دعوة ظريف للتقارب مع مصر تفتح نقاشًا حول موقع إيران
دعوة جديدة من ظريف تضع مصر في قلب حسابات الانفتاح الإيراني
أثارت تصريحات وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف اهتمامًا سياسيًا واسعًا بعد دعوته طهران إلى استثمار أي نافذة تفاوض مع الولايات المتحدة من أجل تحسين موقعها الدولي، بالتوازي مع بناء مسار تعاون أوسع مع مصر ودول عربية وإسلامية. وتأتي هذه الإشارة في توقيت إقليمي حساس، حيث تتداخل ملفات التهدئة، وأمن الملاحة، والحرب في غزة، والمفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ما يجعل أي حديث عن تقارب إيراني مع القاهرة محل متابعة دقيقة داخل المنطقة.
ورغم أن ظريف لا يتولى حاليًا حقيبة الخارجية، فإنه يظل من أكثر الأسماء ارتباطًا بملف التفاوض مع الغرب، خصوصًا منذ دوره البارز في اتفاق 2015 النووي. لذلك، فإن أي طرح يصدر عنه بشأن الانفتاح على مصر يُقرأ بوصفه مؤشرًا على نقاش أوسع داخل النخبة الإيرانية حول شكل التموضع الإقليمي المقبل، لا سيما مع تصاعد القناعة بأن خفض التوتر مع الجوار العربي قد يمنح طهران هامشًا دبلوماسيًا أكبر.
لماذا تبدو مصر مهمة في هذا الطرح؟
بالنسبة إلى القاهرة، لا تُقاس العلاقات الخارجية بمنطق الاصطفاف، بل بميزان الاستقرار الإقليمي وحماية سيادة الدول ومنع اتساع دوائر الصراع. وخلال الشهور الأخيرة، عبّرت مصر رسميًا أكثر من مرة عن دعمها للمسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، مع التشديد على ضرورة مراعاة مصالح دول المنطقة ورفض استخدام القوة في تسوية النزاعات.
الهيئة العامة للاستعلامات في مصر ذكرت في 8 يونيو 2026 أن القاهرة شددت على أهمية التوصل سريعًا إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يراعي شواغل الأطراف المعنية، وفي مقدمتها دول الإقليم، مع التأكيد على احترام السيادة وعدم التدخل واللجوء إلى الحلول السياسية والدبلوماسية. كما رحبت مصر في 15 يونيو 2026 بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الجانبين، واعتبرته تطورًا مهمًا يمكن أن يدعم الأمن والاستقرار إقليميًا ودوليًا.
ومن هذا المنطلق، تبدو الإشارة إلى مصر في طرح ظريف مفهومة؛ فالقاهرة ليست فقط دولة مركزية عربيًا، لكنها أيضًا لاعب نشط في جهود التهدئة واحتواء الأزمات، وتحظى بعلاقات متوازنة مع أطراف إقليمية ودولية متعارضة. كما أن موقعها في ملفات غزة، والبحر الأحمر، وأمن الطاقة، يجعل أي تقارب معها ذا وزن سياسي يتجاوز الإطار الثنائي.
ماذا تقول الوقائع عن الاتصالات المصرية الإيرانية؟
التطورات الرسمية خلال عامي 2025 و2026 تكشف أن قنوات التواصل بين القاهرة وطهران لم تعد مجمدة كما كانت لسنوات. ففي 24 ديسمبر 2025، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالًا مع نظيره الإيراني عباس عراقجي لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتبادل الرؤى بشأن القضايا الإقليمية. ووفق البيانات المصرية الرسمية، ركز الاتصال على خفض التصعيد وبناء الثقة وتهيئة الظروف أمام الحلول الدبلوماسية.
لاحقًا، وفي 26 مايو 2026، تلقى الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أكد خلاله الرئيس المصري دعم القاهرة الكامل للمسار التفاوضي القائم، مع التشديد على أهمية إتاحة الفرصة للحلول الدبلوماسية وتجنب الحسابات الخاطئة. كما أبدى الجانب الإيراني، بحسب البيان المصري، حرصه على تعزيز العلاقات الأخوية مع الدول العربية، وخصوصًا دول مجلس التعاون الخليجي.
هذه الوقائع لا تعني وجود تحالف مصري إيراني بالمعنى التقليدي، لكنها تؤكد وجود مساحة اتصال سياسي قائمة، وهي النقطة التي تجعل تصريحات ظريف قابلة للنقاش العملي، ولو من زاوية اختبار النوايا وقياس فرص التهدئة.
بين التفاوض مع واشنطن والانفتاح على العرب
الفكرة الأساسية في حديث ظريف تبدو واضحة: تحسين شروط إيران التفاوضية لا يعتمد فقط على طاولة الحوار مع الولايات المتحدة، بل أيضًا على تخفيف التوتر مع محيطها العربي والإسلامي. هذا الربط له منطقه السياسي؛ فكلما تراجعت مخاوف الجوار، ضعفت حجج المطالبين بعزل طهران أو تشديد الضغوط عليها.
وفي هذا السياق، دعمت القاهرة رسميًا مواصلة المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران. ففي 30 مايو 2026، بحث وزير الخارجية المصري مع نظيره الإماراتي التطورات الإقليمية، وأكد أهمية استمرار الانخراط الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران. كما رحبت مصر في 18 يونيو 2026 بتوقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين، معربة عن أملها في أن يسهم ذلك في تهيئة بيئة أفضل لمعالجة أزمات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
بالنسبة للمتابع المصري، فإن الأهمية هنا لا تتعلق فقط بالعلاقة الثنائية بين القاهرة وطهران، بل بما إذا كان هذا المسار يمكن أن ينعكس على خفض التوتر في الإقليم، خاصة في لحظة تتقاطع فيها أزمات غزة، وأمن البحر الأحمر، والتوازنات الخليجية، وملف الملاحة في الممرات الحيوية.
هل يمكن أن يتحول الطرح إلى مسار فعلي؟
الإجابة الأقرب هي أن الطريق ما زال معقدًا. فالعلاقات المصرية الإيرانية تتحرك بحذر شديد، وتحكمها اعتبارات أمنية وسياسية أوسع من مجرد الرغبة في التقارب. كما أن القاهرة تضع أولوية واضحة لاحترام سيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي مبادئ كررتها في بياناتها الرسمية بشأن أزمات المنطقة.
ومع ذلك، فإن البيئة الحالية تختلف عن مراحل سابقة. فهناك اعتراف متزايد بأن الصدام المفتوح لم يحقق الاستقرار، وأن أدوات التهدئة والحوار أصبحت أكثر إلحاحًا. ومن هنا، يمكن النظر إلى دعوة ظريف باعتبارها رسالة سياسية تحاول دفع إيران نحو مقاربة أقل صدامية مع محيطها، بدل الاكتفاء بإدارة المواجهة مع القوى الغربية.
- أولًا: مصر تؤيد الحلول السياسية وتعلن دعمها لمسار التفاوض لا التصعيد.
- ثانيًا: التواصل المصري الإيراني قائم بالفعل عبر اتصالات رسمية معلنة.
- ثالثًا: أي تقارب حقيقي سيظل مرتبطًا بسلوك إقليمي مطمئن واحترام سيادة الدول.
- رابعًا: نجاح هذا المسار قد ينعكس على ملفات أكثر إلحاحًا، مثل غزة وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
قراءة مصرية للدعوة
من زاوية مصرية، لا يكفي الحديث عن تحالفات أو شراكات ما لم يُترجم إلى مواقف عملية تخفف حدة الأزمات. لذلك، قد يُنظر إلى طرح ظريف بوصفه اختبارًا سياسيًا: هل تستطيع طهران بالفعل الانتقال من خطاب الانفتاح إلى سياسات تعزز الثقة مع العواصم العربية؟
حتى الآن، المؤكد أن القاهرة تتحرك وفق مقاربة ثابتة تقوم على التهدئة والحلول الدبلوماسية ومنع توسع الصراع. أما دعوة ظريف، فتعكس إدراكًا داخل إيران بأن تحسين العلاقات مع مصر تحديدًا قد يمنحها وزنًا مختلفًا في معادلة الإقليم. وبين الطرح النظري وإمكانية التحول إلى واقع، ستظل المؤشرات الرسمية والتطورات الميدانية هي العامل الحاسم في تحديد الاتجاه المقبل.