دعوة سموتريتش لاجتياح الضفة: ماذا تعني لمستقبل السلطة؟
دعوة سموتريتش: تصعيد لفظي أم تمهيد لتحول أخطر في الضفة؟
أعاد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش طرح أحد أكثر التصورات تشدداً داخل الحكومة الإسرائيلية، عندما دعا إلى عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية تتضمن جمع السلاح وتفكيك السلطة الفلسطينية، معتبراً أن ذلك جزء من تغيير ما يسميه مفهوم الأمن الإسرائيلي. وبحسب ما نُشر في أواخر سبتمبر/أيلول 2026، فقد ربط سموتريتش بين الضفة الغربية و«نموذج غزة»، داعياً إلى استهداف البنية المسلحة هناك بصورة شاملة. هذه اللغة ليست جديدة تماماً في خطابه السياسي، لكنها تبدو اليوم أكثر خطورة لأنها تأتي في سياق حرب ممتدة، وتوتر متصاعد في الضفة، وضغوط متزايدة على بنية السلطة الفلسطينية نفسها.
من زاوية تحليلية، لا يمكن قراءة هذا الطرح باعتباره مجرد مناورة إعلامية من وزير يميني متطرف. سموتريتش بات أحد الوجوه الأكثر تأثيراً في الائتلاف الحاكم، ويتولى حقيبة المالية في إسرائيل، بينما ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بدعم مشاريع الاستيطان وتوسيع النفوذ الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. هذا يمنح تصريحاته وزناً عملياً، حتى عندما تبدو أقرب إلى اختبار سقف الخطاب السياسي منها إلى قرار تنفيذي فوري.
لماذا تستهدف الدعوة السلطة الفلسطينية تحديداً؟
جوهر تصريح سموتريتش لا يتوقف عند ملاحقة السلاح أو توسيع العمليات العسكرية، بل يتجاوز ذلك إلى فكرة إضعاف السلطة الفلسطينية أو إنهائها كإطار سياسي وإداري. هنا تكمن الدلالة الأهم. فالسلطة، رغم كل ما تواجهه من انتقادات داخلية وأزمات مالية وسياسية، ما زالت تمثل في الحسابات الإقليمية والدولية العنوان الرسمي لأي تسوية مستقبلية، كما أنها ترتبط بوظائف يومية تمس حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وعندما يدعو مسؤول إسرائيلي بهذا المستوى إلى تفكيكها، فإن ذلك يعني عملياً الدفع نحو فراغ سياسي وأمني قد يفتح الباب لسيناريوهات أكثر فوضوية: إدارة عسكرية مباشرة، تمدد الاستيطان، إضعاف المؤسسات المدنية، وتفتيت أي أفق لحل الدولتين. كما أن ربط الضفة بـ«نموذج غزة» يوحي بتصور قائم على الحسم العسكري لا على المسار السياسي، وهو ما يثير قلقاً واسعاً في المنطقة، خصوصاً لدى الدول التي ما زالت تعتبر بقاء مؤسسات السلطة جزءاً من الحد الأدنى الضروري لمنع الانهيار الكامل.
المشهد على الأرض في الضفة يزيد خطورة الرسالة
التصريحات جاءت في توقيت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيداً ميدانياً متكرراً، مع تعزيزات عسكرية إسرائيلية وإغلاق واسع للمناطق والمعابر، وفق تقارير منشورة في نهاية سبتمبر/أيلول 2026. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الدعوات السياسية المتشددة أكثر من مجرد شعارات، لأنها تتحول إلى غطاء أيديولوجي لتوسيع العمليات أو لتغيير قواعد الاشتباك في الميدان.
والأخطر أن هذا النوع من الخطاب يلتقي مع تيار داخل إسرائيل يرى أن الضفة لم تعد ملفاً تفاوضياً، بل ساحة لإعادة تشكيل الوقائع بالقوة. وإذا اقترن ذلك بتوسيع الاستيطان، أو بقرارات ضم فعلية أو تدريجية، فإن النتيجة ستكون تقويضاً أعمق لفكرة الدولة الفلسطينية المتصلة جغرافياً، وهي النقطة التي تؤكد عليها مصر باستمرار في بياناتها وتحركاتها الدبلوماسية.
كيف تنظر مصر إلى هذه المقاربة؟
بالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه التصريحات لا تنبع فقط من بعدها الفلسطيني، بل من انعكاسها المباشر على الأمن الإقليمي وعلى فرص التهدئة في الإقليم كله. الموقف المصري الرسمي ثابت في رفض الإجراءات الأحادية التي تقوض حل الدولتين، ورفض محاولات فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة سياسياً وجغرافياً، مع التأكيد على دعم السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية. وزارة الخارجية المصرية شددت في أكثر من مناسبة خلال 2026 على أهمية تمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها في الضفة وغزة، وعلى رفض الانتهاكات الإسرائيلية والضم والتوسع الاستيطاني.
وفي 5 أغسطس/آب 2026، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن الحفاظ على الترابط الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة شرط أساسي لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ثم عاد الموقف المصري في اتصالات لاحقة مع القيادة الفلسطينية ليشدد على دعم السلطة الوطنية الفلسطينية ورفض السياسات التي تستهدف تقويضها. وهذا يعني أن طرح سموتريتش يصطدم مباشرة مع الرؤية المصرية للحل، لا بوصفه خلافاً سياسياً عابراً، بل بوصفه تهديداً لمرتكزات الاستقرار التي تدافع عنها القاهرة.
هل يملك سموتريتش القدرة على فرض هذا التصور؟
عملياً، لا يتخذ وزير المالية الإسرائيلي القرار العسكري منفرداً، لكن تجاهل تأثيره سيكون خطأ. فسموتريتش ليس شخصية هامشية داخل اليمين الإسرائيلي، بل يمثل تياراً عقائدياً يربط بين الأمن والاستيطان وفرض السيطرة الإسرائيلية على الأرض. لهذا فإن تصريحاته غالباً ما تُقرأ كمؤشر على اتجاه ضغط داخل الحكومة، حتى لو لم تتحول فوراً إلى خطة معلنة.
كما أن سوابق السنوات الماضية أظهرت أن الأفكار التي تبدأ في الخطاب المتطرف قد تتحول تدريجياً إلى سياسات أمر واقع: توسيع البؤر الاستيطانية، تشديد القيود على الفلسطينيين، أو منح غطاء سياسي لعمليات أوسع. ومن هنا، فإن خطورة تصريحاته الحالية تكمن في أنها تدفع النقاش الإسرائيلي الداخلي بعيداً عن التسوية، وأقرب إلى إدارة الصراع عبر القوة والتفكيك المؤسسي.
ماذا يعني ذلك فلسطينياً وعربياً؟
فلسطينياً، أي مسار يستهدف تفكيك السلطة الفلسطينية يضاعف هشاشة الوضع الداخلي، خصوصاً في ظل الأعباء المالية والانقسام السياسي وتراجع الأفق التفاوضي. وعربياً، فإن تقويض السلطة لا يخلق بديلاً مستقراً، بل يفتح الباب على مزيد من الفوضى، ويمنح التيارات الأكثر تشدداً في الجانبين مساحة أوسع. لهذا تبدو الدعوة الإسرائيلية الأخيرة وصفة لتوسيع دائرة الأزمة، لا لتقليصها.
أما بالنسبة لمصر، التي تتابع الملف الفلسطيني باعتباره قضية أمن قومي وركيزة مركزية في توازنات المنطقة، فإن أي محاولة لإسقاط مؤسسات الحكم الفلسطينية أو إفراغها من دورها ستعني مزيداً من التعقيد في كل المسارات: التهدئة، وإعادة الإعمار، ومستقبل غزة، وفرص الحل السياسي الشامل. لهذا يظل دعم بقاء المؤسسات الفلسطينية وتمكينها موقفاً مصرياً منسجماً مع هدف أوسع: منع انهيار الإطار السياسي الفلسطيني بالكامل.
خلاصة المشهد
تصريحات بتسلئيل سموتريتش لا يمكن فصلها عن مسار أوسع داخل اليمين الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تعريف الضفة الغربية باعتبارها ساحة للحسم لا للتسوية. وبينما يطرح الرجل «العملية الشاملة» بوصفها ضرورة أمنية، فإن القراءة السياسية تشير إلى ما هو أبعد: إضعاف السلطة الفلسطينية، تقويض حل الدولتين، وتوسيع منطق القوة على حساب أي أفق دبلوماسي. بالنسبة للقاهرة، ولعدد واسع من العواصم العربية، فإن هذا المسار لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يحمل آثاراً مباشرة على استقرار المنطقة برمتها.
وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تبدو أهمية التحذير من مثل هذه الطروحات أكبر من أي وقت مضى، لأن أخطر ما في التصريحات المتطرفة ليس فقط ما تقوله، بل ما قد تمهد له على الأرض إذا تُركت من دون ردع سياسي ودبلوماسي واضح.