Akhbar Cairo

خلاف إيراني-عُماني حول إدارة مضيق هرمز يربك الملاحة

أزمة جديدة حول مضيق هرمز تعيد المخاوف إلى أسواق الطاقة

عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الإقليمي بعد تقارير تحدثت عن رفض إيران صيغة عُمانية مؤقتة كانت تستهدف تنظيم المرور البحري عبر الممر الحيوي بصورة متوازنة بين الجانبين. وتأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية للمنطقة، مع استمرار التوترات الأمنية في الخليج، وتزايد القلق الدولي من أي ترتيبات أحادية قد تؤثر في حرية الملاحة أو تدفق شحنات النفط والغاز.

وبحسب ما أكدته تغطيات متقاطعة من وسائل إعلام دولية وإقليمية، فإن الفكرة التي طُرحت من الجانب العُماني دارت حول آلية انتقالية لتنظيم الحركة البحرية على أساس ممرات متوازنة، بينما تمسكت طهران بأن يكون لها دور أكبر في إدارة العبور داخل المضيق. هذا التباين يعكس أن الخلاف لم يعد متعلقًا فقط بالأمن البحري، بل بات يمس أيضًا النفوذ الإقليمي وقواعد إدارة أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.

ماذا نعرف عن المقترح العُماني؟

المؤكد حتى الآن أن سلطنة عُمان دفعت خلال يوليو 2026 نحو ترتيبات تفاوضية تهدف إلى ضمان استمرار المرور الآمن للسفن، مع الإبقاء على الملف داخل إطار التفاهم بين الدولتين المشاطئتين للمضيق. وفي 12 يوليو 2026، استضافت مسقط مباحثات مباشرة بين وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وتركزت المحادثات على سلامة الملاحة وحرية العبور واستكمال النقاش على المستويين الفني والسياسي.

التصريحات الصادرة بعد تلك الجولة أظهرت أن الطرفين اتفقا على مواصلة المشاورات، لكن من دون إعلان تسوية نهائية. كما شددت الرواية الإيرانية على أن أي ترتيبات مستقبلية لإدارة حركة المرور في المضيق يجب أن تتم بالتشاور المباشر بين إيران وسلطنة عُمان، وهو ما يفسر حساسية طهران تجاه أي صيغة قد توحي بتقاسم متساوٍ لا يمنحها ثقلًا أكبر داخل هذا الممر البحري.

لماذا يتمسك الإيرانيون بحصة أكبر؟

من الناحية الجغرافية، تمتلك إيران شاطئًا أطول على الضفة الشمالية للمضيق، كما أنها ترى أن التطورات العسكرية والأمنية خلال الأشهر الماضية تمنحها مبررًا للتمسك بدور أوسع في تنظيم الملاحة. ومن هنا، لم تنظر طهران إلى الطرح العُماني باعتباره مجرد إجراء فني، بل كمسألة ترتبط بالسيادة وبكيفية تعريف النفوذ داخل المضيق.

وسائل إعلام مصرية وعربية تابعت هذا المسار خلال الأسابيع الأخيرة، ونقلت أن المباحثات لم تتوقف، لكن الهوة لا تزال قائمة بين مقاربة عُمانية تركز على فتح الممرات وفق القانون الدولي، ومقاربة إيرانية تصر على أن أمن العبور لا ينفصل عن الاعتراف بدورها المركزي في إدارة الممر.

أهمية مضيق هرمز للاقتصاد العالمي

بالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو الخلاف بعيدًا جغرافيًا، لكنه في الحقيقة يمس المنطقة كلها، بما فيها أسواق الطاقة والشحن والتأمين البحري التي تؤثر بشكل غير مباشر في كلفة السلع والنقل. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يظل مضيق هرمز أهم نقطة اختناق نفطي في العالم؛ إذ مر عبره في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط، بما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، ونحو ربع تجارة النفط البحرية عالميًا.

ولا تتوقف أهمية المضيق عند النفط فقط؛ إذ يمر عبره أيضًا جزء مهم من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا الشحنات الخارجة من الخليج. لذلك فإن أي اضطراب، حتى لو كان محدودًا أو مؤقتًا، ينعكس سريعًا على تكاليف الشحن وأسعار التأمين وتوقعات أسواق الطاقة.

تراجع حركة السفن وارتفاع منسوب القلق

التوتر الأخير لم يبق سياسيًا فقط، بل ظهر أيضًا في بيانات الملاحة. فقد أشارت تقارير دولية حديثة إلى انخفاض واضح في عدد السفن العابرة للمضيق مقارنة بالمعدلات السابقة، مع إحجام بعض الناقلات عن استخدام المسارات المثيرة للجدل. كما تحدثت تقارير عن تعرض سفن لهجمات أو تهديدات قرب الجانب العُماني من المضيق، ما زاد من حساسية الملف وأدخل شركات الشحن في حسابات أكثر تعقيدًا.

وفي هذا السياق، أوردت وكالة أسوشيتد برس أن بيانات ملاحية أظهرت تراجعًا بنحو 52% في بعض فترات العبور مقارنة بالأسبوع السابق، مع هبوط عدد السفن المارة في أحد الأيام إلى نحو 14 سفينة فقط، بعدما كانت الأرقام قبل الحرب تدور حول 130 سفينة يوميًا. هذه المؤشرات لا تعني إغلاقًا كاملاً، لكنها تكشف حجم التوتر الذي بات يضغط على حركة التجارة البحرية.

عُمان بين الوساطة والتمسك بالقانون الدولي

تحاول مسقط الحفاظ على موقعها التقليدي كوسيط موثوق في أزمات المنطقة، ولذلك تكرر التأكيد على أن الممرات البحرية الحيوية يجب أن تبقى مفتوحة وآمنة. كما أن الخطاب العُماني يركز على أن أي ترتيبات لا بد أن تستند إلى القانون الدولي وأمن الملاحة، لا إلى فرض وقائع جديدة بالقوة.

وهذه المقاربة العُمانية مهمة عربيًا، لأن استقرار الخليج ليس شأنًا محليًا للدول المطلة عليه فقط، بل ملف يرتبط مباشرة بأمن الطاقة العربي وبحركة التجارة في البحر الأحمر وقناة السويس أيضًا. فكلما ارتفعت المخاطر في هرمز، زادت الضغوط على خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد الأوسع في المنطقة.

ما الذي يعنيه الخلاف للمنطقة العربية؟

الخلاف بين إيران وسلطنة عُمان حول شكل الإدارة أو توزيع السيطرة داخل مضيق هرمز يتجاوز لغة التفاصيل الفنية. فهو اختبار سياسي لموازين القوة في الخليج، واختبار قانوني لمدى الالتزام بحرية المرور في المضائق الدولية، واختبار اقتصادي لقدرة الأسواق على تحمل أي تعطيل إضافي في ممر يربط الخليج ببحر العرب ثم بالأسواق الآسيوية والعالمية.

وبالنسبة للدول العربية، فإن الأولوية تبقى منع تحول المضيق إلى ساحة ابتزاز سياسي أو أمني. فاستمرار التفاوض بين مسقط وطهران أفضل بكثير من انزلاق الأزمة إلى مواجهة مباشرة أو فرض ترتيبات من طرف واحد. كما أن أي تفاهم مستدام يحتاج إلى توازن دقيق بين حقوق الدول المشاطئة ومتطلبات القانون الدولي وحاجة الاقتصاد العالمي إلى ممرات آمنة ومستقرة.

خلاصة المشهد

حتى الآن، لا يبدو أن تسوية نهائية باتت وشيكة. إيران ترفض الاكتفاء بصيغة تمنحها وضعًا مساوياً تمامًا للجانب العُماني، فيما تواصل مسقط الدفع نحو ترتيبات تقلل التوتر وتحفظ انسياب الملاحة. وبين الموقفين، يبقى مضيق هرمز عنوانًا مفتوحًا لأزمة مرشحة للاستمرار، مع تأثيرات تتجاوز حدود الخليج إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

وفي ظل هذا المشهد، سيظل أي تقدم في المحادثات بين عباس عراقجي وبدر البوسعيدي محل متابعة عربية ودولية واسعة، لأن مصير هذا الممر لا يخص إيران وعُمان وحدهما، بل يرتبط باستقرار المنطقة كلها، من الخليج إلى الموانئ العربية والأسواق التي تراقب يوميًا ما يحدث عند بوابة الطاقة الأهم في العالم.