Akhbar Cairo

دعوة برلمانية إيرانية للانسحاب من معاهدة النووي ترفع التوتر مع واشنطن

تصعيد جديد من داخل البرلمان الإيراني

عاد ملف إيران النووي إلى واجهة التوتر الدولي بعد دعوة أطلقها النائب الإيراني إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى، طالب فيها بأن يكون الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي أحد الردود على الضغوط الاقتصادية الأمريكية المتزايدة. وتأتي هذه الدعوة في سياق سياسي شديد الحساسية، بعدما أظهرت مواقف صادرة عن طهران وواشنطن خلال الأسابيع الأخيرة اتجاهاً إلى مزيد من التشدد، لا سيما مع حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التعويل على الضغط الاقتصادي بدلاً من العودة السريعة إلى الخيار العسكري.

وبحسب ما أوردته مصادر إيرانية وتقارير دولية، فإن رضائي ليس اسماً هامشياً في هذا الملف، بل يتحدث بصفته الرسمية داخل لجنة تُعد من أبرز المنابر البرلمانية المعنية بالسياسة الخارجية والبرنامج النووي. وكانت له مواقف سابقة في 2025 و2026 دافعت عن التشدد في ملف التخصيب، واعتبرت أن بقاء إيران في معاهدة عدم الانتشار لم يعد يحقق لها مكاسب واضحة في ظل الضغوط والعقوبات والرقابة الدولية المستمرة.

ما الذي تعنيه الدعوة إلى الانسحاب من المعاهدة؟

معاهدة حظر الانتشار النووي، المعروفة اختصاراً بـNPT، فُتح باب التوقيع عليها عام 1968 ودخلت حيز النفاذ في 5 مارس 1970. وهي تمثل الإطار الدولي الأهم لمنع انتشار السلاح النووي، مع الإقرار بحق الدول الأعضاء في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية تحت نظام رقابة وضمانات تقوده الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبالنسبة لإيران، فإن وجودها داخل المعاهدة يعني من الناحية القانونية استمرار ارتباط برنامجها النووي بالتزامات التحقق والضمانات الدولية.

لذلك، فإن مجرد طرح الانسحاب من المعاهدة لا يُقرأ باعتباره تصريحاً رمزياً فقط، بل كرسالة ضغط سياسية موجهة إلى واشنطن وحلفائها، وكذلك إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي حال تحولت هذه الفكرة إلى مسار رسمي، فسيكون لذلك أثر واسع على أمن المنطقة وعلى حسابات القوى الكبرى، خصوصاً أن الشرق الأوسط يعيش أصلاً حالة قلق مزمنة بشأن الانتشار النووي والتوازنات الاستراتيجية.

الخلفية: ضغوط أمريكية وتبدل في لهجة ترامب

اللافت أن هذه الدعوة جاءت في وقت أشارت فيه تقارير أمريكية إلى أن الرئيس دونالد ترامب يفضّل في المرحلة الحالية مواصلة إنهاك الاقتصاد الإيراني بدلاً من توسيع المواجهة العسكرية. ونقلت تقارير منشورة في أغسطس 2026 أن الإدارة الأمريكية تراهن على أن الضغوط الاقتصادية، إلى جانب العزلة الدبلوماسية، قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات أو العودة إلى تفاوض بشروط أكثر صرامة.

هذا التحول النسبي في الخطاب الأمريكي لا يعني تهدئة حقيقية، بل يعكس تغييراً في أدوات الضغط. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن العقوبات الاقتصادية، وتقييد التجارة، وملاحقة عوائد النفط والتحويلات، كلها تدخل ضمن ما تصفه طهران بـالحرب الاقتصادية. ومن هنا يمكن فهم دعوة رضائي باعتبارها جزءاً من خطاب الردع السياسي أكثر من كونها إعلاناً وشيكاً عن قرار نهائي.

أزمة الثقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية

التصعيد البرلماني الإيراني لا يمكن فصله عن التدهور الحاصل في علاقة طهران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فالوكالة أكدت في تقاريرها أن إيران أقرّت في 2 يوليو 2025 قانوناً يعلق التعاون معها، وأن أنشطة التحقق الميداني تأثرت بشدة منذ 13 يونيو 2025، مع توقف وصول المفتشين إلى المواقع الخاضعة للضمانات باستثناء محطة بوشهر للطاقة النووية. كما أوضحت الوكالة أن غياب التقارير المحاسبية الخاصة بالمواد النووية وتحديثات المعلومات الفنية زاد من صعوبة التحقق المستقل من طبيعة الأنشطة الإيرانية.

هذه النقطة بالذات تهم القارئ المصري والعربي، لأن المسألة لم تعد تتعلق فقط بخلاف سياسي بين إيران والغرب، بل بمدى قدرة النظام الدولي على مراقبة أحد أكثر الملفات النووية حساسية في المنطقة. وكلما تراجعت الشفافية، زادت احتمالات سوء التقدير السياسي والعسكري.

هل يعكس الموقف قراراً إيرانياً نهائياً؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثقة على صدور قرار إيراني رسمي بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي. المتوافر هو أن الفكرة مطروحة بقوة داخل بعض الأوساط البرلمانية والسياسية، وأن رضائي سبق أن تحدث في يونيو 2025 عن إدراج هذا الملف على جدول أعمال البرلمان الإيراني. لكن الانتقال من التلويح إلى التنفيذ يظل مسألة مختلفة، لأن الانسحاب من المعاهدة ستكون له كلفة دبلوماسية واقتصادية وأمنية كبيرة على طهران.

في المقابل، يُنظر إلى هذا النوع من التصريحات في العواصم الغربية باعتباره مؤشراً على أن إيران تحاول توسيع أوراق التفاوض والرد على الضغوط المتعددة، سواء تعلقت بالعقوبات أو بالتفتيش أو بمستقبل تخصيب اليورانيوم. كما أن أي خطوة من هذا النوع قد تعيد طرح سيناريوهات أكثر تشدداً في مجلس الأمن وفي العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة.

لماذا يهم هذا التطور مصر والمنطقة؟

من زاوية عربية ومصرية، يبقى أي تصعيد في الملف النووي الإيراني تطوراً ذا أثر مباشر على الإقليم. فأسعار الطاقة، وأمن الملاحة، وملف العقوبات، وموازين القوى في الخليج، كلها تتأثر بسرعة بأي تصعيد بين طهران وواشنطن. كذلك فإن مصر لطالما دفعت في المحافل الدولية باتجاه شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية، وهو مطلب تعيده الأمم المتحدة إلى واجهة نقاشات مراجعة المعاهدة بشكل متكرر.

وفي هذا الإطار، فإن دعوات الانسحاب من المعاهدة لا تُعد شأناً إيرانياً داخلياً فقط، بل قضية ترتبط بأمن إقليمي أوسع. فإضعاف منظومة عدم الانتشار في الشرق الأوسط قد يفتح الباب أمام سباق ردع جديد، وهو سيناريو يحمل مخاطر ثقيلة على المنطقة بأسرها، من الخليج حتى شرق المتوسط.

ماذا بعد؟

المرجح في المدى القريب أن تستمر طهران في استخدام ورقة المعاهدة والرقابة النووية كأداة ضغط سياسية، من دون حسم نهائي سريع. لكن استمرار العقوبات، وتعثر التفاهم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واحتدام السجال مع إدارة ترامب، كلها عوامل تدفع الخطاب الإيراني نحو مزيد من الحدة.

والخلاصة أن تصريح إبراهيم رضائي يكشف مستوى التوتر الذي بلغه الملف النووي الإيراني في صيف 2026: ضغوط أمريكية اقتصادية متصاعدة، رقابة دولية متعثرة، وبرلمان إيراني يرفع سقف التهديد السياسي. وبين هذه العناصر كلها، يبقى السؤال الأهم: هل يظل الأمر في حدود الرسائل المتبادلة، أم يتحول إلى خطوة تغير قواعد اللعبة النووية في المنطقة؟

  • المعاهدة: دخلت حيز النفاذ في 5 مارس 1970.
  • إيران والوكالة الدولية: قانون تعليق التعاون مع الوكالة دخل حيز التنفيذ في 2 يوليو 2025.
  • بداية تعطل التحقق الميداني: منذ 13 يونيو 2025 وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • دلالة التصريح: حتى الآن هو موقف برلماني تصعيدي، وليس إعلاناً رسمياً بانسحاب إيراني نهائي.