Akhbar Cairo

ديون الجيش الإسرائيلي تضغط على تصنيع السلاح والجاهزية

أزمة تمويل داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتجاوز الحسابات التقليدية

لم تعد أزمة التمويل داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية مجرد خلاف بيروقراطي بين وزارة المالية ووزارة الدفاع، بل تحولت إلى مؤشر كاشف على حجم الاستنزاف الذي فرضته الحرب الممتدة وتعدد الجبهات. فوفق تقارير منشورة في 3 سبتمبر 2026، تجاوزت الديون المستحقة على الجيش وشبكة التوريد الدفاعية أكثر من 15 مليار شيكل، مع تحذيرات من انعكاس ذلك مباشرة على الجاهزية القتالية، وخصوصا في سلاح المدرعات وإنتاج الذخائر. هذه النقطة تحديدا هي ما يجعل الخبر مهما للقارئ المصري والعربي: نحن لا نتحدث عن رقم مالي معزول، بل عن خلل يضرب صميم القدرة على إدامة العمليات العسكرية لفترة طويلة.

المعطيات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي، والتي أعادت وسائل إعلام عربية ومصرية نشرها في اليوم نفسه، تشير إلى أن نقص التمويل وصل إلى مستوى أثر بالفعل على توافر قطع الغيار لبعض كتائب الدبابات، بالتوازي مع مخاوف من تعطل أو تباطؤ في خطوط إنتاج ذخائر مهمة، بينها قذائف مخصصة لدبابات ميركافا. كما نُقل عن مصادر عسكرية أن الديون المستحقة للصناعات الدفاعية تجاوزت 15 مليار شيكل، وهو رقم يتقاطع مع تقديرات سابقة تحدثت عن ديون بنحو 15.5 مليار شيكل على وزارة الدفاع لصالح كبرى الشركات العسكرية الإسرائيلية.

لماذا تبدو الأزمة أخطر من مجرد عجز نقدي؟

القراءة السطحية قد تعتبر أن المسألة قابلة للحل بمجرد تحويلات مالية إضافية من الحكومة. لكن الواقع أكثر تعقيدا. فالصناعات العسكرية لا تعمل بمنطق الشراء الفوري فقط؛ بل تعتمد على تعاقدات ممتدة، وسلاسل توريد دقيقة، وتخطيط إنتاج سابق لسنوات. وعندما تتأخر المدفوعات، لا تتوقف المشكلة عند الحسابات الختامية، وإنما تمتد إلى قرارات شراء المواد الخام، وتثبيت العمالة الفنية، وحجز طاقات المصانع، وحتى قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار كموردين من الباطن.

في هذا السياق، برز اسم إلبيت سيستمز بوصفها أحد أبرز اللاعبين في صناعة الذخائر والمنظومات البرية داخل إسرائيل. الشركة ما زالت تعلن في بياناتها الرسمية عن نشاط تشغيلي واسع وصفقات كبيرة؛ إذ ذكرت في إفصاحات حديثة أن عدد موظفيها يتجاوز 21 ألفا، وأن إيراداتها في الربع الثاني من 2026 بلغت 2.287 مليار دولار، بينما وصل سجل الطلبيات المتراكمة إلى 32 مليار دولار. لكن اتساع أعمال الشركة لا ينفي أن تأخر السداد الحكومي يضغط على وتيرة الإنتاج المحلي، خصوصا عندما ترتبط الطلبيات باحتياجات حرب جارية لا تحتمل التأجيل.

من قذائف المدفعية إلى الذخائر الذكية: ما الذي يهدده تعطل التمويل؟

اللافت أن وزارة الدفاع الإسرائيلية نفسها كانت قد شددت في بيانات رسمية سابقة على أهمية توسيع الإنتاج المحلي للذخائر. ففي 31 يناير 2023 أعلنت التعاقد على عشرات آلاف قذائف المدفعية عيار 155 ملم من إلبيت، ووصفت خط إنتاج القذائف بأنه “أساسي”. ثم واصلت الوزارة خلال 2024 و2025 و2026 الإعلان عن صفقات إضافية لذخائر أرضية وجوية وأنظمة اعتراضية وليزر دفاعي، بما فيها اتفاق في مارس 2025 بقيمة تقارب 2 مليار شيكل لتوسيع الإنتاج التسلسلي لمنظومة “الشعاع الحديدي” بالتعاون مع رافائيل وإلبيت. هذا السجل الرسمي يوضح أن إسرائيل راهنت خلال السنوات الأخيرة على توسيع القدرة التصنيعية المحلية، لكن هذا الرهان نفسه يصبح عبئا إذا لم يتوافر التمويل المنتظم.

بمعنى آخر، كلما زاد الاعتماد على الإنتاج المحلي لتعويض الاستهلاك في الحرب، زادت حساسية المنظومة لأي اختناق مالي. وإذا صحت التحذيرات الخاصة بتوقف إنتاج بعض القذائف أو تباطؤه خلال أيام أو أشهر، فإن أثر ذلك لن يبقى داخل دفاتر الشركات، بل سينعكس على وتيرة التعويض، وعلى مخزونات الذخيرة، وعلى مرونة الجيش في إدارة حرب استنزاف طويلة.

الخلاف بين الجيش ووزارة المالية: صراع أولويات لا أرقام فقط

خلال صيف 2026، ظهرت بوضوح ملامح مواجهة بين المؤسسة العسكرية ووزارة المالية الإسرائيلية حول موازنة الدفاع. تقارير منشورة في أواخر أغسطس أشارت إلى أن الإنفاق الدفاعي اقترب من 184 مليار شيكل، مع طلبات لزيادات إضافية كبيرة لتمويل إعادة بناء المخزون، واستدعاء الاحتياط، وشراء الذخائر وقطع الغيار. وفي يونيو 2026 تحدثت تقارير اقتصادية عن سعي الجيش ووزارة الدفاع إلى رفع موازنة 2026 إلى 184 أو 188 مليار شيكل، مقارنة بمستوى قائم عند 144 مليار شيكل بعد زيادات استثنائية مرتبطة بالحرب.

هذه الفجوة تعكس معضلة استراتيجية: الجيش يريد تمويلا فوريا لتأمين حرب متعددة الجبهات، بينما تخشى وزارة المالية من تثبيت التزامات ضخمة تضغط على الاقتصاد المدني والعجز العام لسنوات. من زاوية تحليلية، لا يبدو الخلاف هنا تقنيا فقط؛ بل هو تعبير عن سؤال أكبر داخل إسرائيل: إلى أي مدى يمكن للاقتصاد أن يتحمل “عسكرة” الإنفاق العام دون كلفة اجتماعية ومالية ثقيلة؟

ماذا تكشف الأزمة عن هشاشة نموذج “الاكتفاء الدفاعي”؟

روّجت إسرائيل طويلا لفكرة امتلاك قاعدة صناعية عسكرية مرنة وقادرة على تلبية الاحتياجات المحلية والتصدير في آن واحد. لكن الوقائع الأخيرة توحي بأن هذا النموذج يظل مشروطا بتدفق مالي ثابت من الدولة، وبإدارة دقيقة لأولويات الحرب. صحيح أن الشركات الكبرى مثل إلبيت ورافائيل والصناعات الجوية الإسرائيلية تستفيد من الطلب العالمي على السلاح، إلا أن تقارير اقتصادية إسرائيلية تحدثت أيضا عن ضغط واضح على الموردين الأصغر، وتأخر في تدفق الطلبيات أو المدفوعات إليهم.

وهنا تكمن المفارقة: القطاع الذي يبدو من الخارج مزدهرا قد يحمل في داخله اختناقات حادة. الشركات الكبرى تستطيع امتصاص الصدمة لفترة أطول، لكن الموردين الأصغر هم الحلقة الأضعف، وأي تعثر لديهم قد ينعكس على السلسلة بأكملها. لهذا لا يمكن قراءة خبر الديون بوصفه أزمة محاسبية تخص الجيش وحده؛ بل باعتباره إنذارا مبكرا بشأن استدامة منظومة التصنيع العسكري نفسها.

كيف يقرأ القارئ المصري هذا التطور؟

من منظور مصري، تتجاوز أهمية التطور كونه خبرا عن الاقتصاد الإسرائيلي. فكل تراجع في القدرة على تعويض الذخائر وقطع الغيار يعني أن طول أمد الحرب يفرض كلفة حقيقية على البنية العسكرية الإسرائيلية، مهما بدا التفوق التكنولوجي كبيرا. كما أن ربط الجاهزية بمسألة الدين والميزانية يكشف أن القوة العسكرية ليست منفصلة عن قدرة الدولة على التمويل، ولا عن تحمل الاقتصاد والمجتمع لأعباء الحرب المفتوحة.

الرسالة الأهم في هذا المشهد أن الحروب الطويلة لا تُقاس فقط بما يجري على الجبهات، بل أيضا بما يحدث داخل المصانع والخزائن العامة. وإذا كان الجيش الإسرائيلي قد اضطر إلى التحذير من نقص قطع الغيار واحتمال اضطراب إنتاج الذخائر، فإن ذلك يشي بأن الاستنزاف تجاوز الميدان إلى البنية الإنتاجية والمالية التي تقوم عليها القوة العسكرية.

خلاصة تحليلية

الأزمة الحالية تكشف ثلاث حقائق مترابطة. الأولى أن ديونًا تتجاوز 15 مليار شيكل لم تعد رقما يمكن عزله عن الأداء العسكري اليومي. الثانية أن الاعتماد على الصناعات المحلية لا يحل المشكلة تلقائيا إذا كانت الدولة نفسها متأخرة في السداد. والثالثة أن الصراع على موازنة الدفاع في إسرائيل خلال 2026 ليس خلافا إداريا محدودا، بل عنوانا لأزمة أعمق بين ضرورات الحرب وحدود الاقتصاد.

وعليه، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت إسرائيل قادرة على شراء المزيد من السلاح فقط، بل ما إذا كانت قادرة على تمويل وتيرة الحرب نفسها من دون إرباك متزايد في خطوط الإنتاج، والمخزون، والجاهزية البرية. وهذه، في تقديرنا، هي الزاوية الأهم لفهم خبر الديون: ليس بوصفه خبرا ماليا، بل بوصفه علامة على حدود القوة حين يطول زمن الحرب.