي.
التنوير ليس استيراداً جاهزاً
من أكثر النقاط التي تستحق التوقف عندها في مداخلة الهنداوي تأكيده أن المشروع التنويري العربي يجب أن يُصاغ انطلاقاً من خصوصية المجتمعات العربية. وهذه فكرة لها جاذبية واضحة لدى قطاعات واسعة من القراء في مصر والمنطقة، لأن سؤال التحديث ظل طويلاً أسير ثنائية حادة: إما تقليد كامل للنماذج الغربية، أو انغلاق كامل باسم الخصوصية.
الهنداوي يحاول، على ما يبدو، تقديم صيغة ثالثة: الاستفادة من منجزات العالم الحديثة في التكنولوجيا والمعرفة والتنظيم، مع عدم التخلي عن حق المجتمعات العربية في إنتاج مفاهيمها وأولوياتها الخاصة. ومن هنا يصبح احترام حرية الاعتقاد جزءاً من بناء دولة حديثة، لا مجرد شعار حقوقي معزول.
دلالات الرسالة عربياً
في مناخ إقليمي مضطرب، تبدو الرسالة الأساسية في حديث الهنداوي واضحة: لا نهضة عربية من دون بيئة تسمح بالاختلاف الآمن، وتحمي حرية الضمير، وتمنع احتكار الحقيقة باسم الدين أو الطائفة أو الأيديولوجيا. وهذه الرسالة تتقاطع مع تحديات قائمة في أكثر من بلد عربي، حيث ما زالت المجتمعات تواجه أسئلة صعبة تتعلق بالتعليم، والإعلام، والمناهج، ودور المؤسسات الدينية، وحدود المجال العام.
- أولاً: التنوير المطلوب لا يستهدف الإيمان الفردي، بل يستهدف بنى التعصب والانغلاق.
- ثانياً: حرية الاعتقاد تُطرح هنا كأساس للاستقرار الاجتماعي، لا كترف فكري.
- ثالثاً: التحديث العربي، وفق هذا المنظور، يحتاج إلى عقلانية وانفتاح معرفي بقدر ما يحتاج إلى تنمية اقتصادية وتكنولوجية.
خلاصة المشهد
تصريحات حسين الهنداوي تفتح باباً مهماً في النقاش العربي الدائر حول مستقبل الدولة والمجتمع. فهي لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تضع إصبعها على معضلة مركزية: كيف يمكن بناء مشروع عربي حديث يحارب التطرف من دون أن يصطدم بحقوق الناس في الإيمان والممارسة الدينية؟
بالنسبة للمشهد العربي الأوسع، وبخاصة في المشرق، فإن هذا السؤال لن يبقى نظرياً. فالتوازن بين حرية الاعتقاد ومواجهة التعصب وبناء خطاب عقلاني قد يكون أحد المفاتيح الحاسمة لأي مشروع نهضوي جديد. ومن القاهرة، حيث بُثت الحلقة، إلى بغداد التي يحمل الهنداوي تجربتها وأسئلتها، تبدو الرسالة موجهة إلى فضاء عربي كامل ما زال يبحث عن طريقه بين الهوية والحداثة.