حوار البرهان الشامل: هل يفتح باب التسوية في السودان؟
إعلان جديد في لحظة سودانية شديدة التعقيد
أعاد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ملف التسوية السياسية إلى الواجهة بعدما أعلن، في 26 مايو/أيار 2026، أن هناك ترتيبات جارية لإطلاق حوار سياسي شامل يجمع السودانيين داخل البلاد، بهدف الوصول إلى توافق وطني حول مستقبل الحكم ومبادئ إدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. الرسالة الأساسية في هذا الإعلان أن الخرطوم تريد حوارًا بملكية سودانية، بعيدًا عن فرض المسارات من الخارج، مع تعهد رسمي بتقديم ما يلزم لإنجاحه وإشراك قوى وطنية في مؤسسات الحكم.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند حدود السياسة السودانية الداخلية. فالسودان يمثل عمقًا استراتيجيًا مباشرًا لمصر، وأي تغير في معادلة السلطة أو فرص وقف الحرب ينعكس على ملفات الحدود، وحركة السكان، والتجارة، والأمن الإقليمي، وحتى حسابات البحر الأحمر ووادي النيل.
ماذا قال البرهان فعليًا؟
المعطيات المتاحة من التغطيات الإخبارية المتقاطعة تشير إلى أن البرهان شدد على أن الحوار المرتقب سيُعقد داخل السودان، وأنه يستهدف التوافق على أسس البناء الوطني ومبادئ حاكمة توحّد البلاد وتضع حدًا لأزماتها المتكررة، مع ربط ذلك باستكمال انتقال مدني ديمقراطي في نهاية المطاف. كما ارتبط الخطاب الرسمي بفكرة توجيه الدعوة إلى القوى الوطنية، مع استبعاد من تتهمهم السلطة بالتورط في دماء السودانيين.
وفي يوليو/تموز 2026، ظهرت مؤشرات إضافية على أن هذا المسار ليس مجرد تصريح عابر، إذ تحدثت تقارير سياسية عن مشاورات أجراها البرهان مع قوى من بينها تحالف الكتلة الديمقراطية، مع تعهد بخطوات عملية لتهيئة البيئة المناسبة لعقد حوار سوداني-سوداني شامل للتسوية والتوافق على ترتيبات ما بعد الحرب.
لماذا يعود الحديث عن الحوار الآن؟
الجواب يرتبط أولًا بتبدل السياق الميداني والسياسي. فالحرب المستمرة منذ 15 أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة دولة بكل ما تعنيه الكلمة. ووفق أحدث بيانات منصة السودان التابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد النازحين واللاجئين والعائدين قسرًا المتأثرين بالأزمة أكثر من 11.3 مليون شخص حتى 20 يوليو/تموز 2026، بينهم نحو 6.49 مليون نازح داخل السودان. هذه الأرقام تجعل أي حديث عن الحكم أو الشرعية أو إعادة الإعمار مستحيلًا من دون إطار سياسي واسع.
ثانيًا، فإن السلطة في الخرطوم تبدو مدركة أن منطق الحسم العسكري وحده لا يكفي لبناء ترتيبات حكم مستقرة. حتى في حال تحقيق تقدم ميداني، يبقى السؤال الأصعب: من يحكم؟ وبأي تفويض؟ وكيف تُستعاد مؤسسات الدولة في العاصمة والأقاليم؟ هنا يصبح الحوار ليس ترفًا سياسيًا، بل أداة لإعادة تركيب المجال العام بعد حرب مزّقت المجتمع والإدارة والبنية التحتية.
بين الحوار والشرعية: أين تكمن العقدة؟
المعضلة الكبرى ليست في إعلان الحوار، بل في تعريف من هم أصحاب المصلحة الحقيقيون الذين يجب أن يجلسوا إلى الطاولة. السودان منذ 2019 يعيش أزمة مركبة حول العلاقة بين العسكري والمدني، ثم جاءت إجراءات 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 لتعمّق الانقسام، قبل أن تنفجر الحرب الشاملة في 2023 فتضيف بعدًا عسكريًا وإنسانيًا أكثر قسوة.
لهذا، فإن أي حوار يطرحه البرهان سيواجه باختبارين متلازمين. الأول هو التمثيل: هل سيشمل قوى سياسية واجتماعية ذات ثقل حقيقي داخل السودان وخارجه، أم سيقتصر على حلفاء السلطة والفاعلين الأقرب إلى رؤيتها؟ والثاني هو الضمانات: هل ستكون هناك قواعد واضحة لمخرجات الحوار، وجدول زمني، وآلية تنفيذ، وحد أدنى من التوافق على شكل الدولة ومؤسسات المرحلة الانتقالية؟
في القراءة التحليلية، يبدو أن السلطة السودانية تحاول من خلال هذا الطرح تحقيق أكثر من هدف في وقت واحد: تثبيت فكرة أن أي تسوية يجب أن تمر عبر الداخل السوداني، وإعادة بناء مظلة سياسية مساندة لمؤسسات الدولة، ونزع الشرعية عن مسارات موازية تُعقد خارج البلاد. لكن هذه الأهداف، على مشروعيتها من منظور الدولة، لا تعني تلقائيًا أن الحوار سيكون جامعًا أو مقنعًا لخصوم السلطة.
ما الذي يعنيه إشراك القوى الوطنية في الحكم؟
العبارة تبدو جذابة سياسيًا، لكنها تحتاج إلى تفكيك. إشراك القوى الوطنية في الحكم قد يعني توسيع القاعدة السياسية للحكومة ومؤسسات المرحلة المقبلة، وقد يعني أيضًا إنشاء هياكل انتقالية أو تشريعية أو تنفيذية تملأ الفراغ الذي لازم الدولة السودانية لسنوات. بعض الأصوات السياسية داخل السودان تحدثت بالفعل عن الحاجة إلى برلمان انتقالي قبل الذهاب إلى انتخابات عامة، بما يسمح بإعادة إنتاج شرعية مؤسساتية تدريجية.
لكن التحدي هنا أن توسيع المشاركة لا يجب أن يتحول إلى مجرد توزيع مقاعد. التجربة السودانية، كما يتابعها القارئ المصري منذ سنوات، أظهرت أن الأزمات لا تُحل فقط عبر هندسة النخب، بل عبر اتفاق واضح على قواعد اللعبة: احتكار الدولة للسلاح، علاقة الجيش بالسياسة، العدالة والمحاسبة، إدارة التنوع الإقليمي، وإعادة الإعمار.
كيف تنظر القاهرة إلى هذا المسار؟
من غير المبالغة القول إن مصر تتابع أي تحرك سياسي في السودان من زاويتين متوازيتين: استقرار الدولة السودانية ومنع تفكك مؤسساتها. فالقاهرة تاريخيًا تميل إلى دعم الحلول التي تحافظ على الدولة الوطنية وتمنع الفراغ، خصوصًا في دولة جوار ترتبط معها بحدود ومصالح مائية وأمنية مباشرة. لذلك فإن أي مسار حوار داخلي جاد، إذا اقترن بفرص تهدئة وبتصور قابل للتطبيق للحكم، سيجد اهتمامًا مصريًا واضحًا.
لكن من زاوية تحليلية، ستظل مصر -مثل غيرها من العواصم المؤثرة- معنية بسؤال الفاعلية لا بالشعارات. هل يملك هذا الحوار فرصة فعلية لتقليص الحرب؟ هل يفتح الباب أمام إدارة مدنية قابلة للحياة؟ وهل يمكن أن يحد من موجات النزوح وعدم الاستقرار؟ هذه الأسئلة أهم من الصياغات السياسية العامة.
هل ينجح الحوار هذه المرة؟
السوابق السودانية تجعل التفاؤل الحذر هو الموقف الأكثر واقعية. السودان عرف مبادرات حوار كثيرة، لكن أزمته المزمنة كانت دائمًا في الفجوة بين الإعلان والتنفيذ. الجديد الآن أن الحرب نفسها خلقت ضغوطًا هائلة على جميع الأطراف، ورفعت كلفة استمرار الانسداد. وهذا قد يمنح أي مبادرة جادة فرصة أكبر مما كان متاحًا في مراحل سابقة.
مع ذلك، فإن النجاح سيظل مشروطًا بعدة عوامل: تهيئة بيئة سياسية وأمنية تسمح بمشاركة أوسع، وضوح معايير الدعوة والاستبعاد، تحويل الحوار من منصة دعم للسلطة إلى منصة تفاوض وطني حقيقي، وربط نتائجه بخريطة طريق مؤسساتية تنتهي إلى انتقال مدني وانتخابات عندما تسمح الظروف.
ومن هنا يمكن فهم إعلان البرهان لا باعتباره نهاية أزمة، بل بداية اختبار جديد. فإذا استطاع أن يحول الدعوة إلى عملية سياسية لها شركاء حقيقيون ومخرجات قابلة للتنفيذ، فقد يصبح الحوار مدخلًا لتخفيف مأزق السودان. أما إذا ظل الأمر في حدود إعادة ترتيب التحالفات الموالية، فسيبقى مجرد عنوان سياسي جديد فوق أزمة قديمة.
الخلاصة
إعلان عبد الفتاح البرهان عن حوار شامل مع القوى الوطنية يعبّر عن إدراك متزايد داخل السلطة السودانية بأن مرحلة ما بعد الحرب لا يمكن إدارتها عسكريًا فقط. لكن قيمة الإعلان لن تُقاس ببلاغته، بل بمدى اتساعه وصدقيته وقدرته على إنتاج صيغة حكم أكثر تمثيلًا واستقرارًا. بالنسبة لمصر، يظل الرهان الأهم هو قيام دولة سودانية متماسكة وقادرة على استعادة مؤسساتها. أما بالنسبة للسودانيين، فالسؤال الأكثر إلحاحًا ليس هل يبدأ الحوار، بل: هل يملك هذه المرة فرصة حقيقية لإنهاء الدورة الطويلة من الحرب والانتقال المؤجل؟