خطة غزة باقية رغم التعثر.. ومصر تتابع مسار التنفيذ
خطة غزة بين الاستمرار والتعثر
لا تزال الخطة الدولية الخاصة بقطاع غزة قائمة من الناحية السياسية، رغم أن تنفيذها يواجه عقبات كبيرة على الأرض، في مقدمتها الخلاف حول ترتيب الخطوات بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حركة حماس. وتأتي هذه التطورات في ملف شديد الحساسية بالنسبة إلى مصر، بحكم حدودها المباشرة مع القطاع ودورها المستمر في جهود التهدئة، وإدخال المساعدات، والدفع نحو مسار يوقف التدهور الإنساني ويفتح الباب أمام إعادة الإعمار.
وخلال الأيام الماضية، برز مجددًا اسم نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لغزة في إطار ما يُعرف بـمجلس السلام، بوصفه أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمتابعة هذه الخطة. وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالملف تشير إلى أن المجلس قدّم تقريره الأول إلى مجلس الأمن في 15 مايو 2026، في إطار متابعة تنفيذ القرار 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025، والمتصل بالخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة.
ما الذي يعطل التنفيذ؟
جوهر الأزمة الحالية يتمثل في أن إسرائيل تربط أي انسحاب من مواقعها داخل غزة بإتمام نزع سلاح حماس بصورة كاملة، بينما ترفض الحركة المضي في هذا المسار قبل الحصول على ضمانات واضحة بشأن وقف الهجمات الإسرائيلية وتنفيذ الانسحاب. هذا التباين لم يعد مجرد خلاف تفاوضي، بل بات العقدة الأساسية التي تبطئ الانتقال من الهدنة الهشة إلى ترتيبات أكثر استقرارًا.
وفي أحدث المواقف المعلنة، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من خطوطها الحالية داخل غزة قبل أن يتم نزع سلاح حماس بالكامل. ويعكس هذا الموقف تشددًا واضحًا في ترتيب الأولويات الأمنية من الجانب الإسرائيلي، حتى مع استمرار الحديث عن بقاء الخطة نفسها وعدم انهيارها رسميًا.
الخطة لم تسقط من الطاولة
ورغم التعثر، فإن المعطيات المتاحة من الأمم المتحدة ومن تقارير دولية مرتبطة بالملف تفيد بأن الخطة لا تزال تمثل الإطار المرجعي القائم للمفاوضات. ففي إحاطاته أمام مجلس الأمن، جرى التعامل مع وقف إطلاق النار، رغم عيوبه، باعتباره الأساس الذي يمكن البناء عليه من أجل التعافي وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم والرقابة الأمنية داخل القطاع.
كما تُظهر وثائق الأمم المتحدة أن مجلس السلام يعمل ضمن هيكل متابعة دولي أوسع، ويضم مسارًا للتنسيق السياسي والإنساني والأمني، مع الإشارة إلى أدوار ضامنة لدول من بينها مصر وقطر وتركيا في دعم تثبيت التهدئة وتقدم المفاوضات.
الدور المصري في خلفية المشهد
بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يمكن النظر إلى أي خطة تخص غزة بمعزل عن القاهرة. فمصر كانت قد دفعت مبكرًا بخطة عربية لإعادة التعافي وإعادة الإعمار في القطاع، ونالت هذه الخطة تأييد القمة العربية غير العادية التي استضافتها القاهرة في 4 مارس 2025. البيان الصادر عن الرئاسة المصرية آنذاك أكد دعم الخطة المصرية بالتنسيق مع دولة فلسطين والدول العربية، وبالاستناد إلى دراسات للبنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
هذا المسار يوضح أن القاهرة لا تنظر إلى الملف فقط من زاوية الوساطة الأمنية، بل أيضًا من زاوية اليوم التالي: من يدير القطاع؟ كيف تُستعاد الخدمات الأساسية؟ وكيف تُنفذ إعادة الإعمار من دون تكريس واقع دائم من الفوضى أو التهجير أو التقسيم؟ وهي أسئلة ما تزال مطروحة بقوة مع كل تعثر جديد في المفاوضات.
لماذا يهم ذلك مصر مباشرة؟
- أمن الحدود: أي انفلات طويل الأمد في غزة ينعكس مباشرة على البيئة الأمنية المحيطة بمعبر رفح والمجال الحدودي المصري.
- الملف الإنساني: استمرار القتال أو تعطّل الهدنة يضغط على مسارات الإغاثة ويزيد الحاجة إلى تدخلات عاجلة عبر القنوات المصرية.
- إعادة الإعمار: الخطة العربية التي دعمتها القاهرة تظل أحد أهم الأطر المطروحة للتعافي المبكر وإعادة الخدمات الأساسية.
- المسار السياسي: مصر تتمسك تقليديًا بأن أي ترتيبات في غزة يجب أن تقود في النهاية إلى أفق سياسي أشمل يضمن الحقوق الفلسطينية.
ماذا نعرف عن مجلس السلام؟
بحسب الوثائق الأممية المتاحة، فإن المجلس أُنشئ لمتابعة تنفيذ الخطة الشاملة الخاصة بغزة، مع وجود نيكولاي ملادينوف على رأس مهمة التمثيل والمتابعة بصفته الممثل الأعلى لغزة. وقد عُرض التقرير الأول للمجلس على مجلس الأمن في مايو 2026، بعد نحو ستة أشهر من إقرار الخطة المرتبطة بالقرار 2803.
وتشير هذه الوثائق إلى أن الهدف المعلن لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يشمل كذلك دفع المساعدات الإنسانية، وترتيبات الحوكمة الانتقالية، وتهيئة بيئة مناسبة لإعادة الإعمار. لكن المشكلة أن هذه العناوين جميعًا تظل رهينة الخلاف الأمني الأساسي: هل يأتي الانسحاب أولًا أم نزع السلاح أولًا؟
حماس وإشارة “الخطوة الإدارية”
في يوليو 2026، نقلت رويترز أن حماس أعلنت حل حكومتها الفعلية في غزة وإبداء الاستعداد لتسليم الإدارة إلى مجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين، وقدمت الخطوة باعتبارها تقدمًا في المسار المطروح. لكن إسرائيل قللت من أهمية هذه الخطوة، في وقت استمر فيه الخلاف حول الانسحاب ونزع السلاح، ما يعني أن الإشارات الإدارية وحدها لم تكن كافية لكسر الجمود.
مستقبل الخطة: بين الإبقاء السياسي والجمود الميداني
المشهد الراهن يوحي بأن الخطة الخاصة بغزة لم تُلغَ، لكنها أيضًا لم تنتقل إلى التنفيذ الكامل. هناك فارق واضح بين بقاء الإطار السياسي قائمًا، وبين القدرة الفعلية على فرض خطوات متزامنة على الأطراف. وهذا الفارق هو ما يفسر استمرار المفاوضات من جهة، واستمرار التعثر من جهة أخرى.
ومن منظور مصري، فإن بقاء الخطة على الطاولة يظل أفضل من فراغ سياسي كامل، لأن الفراغ يعني غالبًا اتساع الكلفة الإنسانية والأمنية. لكن نجاح أي مسار لاحق سيظل مشروطًا بوجود ضمانات تنفيذ حقيقية، وليس فقط تفاهمات نظرية، سواء في ما يتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية، أو بترتيبات السلاح، أو بإدارة القطاع مدنيًا، أو بفتح الطريق أمام الإغاثة والإعمار.
الخلاصة أن الملف دخل مرحلة دقيقة: الخطة لا تزال موجودة، والمحادثات لم تتوقف، لكن الفجوة بين المواقف لا تزال واسعة. وفي ظل هذا الواقع، تبقى مصر طرفًا محوريًا في أي محاولة لتحويل التفاهمات الورقية إلى مسار عملي يخفف معاناة سكان غزة ويحمي استقرار المنطقة.