دعوى حسابات ترامب البنكية تتعقد بعد دفاع «كابيتال وان»
تطور قضائي جديد في ملف حسابات ترامب البنكية
دخل النزاع القضائي بين منظمة ترامب والرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@potus على إنستغرام) من جهة، ومصرف كابيتال وان من جهة أخرى، مرحلة جديدة بعد أن دفع البنك أمام محكمة اتحادية في ولاية فلوريدا بأن قراره إغلاق أكثر من 300 حساب مصرفي مرتبط بترامب وكيانات تابعة له في عام 2021 لم يكن قرارًا سياسيًا، بل جاء عقب مراجعة داخلية مرتبطة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال. وتكتسب القضية أهمية خاصة لأنها ترتبط بجدل أوسع داخل الولايات المتحدة حول ما يُعرف بـ«الحرمان المصرفي» أو debanking، أي إنهاء البنوك علاقاتها مع عملاء لأسباب تقول المؤسسات المالية إنها تتعلق بالامتثال والمخاطر.
وبحسب بيانات القضية المتاحة في سجلات المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من فلوريدا، فإن الدعوى رُفعت في مارس 2025 باسم The Donald J. Trump Revocable Trust وأطراف أخرى ضد Capital One, N.A.، تحت رقم القضية 1:25-cv-21596. وتُظهر السجلات كذلك أن البنك تقدم بطلب لرفض الدعوى، بينما سبق أن أُشير في تغطيات قانونية ومالية إلى أن المحكمة كانت قد رأت في مرحلة سابقة أن الشكوى بصيغتها الأولى تعاني أوجه قصور إجرائية ويمكن إعادة صياغتها.
ما الذي يقوله البنك؟
جوهر دفاع كابيتال وان يتمثل في أن إغلاق الحسابات لم ينبع من موقف تجاه توجهات ترامب السياسية أو مناخ ما بعد أحداث اقتحام الكونغرس الأمريكي في 6 يناير 2021، وإنما من مراجعة امتثال أجراها فريق مختص بمخاطر غسل الأموال داخل البنك. ووفق ما نُشر عن المذكرة القضائية الأخيرة، قال البنك إن الحسابات أُغلقت لأسباب تتعلق بـAML، وهو الاختصار الشائع لعبارة Anti-Money Laundering أو مكافحة غسل الأموال، مضيفًا أن الإفصاح عن هذه الخلفية جاء في سياق الرد على الدعوى المرفوعة ضده.
هذا الطرح يعني عمليًا أن المؤسسة المصرفية تحاول إقناع المحكمة بأن القرار كان جزءًا من التزاماتها التنظيمية المعتادة، لا فعلًا انتقاميًا أو تمييزيًا. وفي القضايا البنكية داخل الولايات المتحدة، كثيرًا ما تستند المؤسسات المالية إلى قواعد اعرف عميلك، ورصد الأنماط غير الاعتيادية، وتقييم المخاطر القانونية والتنظيمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بعملاء ذوي انكشاف سياسي أو تجاري مرتفع.
وما الذي تقوله منظمة ترامب؟
على الجانب الآخر، اتهمت منظمة ترامب وإريك ترامب البنك في الدعوى بأن إنهاء العلاقات المصرفية كان غير مشروع، وأنه ارتبط بما وصفته الشكوى بمناخ سياسي عدائي تجاه المحافظين بعد أحداث يناير 2021. ووفق ما ورد في ملخصات القضية، فإن الشاكيين تمسكوا بأن إغلاق الحسابات لم يكن مجرد إجراء مصرفي فني، بل مثالًا على استخدام البنوك نفوذها التجاري بما يضر أطرافًا بعينها.
لكن حتى الآن، لا تظهر السجلات العامة المتاحة عبر قواعد متابعة الدعاوى أن المحكمة حسمت نهائيًا أصل الاتهام السياسي نفسه. ما هو مؤكد أن البنك يسعى إلى إسقاط الدعوى، بينما يواصل الدفاع عن مشروعية قراره باعتباره مندرجًا تحت واجباته الرقابية.
لماذا ترتبط القضية بشبهات غسل الأموال؟
من المهم هنا التمييز بين أمرين: الأول هو أن البنك قال إن الإغلاق جاء بعد مراجعة مرتبطة بمكافحة غسل الأموال، والثاني أن ذلك لا يعني تلقائيًا صدور إدانة قضائية أو حكم جنائي ضد ترامب أو أفراد عائلته في هذه القضية بعينها. البنوك الأمريكية ملزمة قانونيًا بوضع أنظمة داخلية لرصد المخاطر والإبلاغ عن الأنشطة المريبة عند الضرورة، كما يحق لها إنهاء العلاقة مع عميل إذا رأت أن مستوى المخاطر لا يتناسب مع سياساتها الداخلية أو التزاماتها التنظيمية.
هذا التفصيل مهم للقارئ المصري أيضًا، لأن التعبير الإعلامي عن «شبهات غسل أموال» قد يُفهم أحيانًا باعتباره إثباتًا للجريمة، بينما الواقع القانوني أكثر تعقيدًا: هناك فرق بين مراجعة امتثال، واشتباه مصرفي، وإدانة قضائية نهائية. في النزاع الحالي، المتاح علنًا يشير إلى دفاع مصرفي مبني على قواعد الامتثال، لا إلى حكم قضائي يثبت جريمة غسل أموال في هذه الدعوى تحديدًا.
خلفية أوسع: ترامب والبنوك الأمريكية
العلاقة بين دونالد ترامب ومؤسسات التمويل الأمريكية ليست جديدة على ساحات المحاكم أو الجدل العام. فاسم ترامب ارتبط خلال السنوات الماضية بعدة نزاعات قانونية وتجارية ومالية، من بينها قضايا تتعلق بالتمويل والإفصاحات المالية وسجلات الحسابات المصرفية. كما أن وثائق قضائية وملفات رقابية سابقة في الولايات المتحدة كانت قد أشارت إلى تدقيق مصرفي موسع في بعض المعاملات والكيانات المرتبطة باسمه، وهو ما جعل أي خطوة تتعلق بحساباته أو حسابات كياناته التجارية تحظى باهتمام إعلامي وسياسي كبير.
وفي مارس 2026، أفادت تقارير مالية بأن دعوى سابقة لمنظمة ترامب ضد كابيتال وان فاينانشال أُسقطت مع السماح بإعادة التقديم بصياغة قانونية أفضل، وهو ما يوضح أن المعركة لم تبدأ بالمذكرة الأخيرة، بل تمتد منذ أشهر داخل القضاء الفيدرالي في ميامي.
ما أهمية القضية خارج الولايات المتحدة؟
رغم أن الوقائع أمريكية خالصة، فإن القضية تهم القارئ العربي والمصري لعدة أسباب. أولها أن الجدل حول التوازن بين الامتثال المصرفي والحقوق التجارية ليس أمريكيًا فقط، بل حاضر في كل الأنظمة المالية الحديثة. وثانيها أن أي نزاع يخص رئيسًا أمريكيًا حاليًا أو سابقًا ينعكس على صورة المؤسسات في واشنطن، من القضاء إلى البنوك إلى هيئات الرقابة.
أما البعد الثالث، فهو اقتصادي وإعلامي: حين يقول بنك كبير إنه أغلق مئات الحسابات لكيانات مرتبطة بشخصية بحجم ترامب بسبب اعتبارات مكافحة غسل الأموال، فإن ذلك يسلط الضوء على مدى حساسية البنوك تجاه المخاطر التنظيمية والسمعة، خصوصًا مع الشخصيات العامة والشركات ذات الحضور السياسي الواسع.
ماذا نعرف بالأرقام والوقائع المؤكدة؟
- أكثر من 300 حساب قال البنك إنها كانت مرتبطة بترامب أو كيانات تابعة له.
- الإغلاق يعود إلى عام 2021، بحسب ما ورد في دفاع البنك.
- الدعوى الحالية رُفعت في مارس 2025 أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من فلوريدا.
- المدعون شملوا The Donald J. Trump Revocable Trust وكيانات أخرى، إلى جانب إريك ترامب.
- البنك يطلب من المحكمة رفض الدعوى على أساس أن القرار كان مشروعًا ومرتبطًا بالامتثال، لا بدوافع سياسية.
السيناريوهات المحتملة
الخطوة التالية ستكون في الغالب مرتبطة بتقييم المحكمة لما إذا كانت ادعاءات منظمة ترامب تكفي قانونيًا للاستمرار في نظر الدعوى، أو أن دفاع البنك بشأن الامتثال ومكافحة غسل الأموال يمنحه غطاءً قانونيًا كافيًا لإنهاء القضية مبكرًا. وقد تختار المحكمة منح المدعين فرصة إضافية لتعديل مرافعاتهم، أو المضي نحو تضييق نطاق الدعوى، أو حتى إسقاطها إذا رأت أن الأساس القانوني غير كافٍ.
وفي كل الأحوال، تبدو القضية مرشحة للبقاء في دائرة الضوء، لأنها تقع عند تقاطع حساس بين السياسة الأمريكية وقواعد الامتثال المالي ومعارك السمعة بين كبار العملاء والبنوك الكبرى.
الخلاصة: ما يتأكد حتى الآن هو أن كابيتال وان يدافع عن نفسه بالقول إن إغلاق مئات الحسابات المرتبطة بمنظمة ترامب جاء بعد مراجعة داخلية تخص مكافحة غسل الأموال، بينما يصر معسكر ترامب على أن المسألة حملت دوافع سياسية. وبين الروايتين، يبقى الحسم النهائي بيد القضاء الفيدرالي الأمريكي، في قضية قد تتحول إلى مرجع مهم في النقاش الأوسع حول حدود سلطة البنوك في إنهاء العلاقات مع العملاء ذوي الحساسية السياسية العالية.