خالد عبد العزيز: حماية الأطفال رقمياً مسؤولية الدولة والأسرة
حماية الأطفال على الإنترنت تتصدر أولويات النقاش العام في مصر
قال المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، إن حماية الأطفال والنشء داخل البيئة الرقمية أصبحت مسؤولية موزعة بين مؤسسات الدولة والأسرة والمجتمع، إلى جانب المنصات الرقمية نفسها، في إشارة تعكس اتساع القلق الرسمي والمجتمعي من تأثير المحتوى الضار على الفئات الأصغر سناً. ويأتي هذا الطرح في وقت تشهد فيه مصر تحركات تنفيذية وتشريعية متواصلة لضبط المجال الرقمي وتعزيز عناصر الأمان للأطفال عند استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
تصريحات رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتسق مع مسار رسمي أوسع بدأ يتبلور بصورة أوضح خلال عام 2026، بعدما ناقش الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في 2 فبراير 2026، إجراءات حماية الأطفال والنشء من المحتوى الضار على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك تنفيذاً لتوجيهات رئاسية ومتابعة لوضع إطار تنظيمي يُلزم المنصات الرقمية بتعزيز الأمان الافتراضي واتخاذ تدابير استباقية للحماية.
تحرك حكومي يضم الإعلام والتعليم والاتصالات
الاجتماع الحكومي الذي عُقد بالعاصمة الإدارية الجديدة لم يكن بروتوكولياً، بل جمع عدداً من الجهات المعنية مباشرة بالملف، من بينها وزارة الصحة والسكان، ووزارة التضامن الاجتماعي، ووزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، والهيئة الوطنية للإعلام، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، إلى جانب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. ويعكس هذا التشكيل أن التعامل مع مخاطر الفضاء الرقمي لم يعد شأناً إعلامياً فقط، بل ملفاً يرتبط بالصحة النفسية والاجتماعية والتعليمية والتقنية كذلك.
وفي السياق نفسه، شارك محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، في 9 فبراير 2026، في جلسة استماع بلجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب لعرض رؤية الوزارة بشأن تشريعات تسهم في حماية الأطفال والنشء والحد من المحتوى الضار على منصات التواصل الاجتماعي. كما شهدت الجلسة حضور ممثلين عن الأزهر الشريف والكنيسة والمنصات العالمية، بما يوضح أن الدولة تتجه نحو مقاربة تشمل البعد القيمي والتربوي والتنظيمي معاً.
دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في ملف السلامة الرقمية
منذ إعادة تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بقرار جمهوري رقم 518 لسنة 2024 برئاسة المهندس خالد عبد العزيز لمدة أربع سنوات، برز ملف حوكمة المحتوى الرقمي ضمن أولويات المجلس، سواء فيما يتعلق بحماية الملكية الفكرية أو تنظيم الأداء الإعلامي أو مواجهة المواد التي قد تُلحق ضرراً بالأطفال والنشء.
وتظهر ملامح هذا التوجه في أكثر من خطوة؛ فالمجلس ناقش خلال العام الماضي سيناريوهات التعامل مع لعبة روبلوكس انطلاقاً من اعتبارات مرتبطة بحماية سلوكيات الأطفال وتعزيز السلامة الرقمية. كما سبق للمجلس أن طرح كوداً لضوابط وأخلاقيات الإعلام الآمن للطفل يتضمن معايير تحد من تقديم محتوى يشجع العنف أو الكراهية أو التنمر الإلكتروني أو الاستغلال.
هذا المسار التنظيمي يكتسب أهمية إضافية في ظل اتساع حضور المنصات داخل الحياة اليومية للأسر المصرية، حيث لم يعد الطفل متلقياً للمحتوى فقط، بل صار يتفاعل وينشر ويشاهد عبر تطبيقات متعددة، ما يجعل الضبط التقليدي أقل فاعلية إذا لم يواكبه وعي أسري وأدوات رقابة مناسبة.
لماذا تؤكد الدولة أن الأسرة شريك أساسي؟
الرسالة الأساسية في حديث خالد عبد العزيز تقوم على أن الدولة وحدها لا تستطيع بناء بيئة رقمية آمنة للأطفال من دون مشاركة الأسرة. فحتى مع وجود تشريعات وقواعد مهنية ورقابة على بعض أوجه المحتوى، يبقى الاستخدام اليومي للهاتف المحمول والألعاب الإلكترونية ومنصات الفيديو والتواصل داخل المنزل، وهو ما يمنح أولياء الأمور دوراً حاسماً في المتابعة والتوجيه.
المجلس القومي للطفولة والأمومة شدد بدوره على أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي تمثل أولوية وطنية، مؤكداً أن تنظيم استخدام الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية من قبل الأطفال يعد محوراً جوهرياً في السياسات الوطنية لحماية الطفل. وهذه المقاربة تعني عملياً أن السلامة الرقمية تبدأ من الوعي المبكر، وتحديد زمن الاستخدام، ومراجعة نوعية المحتوى، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية حين تكون متاحة.
مسؤوليات مطروحة على الأسرة والمجتمع
- متابعة نوعية المحتوى الذي يتعرض له الأطفال على المنصات المختلفة.
- تحديد أوقات استخدام مناسبة للهواتف والأجهزة الذكية.
- التوعية بالمخاطر مثل التنمر الإلكتروني والابتزاز والمحتوى غير الملائم للعمر.
- الإبلاغ عن المواد الضارة أو الحسابات المسيئة عبر الآليات الرسمية والمنصات نفسها.
- تعزيز الحوار داخل الأسرة حتى لا يصبح العالم الرقمي بديلاً عن التواصل المباشر.
هل تتجه مصر إلى إطار تشريعي أشمل؟
المؤشرات المتاحة تفيد بأن الملف يتطور باتجاه صياغة أدوات أكثر إلزاماً للمنصات الرقمية. فخلال مناقشات الحكومة في فبراير 2026، جرى الحديث عن إعداد إطار تنظيمي لتعزيز الأمان الافتراضي واتخاذ إجراءات استباقية لحماية الأطفال والنشء. كما أشار متحدثون رسميون في ذلك الوقت إلى العمل على مشروع قانون شامل يتعلق بحماية الطفل على الإنترنت، بالتوازي مع أفكار تنفيذية من بينها أدوات اتصال وخدمات رقمية أكثر أماناً للفئات العمرية الأصغر.
ويعني ذلك أن مصر لا تتعامل مع القضية باعتبارها مجرد حملات توعية، بل باعتبارها ملف سياسة عامة يضم التشريع والتنظيم والرقابة والشراكة مع شركات التكنولوجيا. كما أن حضور الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في هذه المناقشات يوضح أن الجانب التقني، مثل إعدادات الأمان والقيود العمرية والرقابة الأبوية، سيكون جزءاً من الحل وليس مجرد تفصيل ثانوي.
بين حرية الاستخدام وواجب الحماية
التحدي الأكبر في هذا الملف يتمثل في الوصول إلى توازن بين إتاحة الفرصة للأطفال للاستفادة من التعليم والترفيه الرقمي، وبين منع التعرض لمحتوى ضار أو سلوكيات تهدد السلامة النفسية والاجتماعية. ولهذا تبدو الصيغة التي طرحها خالد عبد العزيز أقرب إلى إطار مسؤولية جماعية: الدولة تضع القواعد، الأسرة تتابع وتوجّه، المجتمع يرفع الوعي، والمنصات تتحمل نصيبها من الحماية والتصنيف والاستجابة السريعة للشكاوى.
وبالنسبة للمشهد المصري، فإن أهمية هذه الرسالة تتجاوز التصريحات العامة، لأنها ترتبط بمناقشات جارية داخل الحكومة والبرلمان، وبسياسات وطنية تعتبر الطفل محوراً للحماية في الفضاءين الواقعي والرقمي معاً. ومع استمرار تسارع استخدام التطبيقات والمنصات بين صغار السن، يبدو أن ملف حماية الأطفال في البيئة الرقمية سيظل واحداً من أكثر الملفات حضوراً في أجندة الإعلام والتنظيم والتشريع خلال الفترة المقبلة.