دعوة السيسي لحوار إعلامي تفتح نقاشًا حول استقلال الصحافة
دعوة رئاسية تعيد ترتيب أسئلة الإعلام المصري
أعاد ترحيب الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، بدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى فتح المجال أمام حوار إعلامي موضوعي، يشمل الرأي والرأي الآخر، ملف الإعلام المصري إلى قلب النقاش العام من جديد. أهمية الموقف هنا لا تتعلق بعبارة بروتوكولية أو مجاملة سياسية، بقدر ما ترتبط بما إذا كانت هذه الدعوة يمكن أن تتحول إلى مسار إصلاحي فعلي يعالج أزمات المهنة، من حرية الوصول إلى المعلومات، إلى الاستقلال الاقتصادي للمؤسسات، وصولًا إلى تنوع الأصوات داخل المجال العام.
المعطيات المعلنة خلال العام الماضي تعطي هذا الترحيب وزنًا إضافيًا. فبحسب ما نشرته بوابة الأهرام في حوار مع المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة بتاريخ 12 أغسطس 2025، فإن اللقاء الذي جمع الرئيس برؤساء الهيئات الإعلامية طُرح فيه بوضوح ملف التعددية، وتوفير المعلومات من مصادرها، وتحسين الأوضاع المادية للصحفيين، مع التأكيد على أهمية الرأي والرأي الآخر داخل المنظومة الإعلامية المصرية.
لماذا يهم موقف نقيب الصحفيين؟
السبب الأول أن البلشي لا يتحدث من موقع مراقب خارجي، بل من موقع نقابي منتخب يعكس مزاج قطاع معتبر من الجماعة الصحفية. وقد أُعيد انتخابه نقيبًا للصحفيين في 2 مايو 2025، بعد حصوله على 3346 صوتًا بنسبة 55% من الأصوات، مقابل 2562 صوتًا لمنافسه عبد المحسن سلامة، فيما بلغ عدد المشاركين في التصويت 6051 صحفيًا من أصل 10232 لهم حق الانتخاب، بنسبة حضور 59.1%. هذه الأرقام، التي نشرتها وسائل مصرية بينها Ahram Online وEgypt Today، تعني أن أي قراءة لمستقبل الإعلام لا يمكن أن تتجاهل وزن النقابة ومطالب جمعيتها العمومية.
السبب الثاني أن البلشي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بخطاب واضح يربط بين تحسين الأجور وتحسين الحريات. وفي أكثر من مناسبة إعلامية خلال 2025، شدد على أن النقابة يجب أن تكون "بيتًا للجميع"، وأن قوة المهنة لا تنفصل عن قدرتها على التأثير، ولا عن صون كرامة الصحفيين اقتصاديًا ومهنيًا. لذلك، فإن ترحيبه بالدعوة الرئاسية يمكن فهمه باعتباره محاولة لاقتناص نافذة تفاوضية لصالح إصلاحات أوسع، لا مجرد تأييد سياسي عابر.
من الترحيب إلى الاختبار الحقيقي
في المجال الإعلامي، لا تُقاس قيمة الدعوات بما يقال عنها، بل بما ينتج عنها من قواعد وإجراءات. وهنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي يجعل الحديث عن إعلام "حر ومستقل وقوي" قابلًا للتصديق؟
هناك ثلاثة اختبارات أساسية. أولها إتاحة المعلومات. فكل حديث عن المهنية يظل ناقصًا إذا بقي الصحفي معتمدًا على التسريبات أو الروايات غير المكتملة. الشوربجي نفسه قال إن توفير المعلومات من مصادرها من أهم أدوات العمل الصحفي، وربط ذلك بندوات جمعت مسؤولين وصحفيين لتسهيل الوصول إلى بيانات دقيقة. هذا اتجاه مهم، لكنه يحتاج إلى التحول من مبادرات متفرقة إلى آلية مؤسسية مستقرة تمنح الصحفي حق الحصول على المعلومة في الوقت المناسب.
الاختبار الثاني هو التعددية التحريرية. حديث "الرأي والرأي الآخر" يصبح ذا معنى فقط عندما ينعكس في المحتوى المنشور، وفي اختيار الضيوف، وفي مساحات النقاش داخل الصحف والقنوات والمنصات الرقمية. المسألة هنا ليست فتح الباب للفوضى، بل الاعتراف بأن المجتمع المصري متعدد، وأن الإعلام الأكثر قدرة على بناء الثقة هو الإعلام الذي يسمح بوجود اختلاف منضبط بالقانون والمعايير المهنية، لا الإعلام الذي يعيد إنتاج صوت واحد بصيغ متعددة.
أما الاختبار الثالث فهو الاستقلال الاقتصادي. فالمؤسسة الصحفية المثقلة بالأعباء المالية، أو العاجزة عن تمويل نفسها، تبقى أكثر هشاشة أمام الضغوط. وفي الحوار نفسه مع بوابة الأهرام، أشار الشوربجي إلى توجه يربط تطوير الصحافة القومية باستثمار الأصول وتحقيق التوازن المالي، بما يدعم الاستقلال ويتيح تحسين أجور العاملين. هذا الطرح يبدو منطقيًا على الورق، لكنه يتطلب شفافية أعلى في إدارة الموارد، ونماذج أعمال حديثة، وتطويرًا جادًا في المحتوى والتوزيع والإعلان الرقمي.
البعد الاقتصادي ليس تفصيلًا جانبيًا
اللافت أن النقاش حول حرية الإعلام في مصر لم يعد منفصلًا عن النقاش حول أوضاع الصحفيين المعيشية. فوفق ما نشرته بوابة الأهرام، تضمن اللقاء مع الرئيس موافقة على زيادة بدل الصحفيين بمقدار 600 جنيه ليصل إلى 4500 جنيه، على أن يُصرف بأثر رجعي اعتبارًا من 1 يوليو 2025. ومهما اختلفت التقييمات حول كفاية الزيادة، فإن دلالتها السياسية والمهنية واضحة: الدولة تعترف بأن إصلاح الإعلام لا يمكن فصله عن الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي للعاملين فيه.
لكن في المقابل، لا ينبغي اختزال الإصلاح في البدل وحده. فالبدل يخفف الضغط، لكنه لا يبني بمفرده صحافة قوية. القوة الحقيقية تنشأ من مزيج بين أجور عادلة، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، ومناخ يسمح بالمنافسة المهنية، وثقة جمهور يشعر أن ما يقرؤه ويشاهده لا يخاطبه من أعلى، بل ينقل تعقيد الواقع كما هو.
ما الذي ينتظره القارئ المصري من هذا الحوار؟
القارئ في مصر لا ينتظر سجالًا نظريًا حول تعريف الحرية فقط. ما يهمه عمليًا هو إعلام يجيب عن أسئلة الحياة اليومية: الأسعار، الخدمات، التعليم، الصحة، النقل، والسياسة الخارجية، بلغة واضحة ومعلومات موثقة. وحين تتسع مساحة الرأي والرأي الآخر، لا يكون المكسب للنخبة الصحفية وحدها، بل للمجتمع كله؛ لأن النقاش المفتوح والمنضبط يقلل الشائعات، ويرفع جودة المحاسبة العامة، ويمنح القرار السياسي نفسه مرآة أكثر دقة لردود الفعل الحقيقية.
لهذا، فإن دعوة الرئيس إلى حوار إعلامي موضوعي، وترحيب نقيب الصحفيين بها، تمثلان بداية محتملة لا نهاية مكتملة. الرهان الحقيقي يبدأ بعد الترحيب: هل ستظهر خطوات تنظيمية وتشريعية ومهنية تترجم هذا المناخ؟ وهل تستطيع المؤسسات الإعلامية، الرسمية والخاصة، أن تنتقل من منطق الدفاع الدائم إلى منطق الإقناع بالمعلومة والتحليل؟
خلاصة المشهد
من زاوية "تحليلات ورأي"، يمكن القول إن الرسالة الأهم في هذا التطور ليست أن الخلافات انتهت، ولا أن أزمة الإعلام حُلّت، بل أن هناك لحظة سياسية قابلة للبناء. فالدعوة إلى الحوار، حين تتقاطع مع مطالب نقابية واضحة، ومع حديث رسمي عن التعددية وإتاحة المعلومات وتحسين الأوضاع المالية، تفتح الباب أمام صياغة جديدة للعلاقة بين الدولة والإعلام.
في النهاية، لن يُحكم على هذه اللحظة من خلال العناوين، بل من خلال النتائج: مساحات أوسع للنقاش، معلومات أكثر انضباطًا، مؤسسات أكثر استقلالًا، وصحفيون أكثر قدرة على أداء دورهم. عندها فقط يمكن أن يصبح وصف "إعلام حر ومستقل وقوي" أقرب إلى الواقع منه إلى الشعار.
- أبرز الأسماء المرتبطة بالملف: عبد الفتاح السيسي، خالد البلشي، عبد الصادق الشوربجي، عبد المحسن سلامة.
- تواريخ مفصلية: 2 مايو 2025 لإعادة انتخاب خالد البلشي، و1 يوليو 2025 موعد سريان زيادة بدل الصحفيين بأثر رجعي، و12 أغسطس 2025 لنشر تفاصيل موسعة عن مخرجات اللقاء الإعلامي.
- جوهر النقاش: حرية التعبير، إتاحة المعلومات، الاستقلال المالي، وتعدد الأصوات داخل الإعلام المصري.