حملة أمريكية غير مسبوقة لسحب الجنسية من 40 مجنّسًا
أكبر تحرك حديث لإسقاط الجنسية الأمريكية
أعلنت وزارة العدل الأمريكية أن الحكومة رفعت دعاوى مدنية لسحب الجنسية من 40 شخصًا مجنّسًا خلال الفترة بين 21 أغسطس/آب و2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في ما وصفته الوزارة بأنه أكبر جهد من نوعه في التاريخ الحديث. وبحسب البيان الرسمي، فإن هذه الملفات قُدمت أمام عدة محاكم اتحادية، وتستهدف أشخاصًا تتهمهم السلطات بالحصول على الجنسية عبر إخفاء معلومات جوهرية أو تقديم بيانات كاذبة أثناء إجراءات التجنّس.
التحرك الجديد أعلنته وزارة العدل بقيادة تود بلانش، الذي أدى اليمين بوصفه المدعي العام رقم 88 للولايات المتحدة في 10 أغسطس/آب 2026. وتقول الوزارة إن الدعاوى الأخيرة تشمل حالات مرتبطة بجرائم خطيرة ومتنوعة، من بينها العمل لصالح حكومة أجنبية، والقتل غير العمد، وجرائم اعتداءات جنسية، إلى جانب قضايا احتيال وهوية وهجرة.
ما الذي أعلنته واشنطن بالضبط؟
وفقًا لوزارة العدل الأمريكية، فإن الدعاوى المرفوعة خلال تلك الأسابيع القليلة تمثل أكبر عدد من شكاوى إسقاط الجنسية المقدمة في فترة واحدة خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما أشارت الوزارة في بيانات أخرى هذا العام إلى أن عدد دعاوى إسقاط الجنسية المدنية التي رفعتها منذ 20 يناير/كانون الثاني 2025 بلغ نحو 123 دعوى، وهو رقم قالت إنه الأعلى في السجلات الحديثة.
الأساس القانوني الذي تعتمد عليه هذه القضايا هو نص 8 U.S.C. § 1451 من قانون الولايات المتحدة، الذي يجيز للحكومة طلب إلغاء التجنّس إذا ثبت أن الجنسية مُنحت بصورة غير قانونية، أو عبر إخفاء واقعة مادية أو تحريف متعمد. وتُنظر هذه القضايا أمام القضاء الاتحادي باعتبارها دعاوى مدنية، لكن وزارة العدل تؤكد أن القرار النهائي لا يصدر إلا بحكم قضائي.
لماذا يهم هذا الخبر قارئ المنطقة وأفريقيا؟
رغم أن القضية أمريكية داخلية، فإن صداها يتجاوز حدود الولايات المتحدة، خصوصًا في القارة الأفريقية التي تضم جاليات كبيرة ومجتمعات مهاجرة واسعة في أمريكا الشمالية. كثير من مواطني دول أفريقية، ومن بينهم مهاجرون من شرق القارة وغربها وشمالها، يتابعون عن كثب أي تغييرات تمس قوانين الإقامة والتجنس والهجرة، لأنها تنعكس على أوضاع الأسر، والتحويلات المالية، وفرص الاستقرار القانوني.
ومن زاوية مصرية وأفريقية، يكتسب الملف أهمية إضافية لأن الولايات المتحدة تبقى مقصدًا رئيسيًا لشرائح من الطلاب والمهنيين والمهاجرين من القارة. لذلك فإن تشديد الرقابة على ملفات التجنس، أو توسيع استخدام دعاوى إسقاط الجنسية، يبعث برسالة واضحة مفادها أن السلطات الأمريكية تتجه إلى فحص أدق لخلفيات المتجنسين، لا سيما في القضايا المرتبطة بالهوية والجرائم الخطيرة والاحتيال.
أمثلة من القضايا التي كشفتها الوزارة
الوزارة لم تكتف بالإعلان المجمل، بل نشرت خلال 2026 عدة بيانات منفصلة عن حالات فردية. من بينها دعوى ضد فيكتور مانويل روشا، السفير الأمريكي السابق الذي أقرت السلطات بأنه اعترف بالعمل سرًا لصالح كوبا لعقود، وقد تقدمت وزارة العدل في 8 مايو/أيار 2026 بدعوى مدنية لإلغاء جنسيته الأمريكية. وفي ملف آخر، أعلنت الوزارة في 31 أغسطس/آب 2026 إتمام إسقاط الجنسية عن شخص من أصل هندي بعد إدانته في قضية اغتصاب وخطف كان قد أخفاها خلال إجراءات التجنس.
كما كشفت جهات اتحادية عن قضايا أخرى شملت أشخاصًا متهمين بإخفاء أوامر ترحيل قديمة، أو استخدام هويات مزورة، أو الكذب بشأن سوابق جنائية عند تقديم طلبات الجنسية. وفي إحدى القضايا المعلنة من مكتب الادعاء في ولاية كانساس، قالت الحكومة إن المتهم حصل على الجنسية بعد استخدام اسم وهوية غير صحيحة رغم وجود أمر ترحيل سابق بحقه.
البعد السياسي في الملف
التحرك الجديد يأتي ضمن سياق أوسع تتبناه إدارة ترامب في ملفات الهجرة والحدود والجريمة المنظمة. فاللغة المستخدمة في بيانات وزارة العدل هذا العام تربط بين إسقاط الجنسية وبين الأمن القومي وحماية الجمهور ونزاهة نظام الهجرة. وهذا يعكس توجها سياسيًا وقانونيًا يمنح أولوية عالية لملاحقة أي تجنّس تعتبره السلطات قائمًا على الغش أو الإخفاء.
في المقابل، يثير هذا المسار نقاشًا واسعًا داخل الولايات المتحدة، لأن إسقاط الجنسية من أكثر الإجراءات حساسية، خاصة عندما يتعلق بأشخاص كانوا قد أصبحوا مواطنين أمريكيين بالفعل. وبينما تؤكد الحكومة أن الملفات تستند إلى أدلة ووثائق وتحقيقات، ترى أصوات قانونية وحقوقية أن توسيع هذا المسار يحتاج إلى رقابة قضائية صارمة وضمانات إجرائية دقيقة، نظرًا لخطورة فقدان صفة المواطنة وما يترتب عليها من آثار قد تصل لاحقًا إلى الترحيل.
كيف تتم العملية قانونيًا؟
بحسب الإطار القانوني الأمريكي، لا تُسحب الجنسية بقرار إداري مباشر في هذه الحالات، بل عبر دعوى أمام محكمة اتحادية. وتقدم الحكومة ملفها استنادًا إلى أن الشخص لم يكن مستوفيًا لشروط التجنس أساسًا، أو أنه تعمد إخفاء معلومات لو كانت معروفة وقتها لما مُنحت له الجنسية. وإذا حكمت المحكمة بإلغاء التجنس، يفقد الشخص الشهادة التي منحته الجنسية وما يرتبط بها من مزايا قانونية.
وتشير أدلة إجرائية منشورة من خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية USCIS إلى أن إلغاء التجنس يظل مسارًا استثنائيًا، لكنه جزء قائم من أدوات إنفاذ القانون عندما ترى السلطات أن الجنسية اكتُسبت عبر تدليس أو على خلاف الشروط القانونية. كما تؤكد وزارة العدل في دليلها الإجرائي أن قرار رفع هذه القضايا يُتخذ على أساس كل حالة على حدة بعد مراجعة الوقائع والأدلة.
ماذا يعني ذلك للمهاجرين من أفريقيا؟
الرسالة الأهم للمهاجرين والمتقدمين بطلبات الجنسية من أفريقيا وغيرها هي أن السلطات الأمريكية تعيد التأكيد على مركزية الشفافية الكاملة في نماذج الهجرة والتجنس. أي تناقض في الأسماء، أو إغفال لسجل جنائي، أو إخفاء لقرار ترحيل سابق، أو معلومات خاطئة عن النشاط السياسي أو الأمني، قد يتحول بعد سنوات إلى أساس قانوني لإعادة فتح الملف.
- أولًا: التدقيق في كل البيانات المقدمة لسلطات الهجرة قبل التوقيع عليها.
- ثانيًا: عدم التقليل من شأن الوقائع القديمة، حتى لو مرّ عليها سنوات طويلة.
- ثالثًا: طلب استشارة قانونية مختصة في حال وجود أي التباس يتعلق بالهوية أو السوابق أو أوامر الترحيل السابقة.
- رابعًا: فهم أن الحصول على الجنسية لا يغلق نهائيًا الباب أمام المراجعة القضائية إذا ثبت وجود غش جوهري وقت التجنس.
خلاصة المشهد
ما أعلنته واشنطن خلال الأيام الأولى من أكتوبر/تشرين الأول 2026 ليس مجرد حملة إجرائية عادية، بل مؤشر واضح إلى تصعيد كبير في استخدام دعاوى إسقاط الجنسية داخل الولايات المتحدة. وبينما تركز الإدارة الأمريكية على إبراز الملف باعتباره دفاعًا عن القانون والأمن، يبقى تأثيره أوسع من الداخل الأمريكي، خاصة بالنسبة لجاليات أفريقيا والمهاجرين الذين يرون في الجنسية الأمريكية محطة نهائية للاستقرار.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية الخبر لا تتعلق فقط بالسياسة الأمريكية، بل أيضًا بما يكشفه من اتجاهات أشمل في إدارة ملف الهجرة عالميًا: المزيد من الفحص، والمزيد من الربط بين الجنسية والسجل القانوني الكامل، ومزيد من الحذر تجاه أي معلومات غير دقيقة في ملفات التجنس. هذا يجعل الخبر تطورًا دوليًا مهمًا يستحق المتابعة، خصوصًا في قسم أفريقيا الذي يرصد القضايا العابرة للحدود والمؤثرة على مواطني القارة ومجتمعاتها في الخارج.