Akhbar Cairo

حمد بن جاسم: وحدة الخليج لم تعد ترفًا سياسيا

تحذير سياسي يتجاوز اللحظة الآنية

أعاد رئيس الوزراء القطري الأسبق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني طرح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة إقليمية: هل ما يزال الخليج يتعامل مع تهديداته بوصفها ملفات منفصلة، أم أن اللحظة الحالية تفرض الانتقال إلى مفهوم الأمن الجماعي الحقيقي؟ الدعوة التي أطلقها بن جاسم لم تكن مجرد مطالبة بتخفيف التوتر بين العواصم الخليجية، بل حملت نبرة أكثر حدة حين ربط بين الانقسام الداخلي وبين ما وصفه كثيرون في قراءتهم لتصريحاته بأنه خطر وجودي يهدد دول مجلس التعاون إذا تُركت كل دولة لتواجه الضغوط منفردة.

في جوهر الرسالة، يظهر تشديد واضح على أن مساندة السعودية لا ينبغي أن تبقى في إطار البيانات السياسية، بل يجب أن تتحول إلى خطوات عملية تعكس أن أمن الخليج وحدة واحدة. وهذه الفكرة ليست جديدة من حيث المبدأ، لكنها تكتسب وزنًا أكبر في ظل التوترات المتكررة حول اليمن، واحتمالات الاحتكاك الأوسع مع إيران، وتزايد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة في المنطقة.

ماذا قال حمد بن جاسم ولماذا يلفت الانتباه الآن؟

حمد بن جاسم، الذي لا يزال حضوره السياسي والإعلامي مؤثرًا في النقاشات الخليجية، سبق له خلال عام 2026 أن حذر علنًا من أن أكبر تهديد لدول الخليج قد لا يكون خصمًا خارجيًا بقدر ما يكون الانقسام الخليجي نفسه. وفي تصريحات ومواقف متقاربة نُشرت خلال الأشهر الماضية، شدد على أن أي مواجهة مباشرة بين دول مجلس التعاون وإيران ستكون مكلفة للطرفين، وأنها ستفتح الباب أمام استنزاف الموارد وتوسيع نفوذ قوى خارجية في المنطقة. كما دعا إلى تشاور وتنسيق متين بين دول المجلس، معتبرًا أن الوقوف مع السعودية يجب أن يكون قاعدة جماعية لا استثناءً ظرفيًا.

أهمية هذه الرسائل لا ترتبط فقط باسم قائلها، بل بالسياق الذي صدرت فيه. فالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي تؤكد في وثائقها الأساسية أن المجلس يضم ست دول هي السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وسلطنة عُمان، وأن مقره في الرياض، فيما شدد بيان العُلا الصادر في 5 يناير 2021 على استعادة العمل الخليجي المشترك إلى مساره الطبيعي، وعلى أن أمن دول المجلس كل لا يتجزأ. ومن ثم فإن أي حديث جديد عن التضامن ليس تأسيسًا من الصفر، بل تذكير بأن التعهدات السياسية تحتاج إلى ترجمة مؤسسية مستمرة.

من اليمن إلى ما وراء إيران: اتساع خريطة القلق

اللافت في تحذير بن جاسم أنه لا يحصر التهديد في ساحة واحدة. صحيح أن الجبهة اليمنية تبقى من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للسعودية، خاصة مع ما شهدته الأشهر الماضية من تصعيدات وتهديدات متبادلة مرتبطة بالحدود الجنوبية وبأمن الممرات البحرية، لكن القراءة الأوسع تشير إلى أن المسألة تتجاوز اليمن كحرب أو كملف حدودي. فهناك أيضًا هواجس أمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وتأثير أي اضطراب على صادرات الطاقة، فضلًا عن انعكاس ذلك على الاقتصاد العالمي كله، بما في ذلك دول تستورد الطاقة وتراقب استقرار المنطقة عن كثب مثل مصر.

ومن زاوية مصرية، فإن أهمية هذا الملف لا تقتصر على البعد التضامني العربي أو العلاقات الوثيقة مع عواصم الخليج، بل تمتد إلى حسابات الأمن البحري وسلاسل الإمداد وقناة السويس وأسواق الطاقة. أي هزة كبيرة في الخليج أو في البحر الأحمر لا تبقى محصورة جغرافيًا، بل تصل آثارها سريعًا إلى التجارة والنقل والتكلفة المعيشية في المنطقة بأكملها.

لماذا تبدو السعودية محورًا في هذا الخطاب؟

حين يدعو بن جاسم إلى مساندة السعودية بخطوات عملية، فهو ينطلق من أن المملكة ليست مجرد دولة عضو في مجلس التعاون، بل هي الثقل الجغرافي والسياسي والاقتصادي الأكبر في المنظومة الخليجية، كما أنها الدولة التي تقع في قلب عدد من الملفات الأكثر سخونة، من اليمن إلى أمن الطاقة إلى التوازن مع إيران. لذلك فإن أي استهداف مباشر أو غير مباشر للسعودية يُقرأ خليجيًا على أنه اختبار لمصداقية منظومة الردع الجماعي.

هذه النقطة تتقاطع مع ما أكدته وثائق مجلس التعاون بعد قمة العُلا، حين شددت على وقوف دول المجلس صفًا واحدًا في مواجهة أي تهديد تتعرض له إحدى الدول الأعضاء. لكن الفجوة بين النص السياسي والتطبيق العملي ظلت دائمًا هي التحدي الأصعب. فالوحدة في الخطاب أسهل بكثير من بناء آليات ردع وتنسيق أمني وسياسي واقتصادي تعمل بسرعة وكفاءة عند الأزمات.

من المصالحة إلى الفاعلية: هل انتقل الخليج إلى مرحلة جديدة؟

منذ المصالحة الخليجية التي كرسها بيان العُلا مطلع 2021، تراجع منسوب الخلاف العلني بين العواصم الخليجية، لكن السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان هذا التراجع قد تحول فعلًا إلى سياسة جماعية أكثر تماسكًا. تحذير حمد بن جاسم يوحي بأن المصالحة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تُترجم إلى رؤية مشتركة في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية وإدارة الأزمات.

خلال السنوات الأخيرة، واجهت المنطقة سلسلة من الوقائع التي أثبتت أن التهديدات لم تعد تقليدية أو محدودة المصدر: هجمات على منشآت، اضطراب في حركة الملاحة، صعود فاعلين مسلحين غير دولتيين، وضغوط دولية متشابكة بين واشنطن وطهران وتل أبيب ومسارات التهدئة المتقطعة. وفي مثل هذا المناخ، يصبح الحديث عن الوحدة العملية أقرب إلى مطلب بقاء منه إلى ترف دبلوماسي.

ما الذي تعنيه "خطوات عملية" في الحسابات الخليجية؟

المقصود هنا، على الأرجح، ليس إعلانًا عاطفيًا جديدًا، بل حزمة سياسات يمكن تلخيصها في عدة مسارات:

  • تنسيق أمني أسرع بين الدول الست عند الأزمات العابرة للحدود.
  • موقف سياسي موحد يقلل فرص استفراد أي طرف خارجي بدولة خليجية بعينها.
  • حماية مشتركة للممرات البحرية الحيوية لصادرات النفط والغاز والتجارة.
  • إدارة جماعية للعلاقة مع إيران تجمع بين الردع والدبلوماسية وتمنع الانزلاق غير المحسوب.
  • تعزيز التكامل الاقتصادي لأن الهشاشة الاقتصادية في أوقات التوتر قد تتحول سريعًا إلى نقطة ضغط سياسي.

هذه المسارات ليست بعيدة عن روح النظام الأساسي لمجلس التعاون، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية مستدامة، خصوصًا حين تتباين أولويات الدول الأعضاء أو تختلف قراءتها للمخاطر.

كيف يقرأ القارئ المصري هذه الدعوة؟

بالنسبة للقارئ في مصر، فإن دعوة حمد بن جاسم ليست شأنًا خليجيًا داخليًا خالصًا. فاستقرار الخليج يرتبط مباشرة بالاقتصاد الإقليمي، وتحويلات العمالة، والاستثمارات العربية، وأمن الطاقة، والممرات البحرية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر. ولذلك فإن أي دعوة إلى تعزيز وحدة مجلس التعاون تحمل بعدًا عربيًا أوسع، خصوصًا في لحظة تشهد فيها المنطقة اختبارات متزامنة على أكثر من جبهة.

كما أن التجربة الإقليمية خلال العقدين الماضيين أظهرت أن كلفة الانقسام العربي عادة ما تكون أعلى من كلفة التفاهم، حتى لو بدا التفاهم بطيئًا أو ناقصًا. ومن هنا تبدو رسالة بن جاسم أقرب إلى تذكير سياسي بأن الدول الصغيرة والمتوسطة والكبيرة داخل المنظومة الخليجية لا تملك رفاهية إدارة الأخطار الكبرى بعقلية التجزئة.

خلاصة المشهد

الرسالة التي يمكن استخلاصها من موقف حمد بن جاسم هي أن التهديدات المحيطة بالخليج لم تعد تسمح بالمجاملات السياسية أو الاكتفاء بشعارات التضامن. المطلوب، وفق هذا المنطق، هو انتقال مجلس التعاون من مرحلة ترميم الخلافات إلى مرحلة بناء القدرة الجماعية على الردع والتحرك. وإذا كان اليمن وإيران يمثلان عنوانين بارزين في المشهد، فإن التحذير الأهم يظل في مكان آخر: أي فراغ في التنسيق الخليجي قد يصبح بحد ذاته أخطر من الخصوم المعلنين.

في النهاية، تبدو الدعوة إلى مساندة السعودية عمليًا دعوة إلى اختبار صدقية المنظومة الخليجية كلها. فإما أن يثبت المجلس أنه قادر على تحويل مبدأ "الأمن الواحد" إلى سياسات قابلة للتنفيذ، أو يبقى هذا المبدأ مجرد عبارة قوية في البيانات الختامية لا أكثر.