خبير: الزج باسم مصر في واقعة السفينة «تهامة» يضلل الرأي العام
تجدد الجدل حول ربط مصر بسفينة «تهامة»
عاد اسم مصر إلى واجهة النقاش الإعلامي بعد تداول روايات تربطها بالسفينة «تهامة» التي قيل إنها كانت ضمن أهداف هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، رغم صدور نفي رسمي مصري بشأن وجود صلة مباشرة. وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد العزبي، خبير العلاقات الدولية، إن تكرار الزج باسم مصر في مثل هذه الوقائع، بعد صدور بيانات نافية، يفتح الباب أمام تصورات غير دقيقة قد تؤثر في فهم الرأي العام لطبيعة الموقف المصري وتحركاته في ملف أمن الملاحة.
وتكتسب القضية حساسية خاصة داخل مصر، لأن أي خبر يتعلق بالملاحة في البحر الأحمر أو باب المندب ينعكس تلقائيا على قناة السويس، أحد أهم الشرايين الاقتصادية للدولة، وعلى صورة الاستقرار الإقليمي المرتبطة بحركة التجارة الدولية.
ماذا نعرف من المصادر الرسمية؟
القاعدة الأساسية في مثل هذه الملفات تبقى الرجوع إلى البيانات الرسمية والجهات السيادية المعنية بالنقل البحري والطاقة والسياسة الخارجية، خصوصا مع كثافة الشائعات والمعلومات المنقوصة التي تنتشر بسرعة عبر المنصات الرقمية. وخلال الأشهر الماضية، شددت مؤسسات الدولة المصرية أكثر من مرة على ضرورة عدم البناء على معلومات غير موثقة في قضايا السفن والموانئ والحمولات العابرة.
ففي 26 مارس 2026، أكدت وزارة الدولة للإعلام أن ما جرى تداوله عن رسو سفينة أجنبية في ميناء أبو قير في طريقها إلى ميناء إسرائيلي وهي تحمل شحنة صلب للاستخدام العسكري مزاعم كاذبة تماما، موضحة أن عمليات الشحن والتفريغ في الموانئ المصرية تخضع لنظام متابعة ورقابة دقيق. كما دعت وسائل الإعلام ومستخدمي المنصات الاجتماعية إلى التحقق من المعلومات قبل نشرها.
وفي 4 مارس 2026، نفت وزارة البترول والثروة المعدنية وجود أي صلة مصرية بناقلة غاز تعرضت لحادث قبالة الساحل الليبي، مؤكدة أنها لم تكن متجهة إلى ميناء مصري ولا ترتبط بعقود إمداد غاز تخص مصر. ويعكس هذا النمط من البيانات حرص الدولة على تصحيح أي روايات تربط مصر بحوادث بحرية من دون مستندات موثقة.
لماذا يهم هذا الملف المصريين؟
الحديث عن سفينة هنا أو ناقلة هناك لا يظل شأنا بحريا معزولا، لأن أمن البحر الأحمر يرتبط مباشرة بمصالح مصر الاقتصادية والاستراتيجية. فالتوترات التي شهدتها المنطقة منذ أواخر 2023 أثرت بوضوح على حركة الشحن الدولية، ودَفعت عددا من الخطوط الملاحية إلى تغيير مساراتها بعيدا عن البحر الأحمر وقناة السويس.
ووفقا لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، كانت قناة السويس قد حققت إيرادات بنحو 9.4 مليار دولار في السنة المالية 2022/2023، كما أن تراجع العبور بسبب اضطرابات البحر الأحمر كان حادا خلال مطلع 2024، مع انخفاضات كبيرة في أحجام التجارة والعبور عبر القناة مقارنة بفترات الذروة السابقة.
كما أوضح المؤتمر الأممي أن الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر أسهمت في تحويل مسارات مئات السفن حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والضغط على سلاسل الإمداد العالمية، مع انعكاسات على أسعار السلع والطاقة والتأمين البحري.
قناة السويس في قلب المعادلة
داخل مصر، يبقى ملف الملاحة مرتبطا مباشرة بأداء قناة السويس برئاسة الفريق أسامة ربيع. ووفقا لبيان رسمي صادر عن هيئة قناة السويس في 21 يناير 2026، سجلت القناة خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026 زيادة 5.8% في أعداد السفن العابرة، و16% في الحمولات الصافية، و18.5% في الإيرادات، مقارنة بالفترة نفسها من العام المالي السابق. وأرجعت الهيئة ذلك إلى تحسن المؤشرات الملاحية وبدء عودة بعض الخطوط إلى العبور عبر القناة.
وفي البيان نفسه، أكدت الهيئة أن عددا من الخطوط الكبرى بدأ يدرس العبور التجريبي بعد تحسن الأوضاع في منطقة البحر الأحمر، مع التشديد على أنه لا يوجد بديل مستدام لقناة السويس في ظل الكلفة الأعلى للالتفاف حول أفريقيا. كما تحدثت الهيئة عن حوافز وتخفيضات، بينها خفض بنسبة 15% لسفن الحاويات ذات الحمولة الكبيرة، في إطار تشجيع العودة التدريجية للمرور بالقناة.
بين الشائعة والحقيقة
من هنا، تبدو ملاحظة الدكتور محمد العزبي مفهومة في سياق أوسع: فالإصرار على إلصاق اسم مصر بسفينة معينة بعد النفي الرسمي لا يخلق فقط لبسا إعلاميا، بل قد يرسخ انطباعات خاطئة لدى المتابع غير المتخصص بأن القاهرة طرف مباشر في وقائع لم يثبت ارتباطها بها. وفي ملفات شديدة الحساسية مثل البحر الأحمر، قد تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى أداة للتأثير السياسي أو التشويش الإعلامي.
ولا يعني ذلك التقليل من خطورة الوضع الإقليمي نفسه؛ فمصر كانت ولا تزال معنية بشدة بتأمين الممرات البحرية وحماية حرية الملاحة، سواء لأسباب اقتصادية أو لأبعاد تتعلق بالأمن القومي. لكن الفارق كبير بين المتابعة المصرية النشطة للتطورات في محيطها البحري، وبين الزعم بوجود صلة مصرية محددة بأي سفينة يجري تداول اسمها من دون وثائق دامغة.
كيف يجب قراءة الأخبار المتداولة عن السفن؟
في التعامل مع هذا النوع من القصص، هناك عدة نقاط أساسية تهم القارئ المصري:
- أولا: التحقق من الجهة الرسمية التي أصدرت المعلومة، سواء كانت وزارة الخارجية أو هيئة قناة السويس أو وزارة البترول أو الجهات المختصة بالموانئ.
- ثانيا: التمييز بين السفينة ومالكها ووجهتها وعقد شحنتها، لأن الخلط بين هذه العناصر يؤدي إلى استنتاجات خاطئة.
- ثالثا: الانتباه إلى أن كثيراً من الروايات الأولية في الحوادث البحرية تتغير بعد التحقيقات الفنية وتتبع خط السير والتأمين والحمولة.
- رابعا: فهم أن أي ربط غير موثق بمصر قد ينعكس على صورتها التجارية وعلى مناخ الثقة المرتبط بالموانئ والقناة.
الخلاصة
الرسالة الأهم في قضية «تهامة» ليست فقط ما إذا كانت السفينة مرتبطة بمصر أم لا، بل كيف يمكن أن يتحول التكرار الإعلامي لمعلومة غير مؤكدة إلى رواية موازية للحقيقة. وفي ظل حساسية البحر الأحمر بالنسبة للاقتصاد المصري، يصبح التدقيق شرطا مهنيا ووطنيا في آن واحد.
وبينما تواصل مصر الدفع نحو استقرار الملاحة في البحر الأحمر واستعادة الزخم الكامل لقناة السويس، تظل مواجهة الأخبار غير الدقيقة جزءا من حماية المصالح المصرية، تماما مثل حماية الممرات البحرية نفسها. لهذا، فإن أي تناول مسؤول لملف السفن المستهدفة أو الشحنات العابرة يجب أن يبدأ من الوثيقة الرسمية، لا من الانطباع المتداول.