خالد ميري يطرح مخرجًا قانونيًا لقيد الصحفيين الإلكترونيين
ما الذي اقترحه خالد ميري لحل أزمة قيد الصحفيين الإلكترونيين؟
عاد ملف قيد الصحفيين الإلكترونيين إلى دائرة النقاش المهني في مصر، بعد طرح الكاتب الصحفي خالد ميري تصورًا قانونيًا لمعالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا داخل الوسط الصحفي: كيف يمكن الاعتراف بالعاملين في المنصات والمواقع الرقمية داخل الإطار النقابي القائم، من دون هدم البنية القانونية الحالية أو خلق مسارات متوازية خارج نقابة الصحفيين.
جوهر الفكرة المطروحة يقوم على إضافة نص واضح في قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، ثم ربط هذا النص بأحكام المادة الخامسة من قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970، بما يسمح بإيجاد أساس قانوني مباشر لقيد الصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية المرخصة، بدل بقاء المسألة في منطقة رمادية بين الاعتراف المهني والقيود التشريعية.
لماذا بقي الملف معلقًا كل هذه السنوات؟
الأزمة ليست جديدة، بل ترتبط بتحول عميق في بنية صناعة الأخبار داخل مصر والمنطقة. قانون نقابة الصحفيين صدر عام 1970 في سياق كانت فيه المهنة مرتبطة أساسًا بالصحف الورقية ووكالات الأنباء، وهو ما يظهر في الصياغات التقليدية الخاصة بجهات العمل وشروط القيد. وفي المقابل، جاء قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 ليعترف صراحة بالمواقع الإلكترونية بوصفها جزءًا من المجال المنظم قانونًا، وتسري أحكامه على الصحف ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، كما نظم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إجراءات الترخيص الخاصة بها. لكن هذا الاعتراف التنظيمي لم يُترجم تلقائيًا إلى اعتراف نقابي شامل بالعاملين في تلك المواقع.
هذا التباين بين القانونين خلق فجوة عملية: هناك مواقع إلكترونية تعمل بشكل قانوني ومرخص، وبعضها حصل على موافقات رسمية من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي أعلن في 12 أغسطس 2025 الموافقة على 20 ترخيصًا جديدًا لمواقع وتطبيقات إلكترونية في إطار تقنين الأوضاع القانونية. لكن بقاء قانون النقابة بصياغته القديمة جعل قيد كثير من العاملين في الصحافة الرقمية مسألة شائكة تحتاج إلى سند تشريعي أكثر صراحة.
كيف يمكن فهم الربط بين قانون 180 والمادة الخامسة؟
المادة الخامسة من قانون نقابة الصحفيين تُعد من المواد المؤسسة لشروط القيد، وقد صيغت في زمن سابق على الثورة الرقمية. لذلك، فإن أي حل عملي لأزمة الصحفي الإلكتروني لا يقتصر على الاعتراف بالموقع ككيان مشروع، بل يجب أن يمد هذا الاعتراف إلى العامل الصحفي نفسه، بحيث يصبح عمله في منصة رقمية مرخصة معادلًا قانونيًا للعمل في مؤسسة صحفية معترف بها. هذا هو المعنى الأهم في طرح خالد ميري: تعديل نقطة الاتصال بين القانون المنظم للوسيلة والقانون المنظم للعضوية النقابية.
من الناحية القانونية، يملك هذا الطرح وجاهة واضحة، لأن قانون 180 لسنة 2018 لم يلغِ وجود الصحافة الرقمية، بل نظمها بالفعل، ونصت لائحته على إجراءات ترخيص المواقع الإلكترونية المصرية وغير المصرية التي تزاول نشاطًا داخل مصر. وبالتالي، فإن إضافة نص يربط بين الموقع الإلكتروني المرخص وشروط القيد النقابي قد يفتح الباب أمام تسوية طال انتظارها داخل الجماعة الصحفية.
هل سبق أن طُرحت حلول مشابهة؟
نعم، والجدل ليس وليد اللحظة. على امتداد السنوات الماضية ظهرت أكثر من مقاربة لضم العاملين في الصحافة الإلكترونية إلى المظلة النقابية. ففي 2019 تحدث ضياء رشوان عن مسارين محتملين: إما مسار دستوري/نقابي منفصل، أو انتظار تعديل قانون النقابة بما يسمح بإدخال الصحافة الإلكترونية ضمن عضويتها. كما طُرحت في سنوات سابقة تصورات تتعلق بوضع ضوابط على المواقع من حيث الهيكل التحريري والترخيص والاستمرارية.
وفي 2026 عاد الملف إلى الواجهة بقوة بعد الجدل الذي أثارته مناقشات داخل النقابة بشأن فتح الباب أمام صحفيي المواقع الإلكترونية، وما تبع ذلك من اعتراضات ومخاوف تتعلق بالمعايير المهنية والقدرة الاستيعابية للنقابة وطبيعة المؤسسات التي تستحق أن تكون بوابة للقيد. هذا يعني أن القضية لم تعد تخص فقط الاعتراف بالصحافة الرقمية، بل أيضًا شروط الجودة المهنية، وتعريف المؤسسة الصحفية المستقرة، وكيفية منع التوسع غير المنضبط.
ما الشروط التي قد تجعل الحل قابلًا للتنفيذ؟
أي تعديل تشريعي في هذا الملف لن يكون كافيًا بمفرده إذا لم تُصاحبه قواعد دقيقة للتطبيق. ومن المرجح أن يظل النقاش مرتبطًا بعدة معايير أساسية، منها:
- أن يكون الموقع مرخصًا رسميًا من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
- وجود هيكل تحريري واضح ومسؤولية تحريرية معلنة.
- انتظام علاقة العمل والأجر بما يثبت التفرغ المهني.
- إخضاع المتقدمين لمعايير القيد والتدريب نفسها المطبقة على الصحفيين في المؤسسات الأخرى.
- وضع ضوابط عددية ومهنية تمنع تحول القيد إلى باب خلفي لضم غير المشتغلين فعليًا بالمهنة.
هذه النقاط مهمة لأن توسع النشر الرقمي في مصر، كما في بقية القارة الأفريقية، خلق نماذج مؤسسية شديدة التباين: من غرف أخبار محترفة تعمل وفق قواعد تحرير واضحة، إلى منصات صغيرة أو تجارية أو هجينة يصعب التعامل معها بالنظرة نفسها. ومن هنا تبرز أهمية أن يكون الاعتراف بالصحفي الإلكتروني قائمًا على الترخيص والممارسة الفعلية، لا على مجرد الوجود على الإنترنت.
زاوية أفريقية: لماذا يتجاوز النقاش الحدود المصرية؟
رغم أن المقترح يدور داخل الإطار القانوني المصري، فإن أهميته تتجاوز الشأن المحلي إلى النقاش الأوسع في أفريقيا حول مستقبل التنظيم المهني للصحافة الرقمية. كثير من أسواق الإعلام في القارة تشهد انتقالًا سريعًا من الورقي إلى الرقمي، مع نمو المنصات الإخبارية المستقلة والمتخصصة، في وقت لا تزال فيه الأطر النقابية والقانونية في عدد من الدول مبنية على تعريفات تقليدية للصحافة.
بالنسبة للقارئ المصري المهتم بملف الإعلام في أفريقيا، فإن ما يجري في مصر يعكس سؤالًا قاريًا أكبر: كيف تحافظ النقابات على المعايير المهنية في عصر المنصات، من دون إقصاء جيل كامل من الصحفيين العاملين خارج الورق؟ الإجابة المصرية، إذا تبلورت في نص قانوني متوازن، قد تصبح نموذجًا مهمًا داخل المنطقة العربية والأفريقية، خصوصًا أن مصر تظل من أكبر الأسواق الإعلامية في القارة وأكثرها تأثيرًا في صياغة النقاشات المهنية.
ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا؟
حتى الآن، يظل مقترح خالد ميري في إطار التصور القانوني الذي يستهدف سد الفجوة بين التشريع النقابي والتشريع المنظم للإعلام الرقمي. نجاح الفكرة سيتوقف على مدى قدرتها على حشد توافق داخل الجماعة الصحفية، ثم ترجمتها إلى صياغة قانونية قابلة للإقرار، سواء عبر تعديل تشريعي أو عبر مسار نقابي مدعوم من الجهات المختصة.
المؤكد أن الأزمة لم تعد قابلة للتأجيل طويلًا. فالمواقع الإلكترونية باتت جزءًا ثابتًا من البنية الإعلامية المصرية، والقانون نفسه يعترف بها وينظمها، فيما تستمر النقابة في مواجهة سؤال العضوية والتمثيل المهني. وبين هذين المسارين، يبدو أن مقترح الربط بين قانون تنظيم الصحافة والإعلام وقانون النقابة يقدم مخرجًا قانونيًا مباشرًا قد يكون الأكثر واقعية، إذا اقترن بضمانات مهنية صارمة تحفظ قيمة القيد وتستوعب تحولات المهنة في مصر وأفريقيا معًا.