رسالة فلسطينية عاجلة للكنائس: أنقذوا الوجود المسيحي
فلسطين ترفع نداءً جديدًا إلى الكنائس العالمية
عاد ملف الوجود المسيحي في فلسطين إلى صدارة المشهد السياسي والكنسي، بعدما وجّهت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، برئاسة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رمزي خوري، دعوة عاجلة إلى كنائس العالم للتحرك ميدانيًا وسياسيًا، بما في ذلك تنظيم زيارات مباشرة إلى الأراضي الفلسطينية، للاطلاع على أوضاع الفلسطينيين المسيحيين وما يواجهونه من ضغوط متزايدة في القدس والضفة الغربية. وتطرح الرسالة الفلسطينية مقاربة واضحة مفادها أن حماية المسيحيين لا يمكن فصلها عن حماية الفلسطينيين عمومًا من التهجير والعنف وتقييد الحركة والاعتداء على المقدسات.
التحرك الفلسطيني الأخير لا يأتي من فراغ؛ فخلال الأشهر الماضية كررت اللجنة الرئاسية الفلسطينية التحذير من استهداف الوجود المسيحي التاريخي، معتبرة أن اعتداءات المستوطنين، والقيود المفروضة على الوصول إلى أماكن العبادة، والضغوط الواقعة على البلدات ذات الحضور المسيحي، تخلق بيئة تدفع نحو مزيد من الهجرة وتضعف استمرارية هذا الوجود في أرضه الأصلية. وقد دعت اللجنة، في رسالة منشورة في 1 فبراير 2026، الكنائس والمؤسسات المسيحية في العالم إلى اتخاذ موقف علني والضغط لتوفير حماية فعلية للمدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم المسيحيون.
لماذا تعتبر فلسطين أن الخطر يتجاوز البعد الديني؟
الرسالة الفلسطينية تحاول نقل النقاش من إطار «أمن الأقليات» الضيق إلى إطار أوسع يرتبط بالحقوق الوطنية والإنسانية. فبحسب اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس، فإن ما تتعرض له المناطق الفلسطينية، وخاصة القدس ومحيط بيت لحم وبلدات مثل الطيبة وبيت ساحور وبير زيت والمخرور، ليس أحداثًا معزولة، بل جزء من ضغوط ميدانية تشمل الاستيطان، ومحاولات الاستيلاء على الأراضي، والاعتداءات على رجال الدين، وقيودًا على ممارسة الشعائر، وهي عوامل تهدد المجتمع الفلسطيني ككل، وتنعكس بصورة خاصة على التجمعات المسيحية التاريخية.
وفي 1 يونيو 2026، حذّر رمزي خوري من تصاعد الاستيطان والتهجير القسري، وقال إن عدد المستوطنين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تجاوز 800 ألف، معتبرًا أن هذا التوسع يبدل الجغرافيا الفلسطينية ويضيق على القرى والبلدات، بما فيها المناطق ذات الحضور المسيحي القديم. هذا الرقم يتقاطع مع ما تتابعه هيئات أممية من استمرار ملف الاستيطان على أجندة مجلس حقوق الإنسان في عام 2026.
دعوة إلى الزيارة الميدانية بدل الاكتفاء بالبيانات
أحد أبرز ما يميز الرسالة الفلسطينية هو الإصرار على أن يزور قادة الكنائس الأراضي الفلسطينية بأنفسهم، لا سيما القدس وبيت لحم ومحيطهما، وأن يلتقوا مباشرة بالرعايا المحلية ورجال الدين والمؤسسات الكنسية. هذا التوجه اكتسب زخمًا خلال 2026، مع تزايد الزيارات والاتصالات الكنسية الدولية. فمجلس الكنائس العالمي أعلن في يونيو 2026 أن لجنته التنفيذية لم تتمكن من الاجتماع في بيت لحم كما كان مقررًا بسبب القيود وصعوبات الوصول، وهو ما اعتبره انعكاسًا مباشرًا للتحديات التي تواجه الأرض المقدسة، بما في ذلك تقييد وصول الحجاج والوفود الكنسية إلى فلسطين.
كما شهدت الفترة نفسها زيارات كنسية تضامنية، من بينها زيارة رعوية إلى غزة في 22 يونيو 2026 قام بها البطريرك ثيوفيلوس الثالث والكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، في خطوة عكست رغبة بعض القيادات المسيحية في الحضور الميداني إلى جانب الكنائس المحلية. كذلك أشار مجلس الكنائس العالمي إلى زيارة رئيس أساقفة كانتربري إلى القدس وبيت لحم وبير زيت في 25 يونيو 2026، حيث التقت بمسيحيين فلسطينيين ومسؤولين كنسيين في المنطقة.
القدس في قلب التحذير الفلسطيني
بالنسبة للفلسطينيين، تبقى القدس مركز القلق الأكبر في ملف الوجود المسيحي، ليس فقط لرمزيتها الدينية، بل لأنها تضم مؤسسات كنسية تاريخية وأحياءً ومقدسات مرتبطة بجذور المسيحية العربية في فلسطين. وخلال أبريل 2026، جدّد مجلس الكنائس العالمي دعوته إلى ضمان الوصول غير المقيّد إلى الأماكن المقدسة في القدس، بعد تقارير عن عنف وقيود طالت محتفلين مسيحيين خلال مناسبة «سبت النور» في كنيسة القيامة يوم 11 أبريل 2026.
ومن منظور فلسطيني، فإن هذه الوقائع تدعم الفكرة الأساسية التي تحملها الرسالة: أن الدفاع عن حرية العبادة للمسيحيين في القدس لا ينفصل عن مواجهة القيود المفروضة على الفلسطينيين في المدينة وفي محيطها. وتؤكد وثائق أممية سابقة وحديثة استمرار المخاوف المتعلقة بحرية الوصول إلى أماكن العبادة للمسيحيين والمسلمين الفلسطينيين في القدس والأراضي المحتلة.
بيت لحم والبلدات المسيحية بين الصمود والهجرة
في الوعي العربي، وخصوصًا لدى القارئ المصري، ترتبط بيت لحم بصورة الميلاد والرمزية الدينية، لكن الخطاب الفلسطيني الحالي يلفت الانتباه إلى أن المدينة والبلدات المحيطة بها تواجه أيضًا ضغوطًا معيشية وسياسية وأمنية متواصلة. وخلال لقائه أمين عام مجلس الكنائس العالمي في 13 فبراير 2026، قال رمزي خوري إن الوجود المسيحي في بيت لحم وفلسطين عامة يواجه تحديات وضغوطًا متصاعدة تهدد استمراريته التاريخية، معتبرًا أن التضامن الكنسي الدولي يجب أن يتحول إلى حضور ودعم ومرافعة سياسية وأخلاقية.
وتحاول الرسالة الفلسطينية هنا مخاطبة الكنائس بلغتها الخاصة: الحفاظ على الوجود المسيحي لا يكون فقط عبر التنديد، بل عبر حماية الإنسان والأرض والمؤسسات التعليمية والصحية والرعوية، ومنع الظروف التي تدفع العائلات إلى الرحيل. لذلك تشدد اللجنة على رفض أي سياسات تؤدي إلى تقويض الوجود التاريخي للمسيحيين الفلسطينيين أو التعامل مع قضيتهم باعتبارها شأنًا منفصلًا عن القضية الفلسطينية الأوسع.
ما الذي تطلبه فلسطين من الكنائس العالمية؟
الخطاب الفلسطيني الموجّه إلى الكنائس في العالم يتركز حول عدة مطالب عملية، وليس مجرد تعبيرات تضامن عامة:
- تنظيم زيارات كنسية ودبلوماسية إلى القدس وبيت لحم والضفة الغربية للاطلاع على الأوضاع مباشرة.
- الضغط من أجل حماية المدنيين الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات وفق القانون الدولي.
- الدفاع عن حرية العبادة والوصول إلى المقدسات للمسيحيين والمسلمين على السواء.
- مساندة صمود الكنائس والمؤسسات المسيحية في الأرض الفلسطينية وعدم تركها تواجه الضغوط وحدها.
- رفض التهجير والاستيطان باعتبارهما عاملين مباشرين في تقليص الوجود الفلسطيني، بما فيه الوجود المسيحي.
وتعكس هذه المطالب مسارًا فلسطينيًا أوسع ظهر أيضًا في لقاءات أوروبية عقدتها اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في مايو 2026 داخل البرلمان الأوروبي وفي بروكسل، حيث جرى عرض ملف استهداف الوجود المسيحي الفلسطيني بوصفه جزءًا من واقع الاحتلال والاستيطان والاعتداء على المقدسات.
رسالة موجهة إلى الرأي العام العربي أيضًا
ورغم أن النداء موجه رسميًا إلى الكنائس العالمية، فإنه يحمل أيضًا رسالة إلى الرأي العام العربي، ومنه المصري، مفادها أن المسيحيين الفلسطينيين جزء أصيل من النسيج الوطني الفلسطيني، وأن الدفاع عنهم ليس قضية طائفية ولا ملفًا خاصًا بالمؤسسات الكنسية وحدها. وفي هذا السياق، تبرز محاولة فلسطينية لربط الحضور المسيحي في فلسطين بتاريخ الأرض وهويتها العربية، والتأكيد أن التهديد الذي يطالهم هو في جوهره تهديد للوجود الفلسطيني بأكمله.
لهذا، فإن العبارة التي تتكرر في الخطاب الفلسطيني — أن حماية المسيحيين تبدأ بحماية الفلسطينيين — تبدو تلخيصًا سياسيًا وأخلاقيًا لموقف يزداد حضورًا في 2026: لا يمكن صون كنائس القدس وبيت لحم، ولا بقاء الجماعات المسيحية المحلية، من دون وقف الاعتداءات، وضمان حرية الوصول إلى المقدسات، ومواجهة التهجير والاستيطان، وتأمين حياة كريمة للفلسطينيين على أرضهم. وبين البيانات الدولية والزيارات الميدانية، تراهن فلسطين الآن على أن تتحول القضية من التعاطف إلى الفعل.