حملة متطرفة تكشف ثغرات فيسبوك أمام التضليل ببريطانيا
تحقيق جديد يعيد الجدل حول دور فيسبوك في بريطانيا
عاد ملف المحتوى المضلل على فيسبوك إلى واجهة النقاش العام في بريطانيا، بعد تحقيق صحفي رصد نشاط صفحة تحمل اسم Life in Britain على المنصة، ونشرها سلسلة من المقاطع المصنوعة بالكامل أو جزئيا بأدوات الذكاء الاصطناعي، مع رسائل تدفع باتجاه تأجيج العداء للمهاجرين. القضية لا تتعلق فقط بمحتوى مضلل، بل تكشف أيضا صعوبة ملاحقة هذا النوع من المواد عندما يُقدَّم في قالب بصري يبدو مقنعا للمستخدم العادي.
وبحسب ما جرى تداوله في تقارير بريطانية حديثة، فإن الصفحة حصدت أكثر من 100 ألف متابع، بينما استخدمت مقاطع توحي بأنها آراء عفوية لمواطنين في الشارع أو مشاهد ميدانية مرتبطة بالهجرة، قبل أن يتبين أن كثيرا منها يحمل مؤشرات واضحة على التوليد الاصطناعي أو التلاعب البصري.
كيف كُشف التلاعب؟
التحقق من المقاطع لم يعتمد على الانطباع فقط، بل دعمه أيضا تدقيق مستقل من جهات متخصصة في فحص التضليل الرقمي. منظمة Full Fact البريطانية نشرت في مطلع يوليو 2026 تقريرا عن مقاطع مزيفة تُظهر أشخاصا يبدون وكأنهم يعبرون عن مواقف من الهجرة، ولفتت إلى علامات تقنية متكررة، من بينها تشوهات في المركبات والخلفيات وتبدلات غير منطقية في ملامح المشهد أثناء الحركة.
هذا النمط مهم لأنه يوضح أن التضليل الجديد لم يعد يقتصر على منشور نصي أو صورة قديمة يجري إخراجها من سياقها، بل أصبح يعتمد على فيديوهات مولدة بالذكاء الاصطناعي تحاكي تقارير الشارع أو المقابلات السريعة، وهي صيغة تمتلك قدرة أعلى على الانتشار والتأثير، خصوصا عندما تتناول قضايا شديدة الحساسية مثل الهجرة والهوية والأمن.
لماذا تثير القضية حساسية خاصة في بريطانيا؟
ملف الهجرة في المملكة المتحدة من أكثر الملفات استقطابا خلال السنوات الأخيرة، ويظهر باستمرار في الحملات الانتخابية والنقاشات البرلمانية والتغطيات الإخبارية. لذلك فإن نشر فيديوهات زائفة توحي بأن الرأي العام البريطاني يتبنى مواقف أكثر حدة ضد المهاجرين يمكن أن يغيّر إدراك الجمهور لما يحدث فعلا على الأرض، حتى لو كانت تلك المقاطع مختلقة من الأساس.
ومن زاوية أوسع، فإن ما حدث يعكس تحولا عالميا يهم القارئ المصري أيضا: المنصات الكبرى باتت ساحة مفتوحة لمعركة السرديات السياسية والاجتماعية، ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح إنتاج مواد تبدو “واقعية” أرخص وأسرع من أي وقت مضى. وهذا يعني أن الأثر لا يتوقف عند بريطانيا، بل يمتد إلى أي مجتمع يناقش قضايا الهجرة أو الأقليات أو الأمن أو الانتخابات.
Meta بين السياسات المعلنة والانتقادات المتزايدة
شركة Meta، المالكة لفيسبوك، تقول في وثائقها وسياساتها العامة إنها تحظر خطاب الكراهية والسلوك الخادع وأنماط التضليل الضارة. لكن الانتقاد المتكرر من منظمات رقابية وخبراء سلامة رقمية يتمثل في أن المشكلة ليست فقط في وجود القواعد، بل في سرعة التنفيذ وكفاءة الرصد، خاصة عندما يتخفى المحتوى المخالف في هيئة مادة سياسية أو اجتماعية “عادية”.
ويأتي ذلك في وقت أجرت فيه Meta بالفعل تغييرات كبيرة على نموذج الإشراف على المحتوى. ففي 7 يناير 2025 أعلنت الشركة إنهاء برنامج التحقق الخارجي من المعلومات في الولايات المتحدة والاتجاه إلى نموذج Community Notes، ثم بدأت اختبار هذا النظام على فيسبوك وإنستغرام وثريدز في 18 مارس 2025. هذه التغييرات أثارت منذ البداية نقاشا واسعا حول ما إذا كانت ستترك فجوات أكبر أمام انتشار السرديات الكاذبة، خصوصا في القضايا السياسية والمجتمعية الحساسة.
ورغم أن هذا التحول أُعلن بداية في السوق الأمريكية، فإن الجدل الذي يرافقه صار عالميا، لأن فيسبوك منصة عابرة للحدود، وأي ضعف في آليات الكشف أو خفض أولوية الإشراف يمكن أن ينعكس على دول أخرى بسرعة كبيرة.
الرقابة البريطانية تدخل مرحلة أكثر صرامة
القضية تزامنت أيضا مع تشديد الإطار القانوني في المملكة المتحدة. فبموجب قانون السلامة على الإنترنت في بريطانيا، أصبحت المنصات الرقمية ملزمة باتخاذ خطوات لحماية المستخدمين من المحتوى غير القانوني. وتشير الحكومة البريطانية إلى أن هذه الواجبات دخلت حيز التنفيذ اعتبارا من 17 مارس 2025، بينما تواصل هيئة Ofcom، وهي الجهة المنظمة للاتصالات والسلامة الرقمية، إصدار الإرشادات والتنظيمات التفصيلية خلال 2026.
Ofcom أوضحت في تحديثاتها الأخيرة أن الشركات الواقعة ضمن نطاق القانون مطالبة بتقييم مخاطر المحتوى غير القانوني واتخاذ إجراءات عملية لتقليصه، مع تحديث السجلات والامتثال للمتطلبات الرقابية خلال 2026. وبالنسبة لمنتقدي أداء فيسبوك، فإن هذه القضية تقدم اختبارا عمليا: هل تستطيع المنصة التحرك قبل أن تتحول الحملات المضللة إلى رأي عام مزيف واسع الانتشار؟
لماذا يصعب ضبط الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي؟
التحدي هنا تقني وسياسي في آن واحد. فالمقاطع القصيرة المصنوعة بالذكاء الاصطناعي قد تبدو مقنعة عند المشاهدة السريعة على الهاتف، خصوصا إذا جاءت في سياق خبر عاجل أو نقاش مستقطب. كما أن بعض الصفحات لا تقدم نفسها كجهات إعلامية أو سياسية صريحة، بل كصفحات “مجتمعية” أو “محلية”، ما يمنحها هامشا أكبر للتسلل إلى خوارزميات الانتشار.
- أولا: سرعة الإنتاج، إذ يمكن صناعة عشرات المقاطع خلال وقت قصير.
- ثانيا: صعوبة الرصد الآلي عندما لا يحتوي الفيديو على إساءة لفظية مباشرة بل يوحي برسالة عدائية عبر السياق.
- ثالثا: قابلية المشاركة العالية، لأن الفيديو القصير أكثر جذبا من النصوص الطويلة.
- رابعا: استغلال القضايا المثيرة للانقسام، مثل الهجرة واللجوء والاحتجاجات.
ومن هنا يرى مراقبون أن التعامل مع هذا النوع من الحملات لا يحتاج فقط إلى حذف المحتوى بعد انتشاره، بل إلى أنظمة أكثر تطورا لاكتشاف الأنماط المنسقة، وربط الحسابات والصفحات التي تكرر الأسلوب نفسه أو تضخم روايات سياسية عبر محتوى اصطناعي.
ما الذي يعنيه ذلك للمتابع العربي؟
بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة، فإن قصة بريطانيا ليست مجرد واقعة بعيدة جغرافيا، بل نموذج واضح على تحول عالمي في بيئة المعلومات. المنصات التي يعتمد عليها الناس يوميا لمتابعة الأخبار والنقاشات العامة يمكن أن تصبح، في غياب التدخل السريع، أداة لإعادة تشكيل المزاج العام عبر مواد غير حقيقية.
وهذا يفرض على المستخدمين والمؤسسات الإعلامية معا قدرا أكبر من التحقق، خاصة مع المقاطع التي تبدو “مثيرة” أو “صادمة” أو منسجمة بشكل مبالغ فيه مع المواقف المسبقة للجمهور. فكلما ارتفعت حدة الاستقطاب، زادت فرصة نجاح هذا النوع من التضليل.
خلاصة المشهد
تكشف واقعة صفحة Life in Britain أن معركة المنصات مع التضليل لم تعد محصورة في الأخبار الكاذبة التقليدية، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدا مع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبينما تؤكد Meta أنها تملك قواعد صارمة ضد خطاب الكراهية والخداع، فإن الوقائع على الأرض تطرح سؤالا مباشرا حول فعالية هذه القواعد وسرعة تنفيذها.
في بريطانيا، حيث دخلت قواعد السلامة الرقمية مرحلة أكثر تشددا، قد تتحول هذه القضية إلى معيار مهم لقياس مدى جدية المنصات الكبرى في كبح المحتوى الذي يحرض ضد المهاجرين أو يوظف التكنولوجيا لتضليل الجمهور. أما الدرس الأوسع، فهو أن التحقق لم يعد رفاهية رقمية، بل أصبح شرطا أساسيا لفهم ما إذا كنا نشاهد الواقع فعلا، أم نسخة مصنوعة منه.