رسائل طهران التصعيدية: ردع سياسي أم اقتراب من المواجهة؟
تصريحات إيرانية تعكس مرحلة شديدة الحساسية
عادت لهجة التهديد المتبادل بين طهران وواشنطن إلى الواجهة بعد تداول تصريحات منسوبة إلى مسؤول إيراني كبير تفيد بأن إيران أعدّت خطة شاملة للرد على أي هجوم أمريكي محتمل، مع اعتبار الحديث عن استهداف البنية التحتية الإيرانية نوعًا من “التهور”. وفي قراءة تحليلية، لا تبدو هذه الرسائل مجرد رد فعل إعلامي عابر، بقدر ما تعكس محاولة إيرانية لإعادة تثبيت معادلة الردع بعد أشهر مضطربة شهدت انتقال التوتر من الضغوط الدبلوماسية إلى المواجهة العسكرية المباشرة وغير المباشرة في الإقليم.
أهمية هذه الرسالة أنها لا تنفصل عن مناخ 2025، حين تصاعد الاشتباك السياسي والعسكري حول الملف النووي الإيراني، وتزايدت التحذيرات الأمريكية والإسرائيلية من اقتراب طهران من عتبة نووية أكثر حساسية، بينما تمسكت إيران بحقها في التخصيب ورفضت التفاوض تحت الضغط. الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت قد أصدرت في 31 مايو 2025 تقريرًا عن التحقق والرقابة في إيران، قبل أن يعتمد مجلس محافظي الوكالة في 12 يونيو 2025 قرارًا جديدًا بشأن التزامات طهران الرقابية، وهو ما زاد منسوب التوتر الدولي حول البرنامج النووي الإيراني.
من الكلام إلى الوقائع: ماذا جرى في يونيو 2025؟
لفهم مغزى اللهجة الإيرانية الحالية، ينبغي التوقف عند المحطات التي غيّرت قواعد الاشتباك. ففي 12 يونيو 2025، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في بيان نشره البيت الأبيض إن إسرائيل نفذت تحركًا أحاديًا ضد إيران، وإن الولايات المتحدة “غير منخرطة” في تلك الضربات، مع تحذير واضح من استهداف المصالح أو الأفراد الأمريكيين في المنطقة. هذا النفي الرسمي لم يمنع طهران من التعامل مع المشهد باعتباره جزءًا من بيئة تهديد أوسع تشترك فيها واشنطن وتل أبيب، حتى عندما تختلف مستويات المشاركة المباشرة.
لكن التطور الأكثر حساسية جاء لاحقًا، عندما نشر البيت الأبيض في 22 و25 يونيو 2025 بيانات تؤكد تنفيذ الولايات المتحدة ضربات دقيقة ضد منشآت نووية إيرانية رئيسية، وقدمت الإدارة الأمريكية العملية باعتبارها محدودة وموجهة لتقليص قدرات طهران النووية. وبهذا المعنى، فإن الحديث الإيراني عن خطط رد ضد البنية التحتية الحيوية لإسرائيل وأمريكا في المنطقة لم يعد مجرد افتراض نظري، بل بات جزءًا من خطاب ردعي أعقب مواجهة حقيقية شهدها العام الماضي.
الرسالة الإيرانية: ردع متعدد الطبقات
سياسيًا، تسعى طهران إلى توصيل ثلاث رسائل في وقت واحد. الأولى داخلية، ومفادها أن الدولة لم تُفاجأ بالتصعيد وأن لديها سيناريوهات جاهزة. الثانية إقليمية، ومضمونها أن أي هجوم جديد لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية، بل قد يمتد إلى شبكة المصالح والقواعد والبنى الاستراتيجية المرتبطة بخصومها في المنطقة. أما الثالثة فهي تفاوضية، إذ تستخدم إيران التهديد المنظم لتحسين موقعها في أي مسار دبلوماسي لاحق، سواء تعلق بالعقوبات أو التخصيب أو ترتيبات الأمن الإقليمي.
ومن هنا يمكن قراءة تحركات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (@araghchi على إنستغرام) بوصفها جزءًا من دبلوماسية تتكئ على لغة الصلابة أكثر مما تعكس رغبة مباشرة في الذهاب إلى حرب مفتوحة. عراقجي كان قد شدد في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026 على أن إيران لن تتخلى عن ما تعتبره حقوقها النووية، كما واصلت طهران رفض التفاوض تحت ما تصفه بسياسة “الضغط الأقصى”.
ما الذي تقصده طهران بـ"البنية التحتية الحيوية"؟
المصطلح بحد ذاته مقصود ومرن. فهو يسمح لإيران بإبقاء باب الغموض مفتوحًا حول طبيعة الرد وأدواته وتوقيته. عمليًا، يمكن أن يشمل ذلك أهدافًا عسكرية، أو منشآت طاقة، أو شبكات لوجستية، أو بنى تقنية واتصالية، أو مصالح أمريكية في محيط الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط. وهذه الصياغة تمنح صانع القرار الإيراني مساحة مناورة؛ لأنه يهدد على نطاق واسع من دون أن يربط نفسه مسبقًا بهدف محدد قد يفرض عليه لاحقًا كلفة تنفيذية عالية.
في المقابل، تدرك واشنطن وتل أبيب أن توسيع تعريف الأهداف يرفع بدوره مخاطر سوء التقدير. فكلما اتسعت قائمة الأصول التي تعتبرها إيران مشروعة للرد، زادت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية تشمل الممرات البحرية وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية. وهنا تبرز حساسية المسألة بالنسبة إلى مصر أيضًا، لأن أي اضطراب واسع في الإقليم ينعكس على أمن الملاحة، وكلفة التأمين، وتوازنات الطاقة، ومجمل بيئة الاقتصاد في الشرق الأوسط.
كيف تنظر القاهرة إلى مثل هذا التصعيد؟
من زاوية مصرية، لا يُقاس الخبر فقط بحدة العبارة الإيرانية، بل بما قد يترتب عليه من أثر على الاستقرار الإقليمي. القاهرة تاريخيًا تميل إلى دعم خفض التصعيد، والحفاظ على حرية الملاحة، ومنع انتقال الصدامات إلى ساحات أوسع. لهذا تبدو التهديدات الإيرانية، كما الضربات الأمريكية والإسرائيلية، عنصرًا ضاغطًا على معادلة إقليمية شديدة الهشاشة أصلًا.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إيران قادرة على الرد فقط، بل ما إذا كان الرد — إن وقع — سيظل مضبوطًا أم سيطلق سلسلة ردود متبادلة تضر بالمنطقة كلها. التجارب السابقة في الشرق الأوسط تشير إلى أن الحسابات الدقيقة قد تنهار سريعًا إذا اختلطت الرسائل العسكرية بالأزمات السياسية الداخلية وبالرهانات الانتخابية أو الاستراتيجية لدى الأطراف المختلفة.
هل نحن أمام حرب شاملة أم إدارة حافة الهاوية؟
السيناريو الأرجح، حتى الآن، ليس الحرب الشاملة بقدر ما هو إدارة حافة الهاوية. إيران تريد أن تظهر بمظهر الطرف القادر على الإيلام، لكنها تدرك أيضًا أن المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة ستفرض عليها كلفة هائلة. والولايات المتحدة، رغم استخدامها القوة في يونيو 2025، أرسلت في مراحل مختلفة إشارات بأنها لا تريد حربًا طويلة، بل تسعى إلى منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية وتحصين قواتها ومصالحها في المنطقة.
هذا لا يعني أن الخطر تراجع. على العكس، الخطر الحقيقي يكمن في أن كل طرف بات يعتقد أن رفع سقف التهديد هو الطريق الأفضل لمنع الطرف الآخر من التصعيد. تلك هي مفارقة الردع في الشرق الأوسط: الجميع يتحدث بلغة المنع، لكن النتيجة العملية قد تكون تقريب لحظة الانفجار.
خلاصة تحليلية
التصريحات الإيرانية الأخيرة ليست مجرد انفعال سياسي، بل جزء من معركة أوسع على تعريف قواعد الاشتباك بعد صيف 2025. طهران تحاول القول إنها لم تعد تقبل أن تُضرَب من دون ثمن، وواشنطن تريد تثبيت معادلة تمنع إيران من تطوير برنامجها النووي عسكريًا، بينما تبقى إسرائيل الأكثر ميلًا لدفع الأمور نحو سياسة الضربات الاستباقية.
في المحصلة، ما يجري ليس فقط صراعًا على المنشآت أو الصواريخ، بل صراع على من يملك حق فرض الخطوط الحمراء في الإقليم. وبالنسبة لمصر والمنطقة العربية، فإن المصلحة الأساسية تبقى في احتواء التوتر قبل أن يتحول إلى دورة تصعيد جديدة، لأن كلفة الانفجار لن تقتصر على أطرافه المباشرين، بل ستمتد إلى أمن الطاقة، والملاحة، والاستقرار الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط بأسره.