Akhbar Cairo

دمشق تكشف اتصالاتها مع واشنطن قبل قصف مطار أبو الظهور

دمشق: تواصل مع واشنطن قبل الضربة وبعدها

في تطور يكشف جانباً من الكواليس الدبلوماسية المحيطة بالتصعيد في شمال سوريا، قال وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني إن دمشق كانت على اتصال بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل الضربة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور وبعدها، بهدف نقل موقفها الأمني والسياسي والعمل على منع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع. ويأتي هذا التصريح في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد التداخل بين التحركات الإسرائيلية والتركية والأمريكية داخل الملف السوري، وما يتركه ذلك من انعكاسات مباشرة على استقرار المشرق العربي ككل.

أهمية التصريح لا تتوقف عند الإقرار بوجود قناة اتصال مع واشنطن، بل تمتد إلى توقيته أيضاً، إذ يعكس أن الحكومة السورية الجديدة تحاول إدارة الاشتباك الإقليمي بأدوات دبلوماسية موازية للميدان، خصوصاً في ظل تغيرات متسارعة شهدتها البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وهو التاريخ الذي وصفته وسائل إعلام سورية رسمية بأنه بداية مرحلة سياسية مختلفة في علاقات دمشق الخارجية. وفي الأسابيع الأخيرة، برزت مؤشرات متزايدة على انفتاح أمريكي تجاه دمشق، من بينها لقاءات رسمية واتصالات مع مسؤولين أمريكيين، إلى جانب بدء إجراءات أمريكية لإلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب في 8 يوليو 2026.

ماذا حدث في مطار أبو الظهور؟

بحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس، فإن الغارات الإسرائيلية استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في وقت مبكر من يوم الثلاثاء، بعد ساعات من مغادرة وفد تركي كان قد زار الموقع، ما أدى إلى أضرار مادية من دون تسجيل قتلى. ونقلت الوكالة عن مسؤولين سوريين أن الضربة جاءت في سياق حساس مرتبط بالوجود التركي المحتمل في القاعدة، بينما قالت إسرائيل إن الهجوم استهدف منع تغيير ما تصفه بـ"الوضع الأمني القائم" عبر السماح بتمركز قوات تركية هناك. كما وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق والسفير الأمريكي لدى تركيا توماس باراك الضربة بأنها "تصعيد غير ضروري" لا يخدم الاستقرار الإقليمي.

مطار أبو الظهور، الواقع في محافظة إدلب، ليس مجرد منشأة عسكرية عادية؛ فهو نقطة تتقاطع عندها حسابات الأمن الحدودي والنفوذ الإقليمي. وخلال سنوات الحرب، كان المطار قاعدة لعمليات سلاح الجو السوري، قبل أن تتغير أهميته مع تبدل خرائط السيطرة وتزايد حضور الفاعلين الخارجيين. ولهذا فإن استهدافه في هذا التوقيت يقرأه مراقبون بوصفه رسالة سياسية أكثر منه مجرد ضربة تكتيكية محدودة.

أسعد الشيباني في قلب الدبلوماسية السورية الجديدة

يتصدر أسعد حسن الشيباني المشهد الدبلوماسي السوري منذ توليه وزارة الخارجية، وأصبح أحد أبرز وجوه السياسة الخارجية في مرحلة ما بعد الأسد. وتظهر المواد الرسمية السورية أنه حضر سلسلة لقاءات واتصالات دولية خلال 2026، من بينها لقاء مع توماس باراك في إسطنبول يوم 14 يونيو 2026، إلى جانب مشاركته في ملفات إعادة الانفتاح السياسي والاقتصادي. كما وثقت وكالة الأنباء السورية الرسمية نشاطه في استقبال وفود عربية ودولية، بينها الوفد الأردني برئاسة أيمن الصفدي في مطار دمشق الدولي في التاريخ نفسه.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا الحراك الدبلوماسي مهم لأنه يعكس إعادة تشكيل شبكة التوازنات في الجوار العربي، وهي توازنات تمس مباشرة الأمن الإقليمي من شرق المتوسط حتى البحر الأحمر. فكل تصعيد داخل الأراضي السورية يحمل تأثيرات تتجاوز الحدود، سواء عبر ملفات اللاجئين، أو الملاحة، أو ممرات الطاقة، أو طبيعة الاصطفافات بين القوى الإقليمية.

واشنطن بين التهدئة وإعادة التموضع

التواصل الذي أشار إليه الشيباني مع إدارة ترامب ينسجم مع إشارات أوسع على وجود مسار أمريكي جديد تجاه دمشق. فوكالة سانا ذكرت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغ الكونغرس في 8 يوليو 2026 ببدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، في خطوة وصفتها الخارجية السورية بأنها تطور مهم في مسار العلاقات الثنائية. كما أشارت تقارير رسمية سورية إلى لقاءات جمعت الرئيس السوري أحمد الشرع بمسؤولين أمريكيين، بينهم أعضاء في الكونغرس والمبعوث توماس باراك، خلال قمة الناتو في أنقرة الشهر الماضي.

هذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن باتت على مسافة واحدة من جميع اللاعبين، لكنه يوحي بأنها تحاول الإمساك بخيوط التهدئة ومنع انزلاق الساحة السورية إلى صدام مباشر بين حلفاء وشركاء متنافسين. ومن هنا يمكن فهم دلالة أن دمشق حرصت، وفق رواية وزير خارجيتها، على إبلاغ الجانب الأمريكي بمخاوفها قبل الضربة وبعدها، باعتبار أن الولايات المتحدة تبقى طرفاً قادراً على التأثير في حسابات عدة قوى فاعلة على الأرض.

تركيا وإسرائيل: صراع نفوذ فوق الجغرافيا السورية

الشق الأخطر في حادثة أبو الظهور يتمثل في أنها تكشف بوضوح تزايد الاحتكاك غير المباشر بين تركيا وإسرائيل داخل الساحة السورية. فأنقرة تنظر إلى الشمال السوري باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، بينما تراقب تل أبيب أي ترتيبات عسكرية جديدة قرب حدودها أو ضمن موازين القوى الإقليمية الأوسع. وعندما تُقصف قاعدة بعد زيارة وفد تركي لها بساعات، فإن الرسالة لا تبقى سورية داخلية، بل تتحول إلى مؤشر على صراع نفوذ مفتوح، حتى لو بقي تحت سقف الضربات المحسوبة.

في هذا السياق، تبدو دمشق معنية بتثبيت خطاب يقوم على السيادة ورفض التصعيد، مع محاولة استثمار أي نافذة تواصل مع القوى الكبرى لتخفيف الضغط العسكري. وقد سبق للخارجية السورية أن دانت اعتداءات إسرائيلية أخرى، معتبرة أنها تمثل انتهاكاً للقانون الدولي ولسيادة البلاد، فيما تؤكد باستمرار أن الأولوية هي استعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة.

لماذا تهم القصة المتابع المصري؟

رغم أن الخبر يدور في سوريا، فإنه يندرج بوضوح ضمن تغطية أفريقيا والجوار الإقليمي بالنسبة لوسيلة إعلام مصرية، لأن القاهرة تتابع عن قرب أي تغير في البيئة الاستراتيجية المحيطة بالعالم العربي. فاستقرار سوريا يظل جزءاً من معادلة أوسع تشمل أمن الإقليم، والعلاقات العربية-التركية، وحدود التدخل الإسرائيلي، ومستقبل إعادة الإعمار، وحتى فرص استعادة مؤسسات الدولة الوطنية في دول عانت الصراع المسلح.

ومن منظور مصري، فإن أهمية هذه التطورات تكمن في ثلاث نقاط رئيسية:

  • أولاً: اختبار قدرة الدبلوماسية العربية على احتواء التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة أوسع.
  • ثانياً: رصد شكل العلاقة الجديدة بين دمشق وواشنطن، وما إذا كانت ستتحول إلى مسار ثابت أم تبقى رهينة الميدان.
  • ثالثاً: متابعة توازنات النفوذ بين تركيا وإسرائيل داخل سوريا، لما لذلك من انعكاسات على المشهد الإقليمي ككل.

ما الذي يمكن توقعه بعد ذلك؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على تحول حادثة مطار أبو الظهور إلى مواجهة مباشرة أوسع، لكن الوقائع المتاحة تشير إلى أن سوريا ستبقى ساحة اختبار لتفاهمات هشة بين عدة أطراف. وإذا صح أن الاتصالات بين دمشق وواشنطن سبقت الضربة وتلتها بالفعل، فإن ذلك يعني أن المسار الدبلوماسي لم ينقطع رغم التصعيد، وأن هناك إدراكاً لدى الأطراف المعنية بأن كلفة الانفلات العسكري ستكون كبيرة.

وفي المحصلة، يكشف تصريح أسعد حسن الشيباني عن معادلة جديدة في سوريا: دولة تحاول إعادة تثبيت موقعها السياسي، وقوى إقليمية تتصارع على النفوذ، وواشنطن تسعى إلى إدارة التوازن بدلاً من الانخراط الكامل. أما مطار أبو الظهور، فقد تحول من قاعدة جوية في إدلب إلى عنوان مكثف لصراع أكبر على مستقبل سوريا وموقعها في الإقليم.