Akhbar Cairo

دوف لاندو يثير عاصفة في إسرائيل بهجومه على الصهيونية

تصريحات دوف لاندو تفجّر سجالًا جديدًا داخل إسرائيل

أعاد الحاخام الإسرائيلي دوف لاندو، أحد أبرز قادة التيار الحريدي الليتواني في إسرائيل، إشعال الجدل داخل الساحة الدينية والسياسية بعد تداول تسجيلات وتصريحات منسوبة إليه هاجم فيها الصهيونية وخصوصًا التيار الصهيوني الديني، معتبرًا أن المشروع الصهيوني كان سببًا في تعميق العداء العربي لليهود، ومطلقًا عبارات صادمة بشأن غياب تفسير لديه لعدم توحّد العرب لاجتياح البلاد كلها. هذه التصريحات أثارت ردود فعل حادة داخل إسرائيل، لأنها صدرت عن شخصية ذات ثقل روحي وسياسي داخل معسكر الحريديم، ومرتبطة بشكل وثيق بحزب ديغل هتوراه، أحد مكونات تحالف يهدوت هتوراه.

وتُظهر التغطيات الإسرائيلية أن لاندو، وهو رئيس يشيفا سلوبودكا في بني براك، كرر في أكثر من مناسبة موقفه العقائدي الرافض للصهيونية الحديثة، معتبرًا أن الدولة أُقيمت على أساس علماني يتعارض مع رؤيته الدينية، وأنها ساهمت في مفاقمة الصدام مع العرب بدل تجنبه. كما هاجم الجنود المحسوبين على الصهيونية الدينية، في امتداد واضح للخصومة الفكرية القديمة بين الحريديم غير الصهاينة والتيار الديني القومي داخل إسرائيل.

من هو دوف لاندو؟

يُنظر إلى دوف لاندو في إسرائيل باعتباره أحد أهم المراجع الروحية لليهود الحريديم من التيار الليتواني، وهو تيار محافظ يرفض، على المستوى الفكري، منح الصهيونية شرعية دينية. وبرغم أن الحريديم يشاركون في السياسة عبر أحزابهم، فإن قطاعات واسعة منهم ما زالت تنظر إلى الدولة الحديثة باعتبارها كيانًا سياسيًا لا يمثل الخلاص الديني بالمعنى العقدي. لهذا السبب، لا تُقرأ تصريحات لاندو باعتبارها رأيًا فرديًا عابرًا، بل بوصفها نافذة على أزمة أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي بين الدولة القومية والمرجعية الدينية الحريدية.

وتكشف متابعات الصحافة الإسرائيلية أن اسم لاندو برز بقوة خلال العامين الأخيرين في ملف تجنيد طلاب المدارس الدينية، إذ قاد مواقف متشددة ضد التحاق الحريديم بالجيش، ووجّه رسائل علنية تدعو طلاب المعاهد الدينية إلى عدم الاستجابة لاستدعاءات التجنيد. هذا السياق يفسر لماذا اكتسبت تصريحاته الأخيرة صدى مضاعفًا: فهي لا تمس فقط الجدل الأيديولوجي حول الصهيونية، بل تضرب أيضًا في قلب النقاش الإسرائيلي حول الحرب والجيش والهوية.

لماذا عادت الأزمة الآن؟

التوقيت ليس تفصيلًا ثانويًا. فإسرائيل تعيش منذ شهور أزمة سياسية ودستورية متصلة بملف إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، وهو ملف تسبب في توتر متكرر داخل الائتلافات الحاكمة، ولا سيما بين الأحزاب الحريدية وحلفائها من اليمين القومي والديني. وفي هذا المناخ، تبدو هجمات لاندو على الصهيونية الدينية وكأنها رسالة مزدوجة: اعتراض عقدي على المشروع الصهيوني من جهة، وضغط سياسي على الدولة ومؤسساتها العسكرية من جهة أخرى.

مواقع إسرائيلية عدة نقلت أن لاندو اعتبر أن الصهيونية «جعلت العرب يكرهوننا»، وأن الحكم العربي كان قد يكون أقل سوءًا من قيام دولة صهيونية بصيغتها الحالية. كما نُسبت إليه انتقادات مباشرة لفكرة إرسال الجنود إلى الحرب «من أجل شرف الدولة»، وهي صياغات فُهمت على أنها مساس بشرعية السردية الوطنية الإسرائيلية نفسها، لا مجرد خلاف بين مدارس دينية.

الانقسام بين الحريديم والصهيونية الدينية

بالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو المشهد متشابكًا لأن الطرفين ينتميان ظاهريًا إلى المعسكر اليهودي المتدين، لكن الفارق كبير. الحريديم، وخصوصًا التيار الليتواني، يتعاملون مع الدولة الإسرائيلية بوصفها واقعًا سياسيًا يمكن التفاوض معه أو الاستفادة منه، لكن من دون تبني الأساس الأيديولوجي الصهيوني. في المقابل، يرى التيار الصهيوني الديني أن الدولة والاستيطان والخدمة العسكرية تحمل قيمة دينية ووطنية معًا.

هذا الخلاف انفجر مرارًا حول التجنيد، والمناهج التعليمية، والمشاركة في مؤسسات الدولة، وحتى تعريف «اليهودية» في المجال العام. لذلك، فإن هجوم لاندو لم يكن مجرد جدل لاهوتي، بل كشف مرة أخرى هشاشة التحالفات داخل إسرائيل، خاصة حين يتعلق الأمر بالحرب أو توزيع الأعباء داخل المجتمع. ومن هنا جاءت حدة الردود من شخصيات وأوساط قريبة من الصهيونية الدينية، التي رأت في تلك التصريحات إهانة للجنود القتلى وللعائلات التي تقدم أبناءها للخدمة العسكرية.

أبعاد سياسية تتجاوز المؤسسة الدينية

الأهمية السياسية لتصريحات لاندو ترتبط أيضًا بوزن الحريديم داخل المعادلة الحزبية الإسرائيلية. فالأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها يهدوت هتوراه وشاس، غالبًا ما تكون بيضة القبان في تشكيل الحكومات أو إسقاطها. وعندما يتحدث مرجع بحجم لاندو بهذا الوضوح ضد الصهيونية، فإن الرسالة لا تتوقف عند الجدل الفكري، بل تمتد إلى مستقبل التحالفات بين الحريديم واليمين القومي بزعامة بنيامين نتنياهو.

وقد أظهرت تقارير إسرائيلية خلال 2026 تصاعد الخلافات بين قادة الحريديم والحكومة على خلفية قانون التجنيد، مع تراجع الثقة المتبادلة بين بعض المرجعيات الحريدية ورئيس الوزراء. هذا يجعل تصريحات لاندو جزءًا من مناخ أوسع عنوانه: الحريديم يريدون نفوذًا سياسيًا وميزانيات وضمانات لطلاب المعاهد الدينية، لكنهم في الوقت نفسه يواصلون مهاجمة الأساس الأيديولوجي للدولة التي يشاركون في حكوماتها.

لماذا يهم هذا التطور في التغطية الإقليمية؟

إدراج هذه القصة ضمن تغطية أفريقيا لا يأتي من باب الجغرافيا المباشرة فحسب، بل من زاوية تأثير التحولات داخل إسرائيل على محيطها الإقليمي الممتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وشمال أفريقيا. فكلما تعمقت الانقسامات البنيوية داخل المجتمع الإسرائيلي بين العسكري والديني، وبين القومي والحريدي، انعكس ذلك على قرارات الحرب والسلم وعلى صورة الدولة في الإقليم.

ومن منظور مصري، فإن متابعة مثل هذه التصريحات مهمة لفهم كيف تتصدع سردية «الإجماع الإسرائيلي» من الداخل. فحين يهاجم زعيم حريدي بارز الصهيونية نفسها، ويحملها مسؤولية مآلات خطيرة في العلاقة مع العرب، فهذا يكشف أن الخلاف داخل إسرائيل لم يعد يقتصر على السياسات، بل وصل إلى أصل الفكرة المؤسسة للدولة الحديثة.

خلاصة المشهد

الضجة التي أثارها دوف لاندو لا يمكن اختزالها في عبارة مستفزة أو تسجيل مسرب. نحن أمام حدث يعكس صراعًا قديمًا يتجدد اليوم بحدة أكبر: من يعرّف إسرائيل؟ هل هي دولة قومية حديثة يقوم جيشها بدور مركزي في الهوية العامة؟ أم كيان سياسي يضطر الحريديم إلى التعامل معه من دون الاعتراف بشرعيته الفكرية؟

في المدى القريب، يبدو أن تصريحات لاندو ستضيف وقودًا جديدًا إلى الجدل حول التجنيد وعلاقة الحريديم بالدولة. أما في المدى الأوسع، فهي تذكير بأن الانقسام الداخلي الإسرائيلي ليس تفصيلًا هامشيًا، بل أحد مفاتيح فهم السياسة الإسرائيلية الراهنة، وكيفية تعاملها مع محيطها العربي والإفريقي في السنوات المقبلة.

أبرز النقاط في القضية

  • دوف لاندو يُعد من أبرز قادة التيار الحريدي الليتواني في إسرائيل.
  • تصريحاته الأخيرة هاجمت الصهيونية وحمّلتها مسؤولية تعميق العداء العربي لليهود.
  • الجدل تزامن مع أزمة متصاعدة بشأن تجنيد الحريديم.
  • الخلاف بين الحريديم والصهيونية الدينية يمس الجيش والهوية والدولة.
  • القضية تكشف تصدعًا بنيويًا داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل.