Akhbar Cairo

حمدين صباحي يراجع الناصرية والمعارضة في حوار صريح

عودة حمدين صباحي إلى الواجهة: حوار يتجاوز الذكريات إلى سؤال البديل

أعاد ظهور السياسي المصري حمدين صباحي في حلقة جديدة من بودكاست "أسئلة حرجة" مع الإعلامي مجدي الجلاد فتح ملفات بدت، لسنوات، وكأنها مؤجلة أكثر مما هي مغلقة: معنى الناصرية اليوم، وحدود المعارضة الممكنة، وحسابات انتخابات الرئاسة، وطبيعة المراجعة المطلوبة لمرحلة ما بعد 25 يناير. الحلقة التي أعلن عنها مصراوي يوم 28 سبتمبر 2026 قدمت الحوار باعتباره مواجهة مع مواقف أثارت جدلًا، بينها رؤيته لجمال عبد الناصر، وموقفه من القضية الفلسطينية، وتفسيره لزيارته دمشق ومصافحته بشار الأسد.

أهمية هذا الظهور لا تتعلق فقط بعودة اسم حمدين صباحي إلى التداول، بل بما يمثله الرجل في المخيال السياسي المصري: مرشح سابق للرئاسة، ووجه بارز في التيار الناصري، وصاحب تجربة ارتبطت لدى قطاع من المصريين، خصوصًا بعد انتخابات 2012، بفكرة "البديل الثالث" بين الاستقطاب الإسلامي وامتدادات الدولة القديمة.

ماذا قال صباحي في الحوار؟

بحسب ما نُشر عن الحلقة، تطرق صباحي إلى ملف التهجير القسري للفلسطينيين وموقف مصر التاريخي الرافض له، كما عاد للحديث عن تجربة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مؤكدًا أن الأخير لم يكن يكذب على شعبه، مع إقراره بوجود أخطاء تستحق النقاش والتقييم. وفي واحدة من أكثر نقاط الحوار إثارة للجدل، سأل مجدي الجلاد صباحي عن زيارته إلى دمشق ومصافحته الرئيس السوري السابق بشار الأسد، فرد صباحي بأن منطقه يقوم على منح الشرعية لمن يقاوم إسرائيل.

هذه الجملة وحدها كافية لفهم طبيعة المأزق الفكري الذي يواجه جزءًا من التيار القومي العربي منذ سنوات: كيف يمكن التوفيق بين خطاب يرفع لواء التحرر الوطني ومقاومة الاحتلال، وبين موقف متسامح أو ملتبس تجاه سلطات متهمة بقمع شعوبها؟ هنا لا يعود السؤال شخصيًا عن حمدين صباحي فقط، بل يصبح سؤالًا أوسع عن حدود الأولوية القومية عندما تصطدم بمبادئ الديمقراطية والحقوق السياسية.

الناصرية بين الحنين والمراجعة

من السهل في المشهد المصري أن يتحول الحديث عن الناصرية إلى نوع من الحنين السياسي. لكن حوار صباحي، كما بدا من محاوره المنشور، يضع هذا الإرث أمام اختبار مختلف: هل تصلح الناصرية كمرجعية أخلاقية وسياسية اليوم، أم أنها تحتاج إلى إعادة بناء فكرية كاملة؟

التمييز هنا ضروري. فالتجربة الناصرية ما زالت حاضرة بقوة في الوعي المصري بسبب ملفات الاستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، وبناء الدولة، والانحياز للفئات الأفقر. لكن هذا الحضور لا يلغي الأسئلة الثقيلة المتعلقة بإدارة المجال العام، وموقع التعددية، وحدود السلطة التنفيذية، وطبيعة العلاقة بين الشرعية الشعبية والشرعية الدستورية.

حين يتحدث صباحي عن أخطاء عبد الناصر، فهو يقترب من مسار تأخر طويلًا داخل التيار الناصري نفسه: الاعتراف بأن المشروع لا يمكن أن يُستعاد على طريقة النسخ، وأن أي محاولة لإحياء روحه من دون مراجعة بنيته السلطوية ستبقى أسيرة الماضي. وهذه نقطة مهمة للقارئ المصري اليوم، لأن النقاش لم يعد يدور فقط حول الزعيم التاريخي، بل حول إمكان إنتاج مشروع اجتماعي وطني حديث لا يعادي الديمقراطية باسم الوطنية، ولا يتخلى عن العدالة الاجتماعية باسم الليبرالية السياسية.

انتخابات 2012 و2014: من الذروة إلى الانكماش

يصعب فهم أي حديث لحمدين صباحي عن المستقبل من دون العودة إلى محطتي 2012 و2014. في انتخابات الرئاسة لعام 2012، حل صباحي ثالثًا في الجولة الأولى وحصد 4,820,273 صوتًا بنسبة تقارب 20.72% من الأصوات الصحيحة، وفق النتائج الرسمية المجمعة المنشورة على الموقع الرسمي للجنة الانتخابات الرئاسية لعام 2012. وكان هذا الصعود وقتها أحد أبرز مفاجآت ما بعد الثورة، لأنه كشف عن كتلة انتخابية معتبرة لخطاب يجمع بين العدالة الاجتماعية والهوية الوطنية والنزعة المدنية.

أما في انتخابات 2014، فقد خاض صباحي السباق مجددًا أمام عبد الفتاح السيسي، وحصل بحسب البيان الرسمي للجنة الانتخابات الرئاسية على 757,511 صوتًا تقريبًا بنسبة 3.09% من الأصوات الصحيحة، مقابل فوز كاسح للسيسي. الفارق بين المحطتين لا يختزل فقط تبدل المزاج العام، بل يكشف أيضًا مدى صعوبة تحويل الزخم الثوري إلى تنظيم سياسي مستدام، ومدى هشاشة المجال الذي كانت تتحرك فيه المعارضة المدنية.

ما الذي تكشفه المقارنة؟

  • أولًا: أن الشعبية اللحظية لا تكفي لبناء تيار سياسي راسخ.
  • ثانيًا: أن المزاج الانتخابي في مصر بعد 2013 تغيّر بصورة جذرية.
  • ثالثًا: أن خطاب البديل الاجتماعي الوطني لم ينجح في التحول إلى مؤسسة سياسية قادرة على المنافسة المستمرة.

المعارضة المصرية: أزمة أشخاص أم أزمة بنية؟

الحوار مع صباحي يطرح، ضمنيًا، سؤالًا أكبر من الرجل نفسه: لماذا تعجز المعارضة المصرية، بكل أطيافها، عن إنتاج سردية جامعة ومؤثرة؟ جزء من الإجابة يرتبط بلا شك بظروف المجال العام، لكن جزءًا آخر يتعلق بالمعارضة ذاتها: ضعف التنظيم، غلبة الشخصنة، الانقسام الأيديولوجي، وعدم القدرة على تقديم برنامج يومي يلامس هموم الناس بلغة مباشرة.

في لحظة مثل هذه، يعود اسم حمدين صباحي لأنه يمثل نموذجًا لسياسي حاول مخاطبة الفئات الشعبية بلغة مختلفة عن النخب التقليدية. لكنه في الوقت نفسه يجسد حدود هذا النموذج: الكاريزما وحدها لا تكفي، والإرث الرمزي وحده لا يصنع مسارًا سياسيًا جديدًا، والمراهنة على الذاكرة الوطنية دون خطة تنظيمية واضحة تنتهي غالبًا إلى حضور إعلامي لا إلى فعل سياسي ممتد.

ملف سوريا ولماذا يظل الأكثر حساسية؟

أكثر ما يلفت في الحوار هو أن سؤال سوريا ما زال يلاحق صباحي حتى اليوم. السبب أن الموقف من بشار الأسد لم يعد تفصيلًا عابرًا في السجال العربي، بل صار معيارًا لكشف تناقضات واسعة داخل التيارات القومية واليسارية. فالدفاع عن "محور مقاومة" أو تفهمه لا يجيب وحده عن سؤال الدم السوري، ولا يمحو أثر سنوات الحرب والقمع والانهيار.

ومن زاوية مصرية، يبقى هذا النقاش مهمًا لأن الرأي العام هنا خبر، خلال العقد الأخير، كيف يمكن أن تتداخل الشعارات الكبرى مع الحسابات الإقليمية بطريقة تربك المعايير الأخلاقية والسياسية. لذلك فإن تبرير المصافحة بمنطق مقاومة إسرائيل قد يلقى قبولًا لدى بعض الجمهور، لكنه يظل بالنسبة لآخرين تعبيرًا عن أزمة في ترتيب الأولويات، لا مجرد خلاف في التقدير.

لماذا يهم هذا الحوار الآن؟

اللافت أن الحلقة تأتي في وقت تتجدد فيه النقاشات حول مستقبل السياسة في مصر، وحول الحاجة إلى مساحات أوسع للنقاش العام، وإلى خطاب معارض أكثر نضجًا وقدرة على مخاطبة الجمهور. كما أن البرنامج نفسه بات حاضرًا بقوة على المنصات الرقمية؛ إذ أعلن مصراوي في يوليو 2026 أن بودكاست "أسئلة حرجة مع مجدي الجلاد" اقترب من نصف مليار مشاهدة ومليار وصول عبر المنصات، ما يعكس حجم الطلب على الحوارات المطولة مع الشخصيات العامة.

لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في أن مثل هذه الحوارات تمنح فرصة لإعادة فحص مسارات كاملة من التاريخ السياسي القريب: من أحلام ما بعد الثورة إلى خيباتها، ومن صعود المرشحين الشعبويين أو الرمزيين إلى تراجعهم، ومن سطوة الأيديولوجيا إلى إكراهات الواقع.

خلاصة تحليلية

ما قاله حمدين صباحي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد استرجاع لسيرة سياسية، بل باعتباره شهادة متأخرة على أزمة تيار كامل. الرجل ما زال يدافع عن كثير من مسلمات المشروع القومي الاجتماعي، لكنه يجد نفسه مضطرًا إلى التفسير والتبرير والمراجعة في آن واحد. وهذا، في حد ذاته، علامة على أن الخطاب القديم لم يعد قادرًا على المرور كما هو.

بالنسبة للقارئ المصري، الأهم من تفاصيل الجدل حول بشار الأسد أو أخطاء عبد الناصر، هو ما يكشفه الحوار عن سؤال أكبر: هل تملك مصر اليوم معارضة تستطيع أن تجمع بين الوطنية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية من دون الوقوع في تناقضات الماضي؟ حتى الآن، لا يبدو أن الإجابة سهلة. لكن مجرد عودة هذا السؤال إلى النقاش العام تعني أن الفراغ السياسي لم يُلغ الحاجة إلى السياسة، بل أجّلها فقط.