Akhbar Cairo

حمدين صباحي: التيار المدني يحتاج تنظيماً لا زعيماً

حمدين صباحي يعيد الجدل حول مستقبل التيار المدني

عاد السياسي المصري حمدين صباحي إلى واجهة النقاش العام في مصر بعد تصريحات جديدة قال فيها إن التيار المدني لا يملك "زعيمًا" بالمعنى التقليدي، معتبرًا أن المسألة الأهم ليست البحث عن شخص يتصدر المشهد، بل بناء تنظيم سياسي قادر على الاستمرار والعمل والتأثير. وجاءت تصريحات صباحي خلال حوار إعلامي نُشر يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، حيث شدد على أن غياب التنظيم يظل أزمة أكبر من غياب الفرد القائد.

صباحي، وهو سياسي مصري ومرشح رئاسي سابق وُلد في بلطيم بمحافظة كفر الشيخ عام 1954، يُعد من أبرز الوجوه المحسوبة على التيار الناصري في الحياة السياسية المصرية، وارتبط اسمه على مدى سنوات بمطالب توسيع المجال العام وبناء معارضة مدنية منظمة.

ما الذي قاله صباحي عن الزعامة؟

بحسب التصريحات المنشورة، فإن صباحي فرّق بين الحاجة إلى شخصيات مؤثرة داخل المجال السياسي، وبين اختزال مشروع التيار المدني كله في شخص واحد. ورأى أن وجود زعامات قد يكون مفيدًا، لكن الأولوية في رأيه هي لتأسيس كيان منظم يملك القدرة على العمل الجماعي والاستمرار، بدل الرهان على حضور فردي قد يلمع ثم يخبو.

هذا الطرح ينسجم مع واقع الحركة المدنية الديمقراطية في مصر، وهي إطار سياسي تأسس في ديسمبر 2017 وضم أحزابًا وشخصيات عامة من اتجاهات مدنية متعددة، بينها أحزاب الدستور والمصري الديمقراطي الاجتماعي والإصلاح والتنمية والتحالف الشعبي الاشتراكي وتيار الكرامة ومصر الحرية والعدل، وفق ما أعلن وقت تأسيسها.

موقفه من عبد الناصر: تأييد للمشروع وانتقاد للممارسات

الجزء الأكثر إثارة في تصريحات صباحي كان اعترافه بأن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ارتكب أخطاء، وعلى رأسها حبس معارضيه والإضرار بحق المختلفين معه سياسيًا. وأوضح أن انتقاد هذه المسألة لا يتعارض، من وجهة نظره، مع التمسك بما يعتبره جوانب أساسية في المشروع الناصري، مثل العدالة الاجتماعية والانحياز للفقراء والاستقلال الوطني.

وفي هذا السياق، قال صباحي إن الناصريين أنفسهم انتقدوا مبكرًا بعض ممارسات تلك المرحلة، معتبرًا أن تصحيح أخطاء التجربة جزء من الحفاظ على جوهرها، لا خروجًا عليها. كما ميّز بين تبني فكر عبد الناصر وبين الدفاع عن كل تفاصيل ممارسات الدولة في عهده.

هذا الخطاب يعكس محاولة لإعادة تقديم التيار الناصري أمام جمهور مصري أوسع، خصوصًا في ظل حساسية ملف الحريات العامة وحقوق المختلفين سياسيًا، وهو ملف ظل حاضرًا بقوة في النقاشات المرتبطة بالمعارضة المدنية خلال السنوات الماضية.

رفض حبس أصحاب الرأي

من بين الرسائل الواضحة في حديث صباحي تأكيده أنه يرفض حبس أصحاب الرأي من حيث المبدأ، حتى في حال الاختلاف معهم. ووصف هذا الموقف بأنه أخلاقي وسياسي في آن واحد، مؤكدًا أنه لا يمكن القبول بسجن أشخاص لمجرد التعبير عن مواقفهم أو آرائهم. كما طالب بالإفراج عن جميع سجناء الرأي في مصر.

وليس هذا موقفًا جديدًا في خطاب صباحي؛ إذ سبق له في أكثر من مناسبة أن دعا إلى الإفراج عن سجناء الرأي واعتبر ذلك شرطًا ضروريًا لتحسين المناخ السياسي وبناء ثقة بين السلطة والمعارضة. ففي مايو 2022 تحدث عن بطء الإفراجات ووصفه بأنه محبط، كما دعا في السياق نفسه إلى خطوات طمأنة تفتح الباب أمام مشاركة سياسية أوسع.

التصريحات في سياق المعارضة والحوار السياسي

تأتي تصريحات صباحي في سياق أوسع يتعلق بموقع المعارضة المدنية داخل المشهد المصري، وبالأسئلة التي أثيرت منذ إطلاق دعوة الحوار الوطني في أبريل 2022. ووفق بيانات رسمية، تشكل مجلس أمناء الحوار الوطني في يوليو 2022، ثم انطلقت الجلسة الافتتاحية للحوار في 3 مايو 2023 بمشاركة أحزاب وسياسيين ونقابيين وشخصيات عامة.

كما تناولت جلسات الحوار ومحاوره قضايا مرتبطة مباشرة بالحياة السياسية، بينها مباشرة الحقوق السياسية، والأحزاب، وحقوق الإنسان، والحريات العامة، إلى جانب مقترحات تخص تعديل تشريعات الحبس الاحتياطي، وفق ما ورد في المواد والبيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات.

ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات صباحي متصلة بمحاولة تجديد خطاب التيار المدني حول الأولويات: هل المطلوب الآن بروز شخصية جامعة تقود المعارضة، أم بناء شبكات تنظيمية وأحزاب أكثر قدرة على الحضور في الشارع والنقابات والمجال العام؟ حديث صباحي يميل بوضوح إلى الخيار الثاني، أي أولوية التنظيم على الشخصنة السياسية. وهذا استنتاج يستند إلى مضمون تصريحاته الأخيرة وسياق مواقفه المعلنة.

لماذا تهم هذه الرسائل القارئ المصري؟

أهمية هذه التصريحات بالنسبة للمتابع في مصر لا ترتبط فقط باسم حمدين صباحي، بل بما تكشفه من استمرار الجدل حول شكل المعارضة المدنية وحدودها ودورها. فالسؤال عن "الزعيم" يلامس أزمة أوسع تخص الأحزاب والتيارات السياسية: القدرة على بناء قواعد، وإنتاج كوادر، وصياغة بدائل قابلة للنقاش، لا الاكتفاء بالحضور الإعلامي أو الرمزي.

كذلك فإن الاعتراف الصريح بأخطاء تاريخية في تجربة عبد الناصر، مع التمسك ببعض ركائزها الاجتماعية والوطنية، يعكس خطابًا سياسيًا يحاول الموازنة بين المراجعة والوفاء المرجعي. وهي معادلة معقدة داخل السياسة المصرية، حيث لا تزال الناصرية حاضرة في الذاكرة العامة بوصفها تجربة مرتبطة بالعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني من جهة، وبمآخذ تتعلق بالديمقراطية والحريات من جهة أخرى.

خلاصة المشهد

في المحصلة، تكشف تصريحات حمدين صباحي عن ثلاث رسائل أساسية: أولها أن التيار المدني في مصر، من وجهة نظره، لا يجب أن يختصر نفسه في "زعيم" واحد؛ وثانيها أن التنظيم السياسي هو أولوية ملحة إذا أراد هذا التيار أن يكتسب وزنًا حقيقيًا؛ وثالثها أن الدفاع عن الحريات ورفض حبس أصحاب الرأي يجب أن يكون موقفًا ثابتًا، سواء عند تقييم الحاضر أو مراجعة تجارب الماضي، بما فيها عهد جمال عبد الناصر.

وبينما تتواصل النقاشات حول مستقبل المعارضة المدنية والحياة الحزبية في مصر، تبدو هذه التصريحات بمثابة محاولة لإعادة ترتيب الأولويات داخل معسكر مدني يبحث منذ سنوات عن صيغة أكثر فاعلية في التنظيم والتأثير والتمثيل. بالنسبة لكثير من المتابعين في مصر، لا تكمن المفاجأة في الجدل نفسه، بل في استمرار الحاجة إلى إجابة عملية عن سؤال قديم: كيف يتحول التيار المدني من أصوات متفرقة إلى قوة سياسية منظمة؟