خطة إسرائيلية لضرب إيران: ما وراء التسريبات وحدود التصعيد
تسريب عسكري أم رسالة سياسية؟
أعادت تقارير إسرائيلية الحديث عن جاهزية المؤسسة العسكرية لتنفيذ خطة تستهدف بنى تحتية داخل إيران، في وقت تبدو فيه القيادة السياسية في تل أبيب أكثر حذرًا في ما يتعلق بالانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وطهران. وفي القراءة التحليلية، لا تبدو هذه التسريبات مجرد معلومة عملياتية بقدر ما تعكس محاولة لصياغة توازن دقيق بين الردع من جهة، وتفادي الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة من جهة أخرى.
المعطيات المتاحة من تقارير إسرائيلية متقاطعة خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يؤكد استعداده لسيناريوهات متعددة، وأنه لا يتوقع في هذه المرحلة انخراط إسرائيل تلقائيًا في الجولة الجديدة من التوتر بين واشنطن وطهران. كما تحدثت تقارير أخرى عن وجود خطط جاهزة لضرب مواقع أو بنى استراتيجية إيرانية إذا تعثرت التفاهمات أو تبدلت الحسابات السياسية والعسكرية. وفي 9 يوليو 2026، نقلت تقارير إسرائيلية أن التقدير السائد داخل المؤسسة الأمنية هو أن إيران لا تسعى حاليًا إلى جرّ إسرائيل مباشرة إلى الاشتباك القائم، مع بقاء الجيش في حالة استعداد لأي تطور مفاجئ.
لماذا يفضل نتنياهو البقاء على مسافة؟
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معروف بخطابه المتشدد تجاه إيران، وقد كرر مؤخرًا أن بلاده لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي «باتفاق أو من دون اتفاق» وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية في 9 يوليو 2026. لكن بين الخطاب والقرار العسكري مسافة كبيرة. فنتنياهو يدرك أن البقاء خارج صدارة الاشتباك الأمريكي الإيراني يمنحه عدة مزايا: أولها تجنب تحميل إسرائيل الكلفة السياسية الكاملة لأي تصعيد تقوده واشنطن، وثانيها الحفاظ على حرية الحركة إذا تعرضت إسرائيل لاحقًا لهجوم مباشر، وثالثها تركيز الضغط الدولي على إيران بدل تحويل الأزمة إلى حرب إسرائيلية إيرانية صريحة.
هذا السلوك لا يعني تراجعًا في الرغبة الإسرائيلية بالضغط على إيران، بل يعكس إدارة أكثر براغماتية للمخاطر. فالتقارير الإسرائيلية نفسها تتحدث عن مراجعة أسبوعية للخطط الهجومية والدفاعية من جانب رئيس الأركان إيال زامير، وعن توسيع «بنك الأهداف» بصورة مستمرة. أي أن الرسالة الأساسية هنا ليست أن إسرائيل تراجعت، بل أنها تريد أن تبقى جاهزة من دون أن تتحول إلى الطرف الذي يدفع المنطقة فورًا إلى الانفجار الشامل.
ما المقصود بـ«البنى التحتية الإيرانية»؟
سياسيًا وعسكريًا، هذا التعبير واسع للغاية. فهو قد يشمل منشآت مرتبطة بالطاقة، أو مراكز لوجستية، أو شبكات نقل، أو مرافق يُعتقد أنها تخدم قدرات عسكرية أو صناعية ذات صلة بالردع الإيراني. بعض التقارير الغربية والإسرائيلية في الأشهر الماضية تحدثت عن نقاشات حول استهداف قطاعات الطاقة أو المرافق الاستراتيجية إذا فشلت المسارات التفاوضية أو توسعت الحرب. غير أن غياب إعلان رسمي مفصل يعني أن الحديث ما زال في نطاق التسريبات المحسوبة، وهو ما يستدعي الحذر في التعامل معه، خصوصًا أن هذا النوع من الرسائل يُستخدم أحيانًا للتأثير في حسابات الخصم أكثر من كونه إعلانًا عن قرار نهائي بالتنفيذ.
واشنطن في الصورة: شريك أم قيد؟
العامل الأمريكي يبقى حاسمًا في فهم الموقف الإسرائيلي. فكلما ارتفع مستوى الانخراط الأمريكي المباشر مع إيران، ازدادت حاجة تل أبيب إلى التنسيق الوثيق مع واشنطن، لا سيما في ملفات الدفاع الجوي والإنذار المبكر والغطاء السياسي الدولي. وفي المقابل، قد يصبح هذا الانخراط نفسه قيدًا على الاندفاعة الإسرائيلية إذا كانت الإدارة الأمريكية تفضل ضبط سقف الصراع أو حصره في أهداف محددة.
خلال الأيام الماضية، أفادت وكالة أسوشيتد برس بوقوع جولات جديدة من الضربات الأمريكية على إيران، على خلفية هجمات منسوبة لطهران في محيط مضيق هرمز، وسط حديث عن هشاشة التهدئة واحتمال انهيارها. في مثل هذا السياق، يصبح مفهوماً لماذا قد يفضل نتنياهو عدم الظهور باعتباره من يقود المعركة، حتى لو كانت إسرائيل عسكريًا مستعدة لخطوات أشد إذا تبدلت الظروف.
قراءة مصرية: لماذا يهم هذا التطور القاهرة؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا يتعلق هذا النوع من التسريبات بإسرائيل وإيران فقط، بل بما قد يترتب عليه من ضغوط أوسع على الاقتصاد الإقليمي، وحركة التجارة، وأسعار الطاقة، وكلفة التأمين والشحن في الممرات البحرية الحساسة. وكل تصعيد يقترب من الخليج أو من خطوط الملاحة الرئيسية ينعكس تلقائيًا على أسواق المنطقة، حتى إذا لم تكن مصر طرفًا مباشرًا في الأزمة.
وفي هذا الإطار، أكدت القاهرة خلال الأيام الأخيرة رفضها لتوسيع دائرة التصعيد الإقليمي. كما أشارت تغطيات مصرية إلى أن الحكومة تتابع أثر التوترات على الاقتصاد، مع تأكيد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن تداعيات الصراع الإقليمي على الاقتصاد المصري ما زالت «محدودة» بفضل إجراءات احترازية اتخذتها الدولة، وفق ما نشرته Ahram Online في الأسبوع الأول من يوليو 2026. كذلك دانت مصر في 9 يوليو 2026 أي خطوات من شأنها تهديد مسار خفض التصعيد في المنطقة، معتبرة أن التطورات الأخيرة تمثل تصعيدًا خطيرًا.
بين الردع والاختبار
جوهر اللحظة الحالية أن إسرائيل تريد الحفاظ على عنصر الردع من دون أن تتحمل وحدها ثمن الحرب. والتسريبات عن خطط مكتملة لضرب بنى تحتية إيرانية تؤدي هذا الغرض بوضوح: فهي تضغط على طهران، وتذكر واشنطن بأن لدى تل أبيب خيارات مستقلة، وتخاطب الداخل الإسرائيلي بأن المؤسسة العسكرية جاهزة. لكن ذلك كله لا يساوي بالضرورة قرارًا وشيكًا بالهجوم.
في المقابل، تدرك إيران أن أي هجوم واسع على إسرائيل قد يمنح تل أبيب الذريعة التي تبحث عنها للانتقال من سياسة «التهديد المنضبط» إلى الضرب المباشر. لذلك يبدو المشهد الحالي أقرب إلى اختبار إرادات متبادل، تُستخدم فيه الخطط العسكرية والتسريبات الإعلامية والرسائل الدبلوماسية كأدوات ضغط متزامنة.
ما الذي يمكن مراقبته خلال الأيام المقبلة؟
- مستوى التنسيق الأمريكي الإسرائيلي: أي تصريحات مشتركة أو زيارات أمنية رفيعة قد تكشف اتجاه المرحلة المقبلة.
- خطاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: خصوصًا ما يصدر عن رئيس الأركان إيال زامير ووزارة الدفاع بشأن الجاهزية والتهديدات.
- سلوك إيران الإقليمي: هل ستفضل الاحتواء، أم ستلجأ إلى ردود غير مباشرة عبر ساحات متعددة؟
- أثر التوتر على الملاحة والطاقة: وهو الجانب الأكثر حساسية بالنسبة لاقتصادات المنطقة، ومنها مصر.
الخلاصة
التسريب عن انتهاء الجيش الإسرائيلي من إعداد خطة لضرب بنى تحتية إيرانية مهم، لكنه ليس الخبر الكامل. الخبر الأهم أن إسرائيل، بقيادة نتنياهو، تحاول إدارة معادلة شديدة التعقيد: إبقاء التهديد قائمًا، والاستعداد لكل الاحتمالات، مع تجنب التورط المباشر في مواجهة تقودها واشنطن ضد طهران ما دام بالإمكان تحقيق الردع من دون حرب شاملة. بالنسبة للمنطقة، وخصوصًا في مصر، تبقى العبرة في النتائج العملية: هل ستظل هذه الرسائل في إطار الضغط المتبادل، أم تتحول إلى فعل عسكري يفتح بابًا جديدًا لعدم الاستقرار؟