Akhbar Cairo

دمشق تواصل محاكمة وسيم الأسد في ملف جرائم الحرب

محاكمة تحمل دلالات سياسية وقضائية في سوريا الجديدة

بدأت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، الأربعاء 15 يوليو 2026، ثاني جلسات محاكمة وسيم الأسد، في قضية تُعد من أكثر الملفات القضائية حساسية داخل سوريا خلال المرحلة الحالية. وتأتي الجلسة الجديدة بعد الجلسة الأولى التي عُقدت يوم 24 يونيو 2026، حين تليت لائحة الاتهام رسميًا بحضور ممثلين عن جهات قضائية ومنظمات حقوقية، في إطار مسار تقول السلطات السورية إنه يندرج تحت عنوان العدالة الانتقالية.

بالنسبة إلى القارئ المصري، تبدو هذه المحاكمة أبعد من مجرد خبر قضائي داخلي؛ فهي تمثل مؤشرًا مهمًا على شكل المرحلة التي تدخلها سوريا بعد سنوات الحرب، وعلى كيفية تعامل مؤسسات الدولة مع اتهامات تمس شخصيات ارتبطت بالنظام السابق وبشبكات النفوذ الأمني والعسكري والاقتصادي.

ما الذي جرى في الجلسة الأولى؟

بحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السورية الرسمية، انطلقت أولى جلسات محاكمة وسيم الأسد في 24 يونيو 2026 داخل قصر العدل بدمشق، برئاسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وعضوية المستشارين عبد الحميد الحمود وحسام عبد الرحمن، وبحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي، إلى جانب النائب العام للجمهورية حسان التربة.

وخلال تلك الجلسة، عرضت المحكمة لائحة اتهام تضمنت اتهامات ثقيلة، من بينها إدارة وتشكيل مجموعات مسلحة غير نظامية منذ عام 2011، والمشاركة في عمليات استهدفت مناطق مدنية في الغوطة الشرقية، ولا سيما بلدة المليحة، إضافة إلى اتهامات تتعلق بحادثة قتل في جرمانا، والتحريض على العنف، والتورط في تهريب المخدرات والاتجار بها، وجرائم سلب وابتزاز. وأوضحت المحكمة أن هذه الوقائع تندرج، وفق توصيف الادعاء، ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فضلًا عن مخالفات لأحكام قانون العقوبات السوري.

وأشارت الوكالة الرسمية أيضًا إلى أن المتهم أنكر أمام المحكمة التهم المنسوبة إليه، بينما عرضت المحكمة تسجيلات مصورة قالت إنها تظهره في أكثر من موقع وهو يتحدث عن مشاركته في القتال ويحمل أسلحة خفيفة ومتوسطة. وبعد ذلك، تقرر رفع الجلسة وتأجيلها إلى 15 يوليو 2026 لاستكمال سماع شهود الحق العام.

لماذا تحظى قضية وسيم الأسد باهتمام واسع؟

الاهتمام بهذه القضية لا يرتبط باسم المتهم فقط، بل بطبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا. فوسيم الأسد يعد من الأسماء المعروفة داخل الدائرة المرتبطة بعائلة الأسد، وبرز اسمه على مدى سنوات الحرب في تقارير واتهامات تتعلق بالنفوذ المسلح والاقتصاد غير الرسمي وشبكات التهريب.

وتكتسب المحاكمة أهميتها أيضًا لأنها تأتي ضمن سلسلة دعاوى قالت وزارة العدل السورية إنها تشمل شخصيات أخرى من عهد النظام السابق، بينهم عاطف نجيب وأحمد بدر الدين حسون ومحمد الشعار وإبراهيم الحويجة. وكانت وزارة العدل قد أعلنت في أبريل 2026 تجهيز قاعة محكمة الجنايات الرابعة في دمشق لاستقبال هذا النوع من القضايا ضمن مسار العدالة الانتقالية.

سياق أوسع من ملف فردي

القضية هنا ليست معزولة. ففي 26 أبريل 2026، بدأت سوريا أولى المحاكمات العلنية لمسؤولين من عهد الرئيس السابق بشار الأسد، وفق ما أوردته وكالة أسوشيتد برس. وأشارت الوكالة إلى أن هذه الخطوات جاءت بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، وسط ضغوط داخلية وخارجية لدفع مسار المحاسبة وكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا.

هذا السياق يفسر لماذا تتابَع قضية وسيم الأسد ليس فقط بوصفها محاكمة لشخص واحد، ولكن باعتبارها اختبارًا لقدرة القضاء السوري على إدارة ملفات معقدة تمس سنوات الحرب والانتهاكات الواسعة التي خلفها النزاع.

تفاصيل مرتبطة بملف القبض والإجراءات

وفق البيانات الرسمية السورية، أُلقي القبض على وسيم الأسد في 21 يونيو 2025 عند الحدود السورية اللبنانية، في عملية أمنية نُفذت بالتعاون بين وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة. ومنذ ذلك الحين، أصبح من بين الأسماء القليلة المرتبطة بالنظام السابق التي مثلت حضوريًا أمام القضاء السوري في قضايا ذات طابع كبير وحساس.

ومن النقاط اللافتة في الجلسة الأولى أن البث المباشر للمحاكمة أُوقف بعد تلاوة لائحة الاتهام، وأوضحت وزارة العدل أن القرار جاء ضمن برنامج حماية الشهود، مع استمرار نظر الدعوى بشكل طبيعي داخل القاعة. وهذا الإجراء يعكس محاولة الموازنة بين العلنية من جهة، وحماية الشهادات والمشاركين في القضية من جهة أخرى.

ماذا تعني هذه التطورات عربيًا؟

في الإطار العربي الأوسع، تمثل هذه المحاكمات تطورًا لافتًا في المشهد السوري بعد سنوات طويلة كانت فيها المطالب بالمحاسبة تصطدم بالواقع السياسي والعسكري. ومن منظور مصري، فإن متابعة هذه التطورات مهمة لأن استقرار سوريا يظل عنصرًا مؤثرًا في معادلة الإقليم، سواء على مستوى الأمن أو عودة المؤسسات أو إعادة بناء الدولة.

كما أن المضي في محاكمات علنية قد يفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بمآلات بقية الملفات: هل ستقتصر على بعض الشخصيات التي تم توقيفها بالفعل؟ أم ستتوسع لتشمل مسؤولين آخرين جرت الإشارة إليهم في الدعاوى العامة؟ حتى الآن، لا توجد إجابات نهائية، لكن المؤكد أن جلسة 15 يوليو 2026 تؤكد استمرار المسار القضائي بدل بقائه في إطار الوعود السياسية فقط.

أبرز ما نعرفه حتى الآن

  • تاريخ الجلسة الأولى: 24 يونيو 2026.
  • تاريخ الجلسة الثانية: 15 يوليو 2026.
  • المحكمة المختصة: محكمة الجنايات الرابعة في دمشق.
  • أبرز التهم: جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، تشكيل مجموعات مسلحة، استهداف مناطق مدنية، تهريب مخدرات، سلب وابتزاز.
  • تاريخ القبض عليه: 21 يونيو 2025 على الحدود السورية اللبنانية.
  • سياق القضية: جزء من مسار العدالة الانتقالية ومحاكمة شخصيات من عهد النظام السابق.

الخطوة التالية في القضية

حتى لحظة انعقاد الجلسة الثانية، يتركز الاهتمام على سماع شهود الحق العام، وهي مرحلة مفصلية في أي دعوى من هذا النوع، لأنها تنتقل بالقضية من عرض الاتهامات إلى اختبار الأدلة والروايات أمام المحكمة. وإذا استمرت الجلسات بوتيرتها الحالية، فستكون قضية وسيم الأسد من بين أبرز القضايا التي ترسم ملامح العلاقة بين القضاء السوري وملف الانتهاكات خلال سنوات الحرب.

وفي المحصلة، فإن محاكمة وسيم الأسد ليست مجرد خبر محلي من دمشق، بل حدث عربي يتصل بأسئلة العدالة والمساءلة وإعادة بناء الدولة في واحدة من أكثر دول المنطقة تعرضًا للاهتزاز خلال العقد الأخير.