دعوات فلسطينية لمحاسبة الاحتلال: ما الذي يمكن أن يفعله العالم؟
دعوة فلسطينية جديدة... لكنّها هذه المرة بصيغة إنذار سياسي وأخلاقي
في لحظة تبدو فيها الحرب على غزة أبعد من مجرد مواجهة عسكرية، عادت القوى والدوائر الفلسطينية إلى رفع سقف خطابها السياسي باتجاه المجتمع الدولي، مطالبة بتحرك عاجل لا يكتفي بالدعوة إلى التهدئة، بل ينتقل إلى وقف الحرب فعليًا ومحاسبة الاحتلال على ما تصفه بانتهاكات ممنهجة طالت السكان المدنيين والبنية الصحية والبيئية والدينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتكتسب هذه الدعوات وزنًا إضافيًا لأنها لا تصدر فقط من خطاب تعبوي داخلي، بل تتقاطع مع تحركات دبلوماسية فلسطينية رسمية في مؤسسات الأمم المتحدة، من بينها الرسائل التي بعث بها السفير إبراهيم محمد خريشي إلى بعثات معتمدة لدى الأمم المتحدة في جنيف في 15 أبريل 2026.
بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية، حذّر خريشي من أن تدمير البنية التحتية الصحية والمدنية في قطاع غزة، ومنع دخول مستلزمات الصحة العامة والنظافة، وترك الركام ومياه الصرف والازدحام في مناطق النزوح، كلها عوامل صنعت بيئة خطرة لانتشار الأمراض والآفات، ما دفع البعثة الفلسطينية إلى مطالبة الأطراف الدولية بتحرك علني وعاجل، وبضمان دخول الإمدادات الطبية وبرامج التطعيم ومستلزمات النظافة إلى القطاع دون عوائق.
من الإدانة إلى المساءلة: لماذا تغيّر اللغة الفلسطينية؟
الجديد في الخطاب الفلسطيني ليس فقط المطالبة بوقف الحرب، بل الإصرار على مفهوم المحاسبة. هذا التحول في اللغة يعكس قناعة فلسطينية متزايدة بأن بيانات الإدانة وحدها لم تعد كافية، خصوصًا مع استمرار ما تصفه المؤسسات الفلسطينية بتصعيد إسرائيلي منظم في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وفي هذا السياق، رحبت وزارة الخارجية الفلسطينية في 9 يونيو 2026 بإعلان كل من المملكة المتحدة وأستراليا وكندا وفرنسا ونيوزيلندا والنرويج فرض حزمة عقوبات منسقة على أفراد وكيانات مرتبطة بتمويل أو دعم أو تنفيذ اعتداءات المستوطنين، واعتبرت ذلك خطوة في الاتجاه الصحيح، مع مطالبة بمزيد من الإجراءات الرادعة ضد منظومة الاستيطان بأكملها.
هذه النقلة من لغة “القلق” إلى لغة “العقوبات” مهمة للغاية من زاوية تحليلية؛ لأنها تكشف أن بعض العواصم الغربية بدأت، ولو ببطء، التمييز بين خطاب دعم القانون الدولي وبين كلفة تجاهل تطبيقه. ورغم أن هذه العقوبات لا تمس جوهر البنية العسكرية للحرب على غزة، فإنها تمنح الفلسطينيين سندًا دبلوماسيًا إضافيًا في المطالبة بتوسيع دائرة المساءلة.
ماذا تقول الوقائع على الأرض؟
التقارير الأممية خلال صيف 2026 تقدم خلفية تفسر حدة الخطاب الفلسطيني. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أشار في تقاريره الصادرة في يوليو 2026 إلى استمرار تعرّض سكان قطاع غزة للغارات والتهجير المتكرر والمخاطر الصحية، كما لفت إلى تدهور مؤشرات الصحة الإنجابية واستمرار القيود التي تعرقل تدفق المساعدات والعمليات الإنسانية. وفي تقرير سابق بتاريخ 5 يونيو 2026، وثّق المكتب أكثر من 950 حادثة اعتداء للمستوطنين في الضفة الغربية عبر أكثر من 230 تجمعًا منذ بداية العام، مع أضرار طالت المنازل والأصول الزراعية والبنية الأساسية.
عند هذه النقطة، يصبح الحديث الفلسطيني عن “تصعيد ممنهج” أقرب إلى توصيف سياسي مبني على سلسلة وقائع متراكمة، لا على حادث منفرد. فالحرب في غزة لا تُقرأ فلسطينيًا بمعزل عن الاستيطان في الضفة، ولا عن الضغط على القدس ومقدساتها، ولا عن سياسات التهجير القسري التي ترى القيادة الفلسطينية أنها تستهدف إعادة رسم الواقع الديموغرافي والسياسي على الأرض.
الزاوية المصرية: لماذا يهم هذا النقاش القارئ في مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو هذه التطورات شأنًا خارجيًا بعيدًا. فمصر تظل طرفًا محوريًا في ملف غزة، سواء عبر الوساطة السياسية أو عبر التأكيد المستمر على رفض التهجير القسري وتصفية القضية الفلسطينية. وفي 8 أغسطس 2026، أدانت وزارة الخارجية المصرية بشكل قاطع قرار المجلس الوزاري الإسرائيلي احتلال قطاع غزة بالكامل، وفق ما ورد في صفحة البيانات الرسمية للوزارة. كما أظهرت الصفحة نفسها سلسلة مواقف مصرية متلاحقة خلال أغسطس 2026 تتناول المجاعة في غزة، والتحذير من توسيع العمليات العسكرية، ورفض تهجير الفلسطينيين، والترحيب بخطوات دولية داعمة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
هذا الإيقاع الدبلوماسي المصري لا يعبّر فقط عن موقف تضامني تقليدي، بل عن إدراك مباشر بأن استمرار الحرب أو توسيعها يهدد الأمن الإقليمي، ويزيد الضغط الإنساني والسياسي على الحدود المصرية، ويجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا. ومن هنا فإن الدعوات الفلسطينية لتحرك دولي ومحاسبة الاحتلال تلتقي، بدرجات متفاوتة، مع المصلحة المصرية في تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع التهجير، والحفاظ على إطار حل الدولتين.
هل المجتمع الدولي عاجز فعلًا؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت الوقائع موثقة، والمواقف المنددة تتكرر، فلماذا لا يتحول ذلك إلى مسار ملزم؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع أن المجتمع الدولي ليس عاجزًا بالكامل، لكنه منقسم سياسيًا ومقيّد بتوازنات القوة. توجد أدوات متاحة، مثل العقوبات، ووقف التعامل مع منتجات المستوطنات، واللجوء إلى الولاية القضائية العالمية، والضغط لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ودعم آليات التحقيق وتوثيق الأدلة. لكن تفعيل هذه الأدوات يتطلب إرادة سياسية جماعية، وهي الإرادة التي لا تزال تتقدم في بعض الملفات وتتراجع في ملفات أخرى.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الدعوات الفلسطينية باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الكلفة السياسية للصمت الدولي. فبدلًا من الاكتفاء بعرض المأساة الإنسانية، تسعى الدبلوماسية الفلسطينية إلى تحويل الانتهاكات إلى ملف قانوني وسياسي مفتوح أمام الدول: إما أن تترجم مواقفها إلى إجراءات، أو تتحمل تبعات التناقض بين خطابها الحقوقي وسلوكها العملي.
الديناميكيات الجديدة: من غزة إلى جنيف والعواصم الغربية
الأهمية الخاصة لتحرك السفير إبراهيم محمد خريشي تكمن في أنه وُجّه إلى جهات أممية وإنسانية ذات صلة مباشرة بملفات الصحة والبيئة وحقوق الإنسان، وليس فقط إلى منصات سياسية عامة. هذه المقاربة توسّع إطار القضية من ملف الحرب إلى ملف الحماية الدولية للسكان المدنيين. وهي مقاربة قد تكون أكثر تأثيرًا في المرحلة المقبلة، لأنها تربط بين القانون الإنساني الدولي والحق في الصحة والغذاء والمأوى والكرامة.
ومن زاوية الرأي، يبدو أن الرهان الفلسطيني الحالي يقوم على مسارين متوازيين:
- أولًا: تكثيف الضغط الدبلوماسي لوقف العمليات العسكرية وفتح الممرات الإنسانية.
- ثانيًا: توسيع دوائر المحاسبة عبر العقوبات، والملاحقات القانونية، وتجريم التعامل مع الاستيطان.
نجاح هذا الرهان ليس مضمونًا، لكنه يعكس نضجًا في فهم طبيعة الصراع الدولي حول فلسطين: القضية لم تعد فقط معركة رواية، بل معركة أدوات تنفيذ.
ما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك؟
الأرجح أن تتواصل الدعوات الفلسطينية خلال الأسابيع المقبلة بصيغ أكثر تركيزًا على الحماية الدولية والمساءلة، خصوصًا إذا استمرت القيود على الإغاثة أو تصاعدت الاعتداءات في الضفة الغربية. كما أن أي توسع إضافي في العقوبات الغربية المرتبطة بالمستوطنين أو بالمؤسسات الداعمة للاستيطان سيُقرأ فلسطينيًا باعتباره اختراقًا سياسيًا يمكن البناء عليه.
لكن في المقابل، يظل التحدي الأكبر هو ترجمة هذا الزخم إلى نتائج ملموسة على الأرض: وقف النار، حماية المدنيين، إدخال المساعدات، ومنع تكريس وقائع جديدة بالقوة. وهنا تحديدًا تتضح قيمة الموقف المصري، لأن القاهرة لا تتحرك فقط بوصفها وسيطًا، بل أيضًا بوصفها طرفًا عربيًا يعتبر أن استمرار الحرب يهدد بنسف ما تبقى من أفق سياسي للقضية الفلسطينية.
في المحصلة، لا تبدو الدعوة الفلسطينية الأخيرة مجرد بيان جديد في أرشيف الأزمة. إنها، في جوهرها، اختبار حقيقي لمدى استعداد العالم للانتقال من التعاطف إلى الفعل، ومن توصيف الانتهاك إلى محاسبة مرتكبيه. وإذا كان هذا الانتقال بطيئًا حتى الآن، فإن تراكم الوقائع والضغوط قد يجعل تجاهله أكثر كلفة، سياسيًا وأخلاقيًا، في المرحلة المقبلة.