Akhbar Cairo

خريطة المشروعات المصرية في دول حوض النيل.. دعم تنموي ممتد

المشروعات المصرية في دول حوض النيل.. حضور تنموي يتجاوز الدبلوماسية

سلّط اللواء حاتم باشات، رئيس لجنة الشؤون الإفريقية الأسبق بمجلس النواب وعضو البرلمان الإفريقي سابقًا، الضوء على ملف يحظى بحساسية خاصة لدى المصريين، وهو خريطة المشروعات المصرية في دول حوض النيل، باعتباره أحد المسارات العملية التي تعتمد عليها القاهرة في ترسيخ علاقاتها الإفريقية. ويأتي هذا الطرح في وقت تؤكد فيه مؤسسات الدولة أن سياسة مصر تجاه القارة لا تقتصر على المواقف السياسية، بل تمتد إلى تنفيذ مشروعات تنموية ومائية وخدمية على الأرض داخل عدد من الدول الشقيقة.

أهمية هذا الملف بالنسبة للقارئ المصري لا تتعلق فقط ببعده الخارجي، وإنما أيضًا بصلته المباشرة بأمن مصر المائي، وبفكرة بناء الثقة مع دول المنابع والشركاء الإقليميين عبر التنمية والتعاون الفني ونقل الخبرات. وخلال السنوات الماضية، حرصت القاهرة على تقديم نموذج يقول بوضوح إن دعم التنمية في إفريقيا ليس شعارًا، بل برنامج عمل ممتد تشارك فيه مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الموارد المائية والري ووزارة الخارجية.

ما الذي تنفذه مصر فعليًا في دول حوض النيل؟

وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد المائية والري، نفذت مصر مجموعة واسعة من المشروعات الثنائية في دول حوض النيل، شملت حفر وتجهيز آبار مياه جوفية، وإنشاء محطات تعمل بالطاقة الشمسية لتوفير مياه الشرب، إلى جانب سدود حصاد مياه الأمطار، ومشروعات للحماية من أخطار الفيضانات، وتأهيل المجاري المائية لتحسين الملاحة النهرية وتيسير حركة التجارة، فضلًا عن إنشاء مراسٍ نهرية وخزانات أرضية ومراكز للتنبؤ بالأمطار ومعامل لتحليل نوعية المياه.

وتظهر الأرقام الرسمية اتساع هذا الحضور؛ إذ استعرضت الوزارة أن مصر ساهمت في إنشاء 28 محطة في جنوب السودان، و180 بئرًا جوفيًا في كينيا، و12 محطة في الكونغو الديمقراطية، و10 آبار في السودان، و75 بئرًا في أوغندا، و60 بئرًا في تنزانيا. كما تم إنشاء مرسيين نهريين و4 خزانات أرضية في جنوب السودان، و28 خزانًا أرضيًا و5 سدود في أوغندا، إضافة إلى مراكز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان.

جنوب السودان وأوغندا وكينيا في صدارة خريطة التعاون

تكشف خريطة التنفيذ أن بعض الدول تحظى بنصيب أكبر من المشروعات المصرية بحكم الاحتياجات المائية والتنموية الملحة. ففي جنوب السودان، يتركز التعاون في مشروعات مياه الشرب الجوفية، والمراسي النهرية، والخزانات الأرضية، فضلًا عن أعمال تتصل بمتابعة المناسيب والتصرفات المائية. وفي أوغندا، يشمل التعاون آبارًا وخزانات وسدودًا صغيرة، إلى جانب مشروعات إزالة الحشائش المائية والحد من آثار الفيضانات.

أما كينيا، فتبرز فيها مشروعات الآبار الجوفية بوصفها أحد أبرز أوجه الدعم المصري، بينما يمتد التعاون في تنزانيا والكونغو الديمقراطية والسودان إلى محطات وآبار ودعم فني وهيدرولوجي. وتوضح وزارة الري أيضًا أن هناك مشروعات جديدة أو قيد الإعداد في بعض الدول، تشمل سدود حصاد أمطار وآبارًا للمياه الجوفية ونقل الخبرة المصرية في نظم الري الحديث.

بناء القدرات.. ذراع مصر الهادئة في إفريقيا

بعيدًا عن البنية التحتية، تعطي القاهرة وزنًا واضحًا لملف تدريب الكوادر الإفريقية. فبحسب ما أعلنته وزارة الموارد المائية والري، وفرت مصر دورات تدريبية لنحو 1650 متدربًا من 52 دولة إفريقية في مجالات متعددة، منها إدارة الموارد المائية، والري الحديث، والمياه الجوفية، وأمان السدود، وتقييم الآثار البيئية، وإدارة الأحواض المشتركة.

هذه المقاربة تعكس فلسفة مختلفة في الحضور المصري داخل القارة: ليس فقط تنفيذ منشآت، بل أيضًا تأسيس شراكات معرفية ومؤسسية طويلة المدى. وبالنسبة لمصر، فإن الاستثمار في التدريب ونقل الخبرة يرسخ صورة الدولة كشريك تنموي يعتمد على الخبرة الفنية المتراكمة، لا سيما في ملف المياه الذي يشكل أحد أعقد ملفات الإقليم.

رسالة سياسية وتنموية في توقيت حساس

حديث حاتم باشات يأتي في سياق سياسي لا يمكن فصله عن نقاشات النيل وسد النهضة والعلاقات المصرية الإفريقية عمومًا. وبحسب تصريحات حديثة له، فإن مصر تدعم حق الشعوب الإفريقية في التنمية، وتستند في ذلك إلى نماذج قائمة بالفعل على الأرض، من بينها المشروعات التي تنفذها في دول الحوض، فضلًا عن الاستشهاد بتجربة سد جوليوس نيريري في تنزانيا الذي شاركت فيه شركات مصرية.

اللافت هنا أن الدولة المصرية تحاول تقديم معادلة متوازنة: دعم التنمية للدول الإفريقية من جهة، والتمسك بالحقوق المائية المصرية من جهة أخرى. وهذا ما يجعل ملف المشروعات التنموية في دول حوض النيل أكثر من مجرد تعاون فني؛ إذ يتحول إلى أداة لبناء الثقة، وتأكيد أن القاهرة لا تعارض مشروعات التنمية في دول الجوار، بل تشارك فيها بخبرتها وإمكاناتها.

آلية تمويل إقليمية جديدة

ومن بين التطورات الأحدث في هذا المسار، أعلنت وزارة الموارد المائية والري مؤخرًا إطلاق آلية تمويلية إقليمية بقيمة 100 مليون دولار لدعم مشروعات التنمية في دول حوض النيل الجنوبي. ويشير هذا التطور إلى انتقال التعاون من نمط المشروعات المتفرقة إلى نمط أكثر تنظيمًا واتساعًا، بما يسمح بتمويل برامج جديدة في مجالات المياه والتنمية المحلية والبنية الأساسية.

كما ناقشت الوزارة خلال عام 2026 سبل تعزيز التنسيق مع وزارة الخارجية والتعاون الدولي بشأن العلاقات مع دول الحوض، بما يعكس أن هذا الملف يُدار باعتباره جزءًا من رؤية أشمل للسياسة المصرية في إفريقيا، وليس مجرد نشاط قطاعي منفصل.

لماذا يهم هذا الملف المصريين؟

بالنسبة للجمهور في مصر، فإن متابعة المشروعات المصرية في دول حوض النيل مهمة لعدة أسباب:

  • أولًا: لأنها تعكس كيف تستخدم القاهرة أدوات التنمية لتعزيز أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
  • ثانيًا: لأنها تبرز الحضور المصري العملي داخل القارة بعيدًا عن الخطاب النظري.
  • ثالثًا: لأنها تقدم صورة أوضح عن طبيعة العلاقة بين ملف المياه وملف التعاون الإفريقي.
  • رابعًا: لأنها تؤكد أن مصر تراهن على المصالح المشتركة وبناء الثقة، وليس فقط على التفاوض السياسي.

ومن هذه الزاوية، تبدو تصريحات حاتم باشات امتدادًا لنقاش مصري أوسع حول كيفية إدارة العلاقات مع دول حوض النيل: هل يكون ذلك فقط عبر القنوات الرسمية والسياسية، أم عبر التنمية والمشروعات والخبرة الفنية أيضًا؟ الوقائع على الأرض تشير إلى أن الدولة اختارت الجمع بين المسارين.

خلاصة المشهد

خريطة المشروعات المصرية في دول حوض النيل لم تعد عنوانًا عامًا، بل باتت تضم أرقامًا ومواقع ومشروعات قابلة للقياس: آبار ومحطات مياه وسدود حصاد أمطار وخزانات ومراكز تنبؤ بالأمطار وبرامج تدريب وبناء قدرات. ومع استمرار القاهرة في هذا النهج، يتعزز حضورها داخل القارة بوصفها شريكًا تنمويًا له خبرة ومصلحة ورؤية.

وفي لحظة إقليمية معقدة، يبقى هذا النوع من الحضور أحد أهم أدوات القوة المصرية الناعمة في إفريقيا، لأنه يخاطب الاحتياجات اليومية للمواطنين في الدول الشقيقة، وفي الوقت نفسه يخدم رؤية مصر لأمنها المائي وموقعها الإقليمي. ولهذا تحديدًا، فإن ملف المشروعات المصرية بدول حوض النيل سيظل حاضرًا بقوة في النقاش العام داخل مصر خلال الفترة المقبلة.