Akhbar Cairo

خريطة نتنياهو للتحالفات تضع مصر في قلب التوازنات

قراءة مصرية في خريطة نتنياهو الجديدة لتحالفات الشرق الأوسط

أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طرح تصور سياسي وأمني للمنطقة يقوم على وجود ثلاثة محاور متنافسة في الشرق الأوسط، في خطاب يتقاطع مع حملته السياسية الداخلية ومع سعيه الدائم لتقديم إسرائيل باعتبارها مركزًا لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. ورغم الضجيج الذي أثاره هذا الطرح، فإن السؤال الأهم من زاوية مصرية ليس كيف يرسم نتنياهو المنطقة على الورق، بل أين تقف القاهرة فعليًا وسط هذه الخرائط المتحركة، وما الذي يعنيه ذلك للأمن القومي المصري.

مصادر إسرائيلية وتقارير تحليلية رصدت خلال 2026 أن نتنياهو يكرر الحديث عن محور تقوده إيران، ومحور سني يرتبط في خطابه بنفوذ تركيا وجماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب مسعى لبناء شبكة تحالفات أوسع تقودها إسرائيل مع قوى إقليمية ودولية. وفي إحاطة أمنية للصحفيين الإسرائيليين يوم 18 أكتوبر 2026 تحدث نتنياهو مجددًا عن التهديد الإيراني والمحور المرتبط بتركيا، مع التشديد على توسيع تحالفات إسرائيل الإقليمية والدولية.

ما الذي قاله نتنياهو عن المحاور الثلاثة؟

الطرح المتداول في النقاشات الإسرائيلية خلال الشهور الماضية يقوم على تقسيم الإقليم إلى ثلاث كتل رئيسية: محور تقوده إيران، ومحور آخر يصفه نتنياهو بأنه سني ويضع تركيا في مركزه السياسي، ثم شبكة تحالفات تسعى إسرائيل إلى بنائها مع دول متوسطية وآسيوية وعربية. صحيفة وتحليلات مصرية رصدت أن هذا التصور جرى الترويج له أكثر من مرة، مع حديث عن صيغ تضم إسرائيل والهند واليونان وقبرص وأطرافًا أخرى، في إطار منافسة على الممرات البحرية وموازين النفوذ في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

لكن هذا التصور، حتى داخل النقاشات البحثية، لا يعكس وجود تحالفات رسمية مكتملة بقدر ما يعكس رؤية إسرائيلية ترغب في هندسة الإقليم على نحو يخدم أولويات تل أبيب الأمنية والاقتصادية. ولهذا تتعامل القاهرة مع مثل هذه الطروحات بوصفها جزءًا من خطاب سياسي إسرائيلي أوسع، لا باعتبارها حقائق نهائية أو خرائط معتمدة.

أين تقع مصر في هذه الخريطة؟

الإجابة الأقرب للواقع هي أن مصر لا تتحرك داخل أي محور إسرائيلي الصياغة، ولا تُعرّف دورها انطلاقًا من خرائط نتنياهو. فالقاهرة تتمسك منذ سنوات بخط واضح يقوم على حماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على استقرار الجوار، ومنع توسيع الصراعات، مع التأكيد أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية في المنطقة. هذا الموقف أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي (@alsisiofficial على إنستغرام) خلال استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 16 سبتمبر 2026، حين شدد على أن تسوية القضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية وإقامة دولة مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هي السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار.

كما جددت مصر، عبر رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية، رفضها القاطع لضم الأراضي الفلسطينية أو تهجير الفلسطينيين، وربطت أي سلام دائم في المنطقة بمسار سياسي حقيقي ينهي الاحتلال ويؤسس لحل الدولتين. وفي الأسابيع الأخيرة أكدت القاهرة ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وضمان دخول المساعدات، وبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع رفض استخدام المعاناة الإنسانية كورقة ضغط سياسية.

لماذا تبدو مصر خارج منطق الاستقطاب الحاد؟

السبب الأول أن السياسة المصرية تنطلق من مفهوم الدولة الوطنية لا من منطق الأحلاف الدعائية. والسبب الثاني أن مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها العربي والأفريقي، تتعامل مع ملفات غزة والبحر الأحمر وشرق المتوسط والسودان وليبيا باعتبارها دوائر أمن مباشر لا ساحات مزايدة. ولهذا تفضّل القاهرة العمل عبر الوساطة والدبلوماسية وتثبيت التهدئة، بدل الانخراط في خرائط صدامية تعيد إنتاج الفوضى.

البيانات المصرية الرسمية خلال 2026 عكست هذا النهج بوضوح. فقد دعت القاهرة إلى احتواء النزاعات بالحوار والدبلوماسية الوقائية، وشددت على أن استمرار الاستقرار الإقليمي يمر عبر معالجة جذور الأزمات، وفي مقدمتها الحرب في غزة. كما أكدت، في بيان مشترك مع قطر وتركيا بتاريخ 3 أغسطس 2026، ضرورة الضغط على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها ضمن اتفاق وقف إطلاق النار وخارطة الطريق التالية له.

هل يوجد “سباق مع مصر” فعلًا؟

الحديث عن “سباق مع مصر” يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق. نعم، هناك تنافس إقليمي على النفوذ في ممرات التجارة والطاقة والنقل، خصوصًا في البحر الأحمر وشرق المتوسط. كما أن بعض الكتابات المصرية والإقليمية قرأت في التصورات الإسرائيلية رغبة في الالتفاف على الثقل المصري، سواء عبر شبكات شراكة بحرية أو عبر دعم ترتيبات إقليمية تقلل من مركزية بعض المسارات التقليدية. لكن تحويل ذلك إلى “سباق” مباشر ومعلن بين القاهرة وتل أبيب يبقى تبسيطًا زائدًا لمشهد أعقد بكثير.

في الواقع، تمتلك مصر أدوات قوة مستقلة تجعل موقعها مختلفًا: قناة السويس، وثقلها الدبلوماسي في الملف الفلسطيني، وحدودها المباشرة مع غزة، ودورها داخل الاتحاد الأفريقي والعالم العربي. كما أن استضافة مصر فعاليات أفريقية رفيعة المستوى في العلمين خلال أكتوبر 2026 عكست حرص القاهرة على توسيع دوائر حركتها الإقليمية بعيدًا عن الاستقطابات الضيقة.

ماذا عن السودان والاتهامات المتداولة بشأن قوى مسلحة هناك؟

الجزء المتعلق بإقحام أطراف سودانية في “محور إسرائيلي” يحتاج إلى حذر شديد، لأن كثيرًا من الصياغات المتداولة في هذا الملف تأتي في إطار تحليلات سياسية أو اتهامات متبادلة، لا في صورة وقائع رسمية مثبتة يمكن الجزم بها. وبما أن المطلوب صحفيًا هو الالتزام بما يمكن التحقق منه، فلا توجد في المصادر الرسمية التي أمكن التثبت منها تفاصيل موثقة تكفي لتأكيد هذا الادعاء بصيغته المتداولة. لذلك يبقى الأصح الاكتفاء بالإشارة إلى أن الساحة السودانية أصبحت جزءًا من تنافس إقليمي أوسع، من دون تبني مزاعم غير موثقة.

كيف تنظر القاهرة إلى المرحلة المقبلة؟

من منظور مصري، لا تكمن الخطورة فقط في خرائط نتنياهو، بل في فكرة إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، وفي محاولة فرض وقائع جديدة قبل الوصول إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية. ولهذا تكرر القاهرة أن أي ترتيبات أمنية أو سياسية لن تكون مستقرة ما لم تعالج أصل الأزمة، أي إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، ورفض التهجير، وتثبيت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وبينما يواصل نتنياهو الترويج لرؤيته عن المحاور الثلاثة، تبدو مصر أقرب إلى معادلة التوازن المسؤول: لا انخراط في أحلاف دعائية، ولا تنازل عن الثوابت، ولا قبول بمخططات تعيد رسم الجغرافيا السياسية على حساب الأمن العربي. لهذا، فإن موقع مصر الحقيقي في أي خريطة إقليمية لا تحدده منشورات نتنياهو أو سرديات حملاته، بل تحدده مصالحها الوطنية وقدرتها على الجمع بين الردع والدبلوماسية والحضور السياسي في لحظة شرق أوسطية شديدة الاضطراب.

  • ثابت أول: مصر ترفض تهجير الفلسطينيين أو ضم أراضيهم.
  • ثابت ثانٍ: حل الدولتين على حدود 4 يونيو 1967 هو أساس السلام.
  • ثابت ثالث: الأمن القومي المصري في غزة والبحر الأحمر والحدود الجنوبية أولوية لا تخضع لخرائط الآخرين.
  • ثابت رابع: القاهرة تفضل التهدئة والوساطة على منطق المحاور المتصارعة.

خلاصة المشهد أن خريطة نتنياهو، مهما بدت لافتة بصريًا أو مثيرة سياسيًا، لا تغيّر حقيقة أن مصر تظل مركز توازن إقليمي مستقل، وأن وزنها في ملفات الحرب والسلام لا يُقاس بمكانها داخل سردية إسرائيلية، بل بقدرتها على التأثير الفعلي في الوقائع على الأرض.