Akhbar Cairo

رفض نتنياهو يضع خطة ترامب لغزة أمام اختبار حاسم

بين قبول حماس ورفض إسرائيل: أين تعطلت الخطة؟

دخلت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة منعطفاً جديداً بعد أن قبلت حركة حماس إطاراً تفاوضياً يقوم على بدء مسار تدريجي يتعلق بسلاحها، مقابل وقف الهجمات الإسرائيلية وبدء انسحاب من أجزاء من القطاع، بينما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (b.netanyahu على إنستغرام) رفضه للصيغة المطروحة ما لم يسبقها نزع كامل لسلاح الحركة. هذا التباين لا يبدو مجرد خلاف فني على ترتيب البنود، بل يعكس صراعاً سياسياً أعمق على شكل اليوم التالي في غزة، وعلى من يملك حق فرض شروط النهاية.

وبحسب ما نشرته وكالة أسوشيتد برس في 11 أغسطس 2026، قال نتنياهو إن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها داخل غزة، والمقدرة بنحو 60% من القطاع، قبل نزع سلاح حماس بالكامل. في المقابل، قبلت الحركة إطاراً ينص على تخلي تدريجي عن السلاح، مع ربط تسليم الأسلحة الثقيلة بإقامة دولة فلسطينية، وهو شرط ترفضه الحكومة الإسرائيلية الحالية بوضوح. كما أوضحت الوكالة أن هذه الصيغة امتداد لمسار هدنة أُعلن عنها في أكتوبر 2025، لكنها تعثرت لاحقاً في ملفات الانسحاب والترتيبات الأمنية وإعادة الإعمار.

لماذا يرفض نتنياهو الآن؟

من منظور سياسي، لا يمكن قراءة موقف نتنياهو بعيداً عن الداخل الإسرائيلي. الرجل يخوض معركة انتخابية صعبة قبل انتخابات مقررة في أكتوبر 2026، وأي تراجع أمام صيغة تُفهم داخلياً على أنها مساومة مع حماس قد يكلّفه كثيراً داخل معسكر اليمين. لذلك يبدو أن نتنياهو يفضّل الحفاظ على خطابه التقليدي القائم على أولوية “الأمن أولاً”، حتى لو أدى ذلك إلى توتير نادر مع إدارة ترامب.

أسوشيتد برس وصفت هذا الرفض بأنه اختبار حساس لعلاقة نتنياهو بواشنطن، خاصة أن ترامب يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه صانع تسويات دولية قبل انتخابات الكونغرس الأمريكية في نوفمبر. لكن المشكلة أن الرئيس الأمريكي، مهما امتلك من أدوات ضغط، لا يستطيع عملياً إنفاذ الخطة من دون موافقة إسرائيل على الانسحاب وتجميد العمليات بالحد الأدنى. هنا تحديداً تظهر حدود القوة الأمريكية حين تصطدم بحسابات الائتلاف الإسرائيلي وبالمزايدات الانتخابية.

الخلاف الحقيقي: الترتيب أم الجوهر؟

الظاهر أن الخلاف يدور حول تسلسل التنفيذ: هل يبدأ نزع السلاح أولاً ثم الانسحاب، أم يجريان تدريجياً وبالتوازي؟ لكن الجوهر أعمق من ذلك. إسرائيل تريد نهاية تُخرج حماس من المعادلة العسكرية والسياسية معاً قبل منح أي مكسب ميداني أو سياسي. أما حماس فتحاول تجنب صورة الاستسلام الكامل، وتبحث عن صيغة تربط أي خطوة أمنية بمكاسب سياسية أوسع، أبرزها إنهاء الحرب وفتح باب الدولة الفلسطينية وإعادة الإعمار.

هذا يعني أن النقاش ليس تقنياً فقط، بل يدور حول تعريف “نهاية الحرب” نفسها: هل هي هزيمة عسكرية كاملة لحماس كما يريد نتنياهو، أم تسوية انتقالية مدعومة دولياً تسمح بتفكيك تدريجي للسلاح ضمن إطار سياسي أوسع كما تريد واشنطن وبعض الوسطاء؟

ماذا تقول الخطة الأمريكية رسمياً؟

البيت الأبيض نشر في 16 يناير 2026 بياناً رسمياً حول “الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة”، وأشار إلى أنها خريطة طريق من 20 نقطة تستهدف السلام الدائم وإعادة الإعمار وإقامة هياكل حكم وانتقال أمني في القطاع. البيان تحدث أيضاً عن تشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” و”قوة تحقيق الاستقرار الدولية”، مع تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلاً رفيعاً لغزة واللواء جاسبر جيفرز قائداً للقوة الدولية. هذه التفاصيل مهمة لأنها تكشف أن الخطة لا تتوقف عند وقف النار، بل تمتد إلى من يحكم غزة وكيف تُدار أمنياً واقتصادياً بعد الحرب.

لكن المشكلة أن أي تصور إداري أو أمني لما بعد الحرب يظل معلقاً إذا تعطلت نقطة البداية: الانسحاب الإسرائيلي المتدرج مقابل مسار نزع السلاح. لذلك فإن رفض نتنياهو لا يعطل بنداً واحداً فقط، بل يجمّد السلسلة كلها، من نشر القوات الدولية إلى إعادة الإعمار.

الدور المصري: لماذا يظل مركزياً؟

بالنسبة للقارئ المصري، تبقى القاهرة الطرف العربي الأهم في هذا الملف، ليس فقط بحكم الجغرافيا وحدود غزة، بل أيضاً لأنها شريك أساسي في الوساطة وصياغة المداخل الواقعية لوقف النار. وزارة الخارجية المصرية أكدت في بيان مصري-قطري حديث أن القاهرة والدوحة تواصلان جهودهما لتقريب وجهات النظر، والعمل على هدنة مؤقتة لمدة 60 يوماً تقود إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، مع فتح المعابر وإدخال المساعدات والبدء في إعادة الإعمار وفق الخطة التي اعتمدتها القمة العربية الطارئة في القاهرة يوم 4 مارس 2025.

وفي بيان مشترك صدر في 9 أغسطس 2026، شددت مصر مع أطراف عربية وإسلامية أخرى على رفض إعلان إسرائيل نيتها فرض السيطرة العسكرية الكاملة على غزة، ودعت إلى الوقف الفوري للعدوان، والسماح غير المشروط بدخول المساعدات، والبدء الفوري في تنفيذ خطة إعادة الإعمار العربية الإسلامية، مع التأكيد على عقد مؤتمر لإعادة إعمار غزة في القاهرة.

هذا الموقف المصري مهم لأنه يقدم بديلاً سياسياً وإقليمياً لفكرة الحسم العسكري المفتوح. فالقاهرة لا تنظر إلى غزة كملف إنساني فقط، بل كقضية أمن قومي إقليمي تتقاطع فيها مسارات التهدئة، ومنع التهجير، والحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية، وتهيئة مسار سياسي قابل للحياة.

الأزمة الإنسانية تضغط على الجميع

بعيداً عن اللغة الدبلوماسية، هناك واقع إنساني يضغط بقوة على المفاوضات. ووفق ما أوردته أسوشيتد برس في 5 أغسطس 2026، فإن عدد القتلى الفلسطينيين في الهجوم الإسرائيلي تجاوز 73,377 بحسب وزارة الصحة في غزة، بينما أفاد مسؤولون في القطاع بأن آلاف المفقودين ما زالوا تحت الأنقاض. وفي السياق نفسه، تواصل الأمم المتحدة عبر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية نشر تحديثات دورية تؤكد استمرار الاحتياجات الضخمة في الغذاء والدواء والمأوى والخدمات الأساسية داخل القطاع.

هذه الأرقام لا تحسم السياسة، لكنها تغيّر مناخها. فكلما طال التعطيل، ارتفعت كلفة استمرار الوضع القائم على إسرائيل سياسياً وأخلاقياً، كما تتسع الضغوط على واشنطن التي تروّج للخطة بوصفها مدخلاً للاستقرار. وفي الوقت نفسه، تراهن حماس على أن طول أمد الأزمة قد يجعل الوسطاء أكثر ميلاً لصيغة تدريجية بدلاً من شرط النزع الكامل والفوري للسلاح.

هل تعرقل إسرائيل خطة ترامب فعلاً؟

الإجابة الأقرب هي: نعم، ولكن ليس وحدها. فإسرائيل، عبر رفض نتنياهو العلني، تعطل اليوم المسار التنفيذي للخطة بوضوح. غير أن الخطة نفسها تعاني أيضاً من ثغرة بنيوية: فهي تفترض إمكانية فصل الترتيبات الأمنية عن جوهر الصراع السياسي، أو على الأقل تأجيله. التجربة تقول إن ذلك صعب للغاية في غزة، حيث لا يمكن لأي ترتيب أمني أن يصمد طويلاً من دون أفق سياسي واضح ومقبول فلسطينياً وعربياً.

من هنا، يمكن فهم موافقة حماس على إطار تفاوضي خاص بالسلاح باعتباره محاولة لكسب موقع تفاوضي أفضل، لا تسليماً نهائياً بالشروط الإسرائيلية. ويمكن فهم رفض نتنياهو باعتباره رسالة داخلية بقدر ما هو اعتراض على الخطة نفسها. أما ترامب (POTUS على إنستغرام بصفته الحساب الرئاسي الرسمي) فيجد نفسه أمام معضلة معروفة: امتلاك مبادرة كبيرة على الورق، مقابل نقص القدرة على فرض تنازلات متبادلة على الأرض.

السيناريوهات الأقرب

  • استمرار الجمود: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير إذا تمسك نتنياهو بشرط النزع الكامل المسبق.
  • صيغة وسط مؤقتة: عبر هدنة أطول، وضبط ميداني، وتفاهمات غير مكتملة حول السلاح من دون إعلان نهائي.
  • تصعيد سياسي وضغط أمريكي أكبر: إذا رأت واشنطن أن الرفض الإسرائيلي يهدد ما تبقى من مصداقية الخطة.

خلاصة المشهد

ما يجري اليوم ليس خلافاً عابراً بين حماس وإسرائيل، ولا حتى مجرد تعثر في مبادرة أمريكية. إنه اختبار لثلاثة أمور دفعة واحدة: مدى قدرة واشنطن على إلزام حليفها الإسرائيلي، وحدود مناورة حماس في ملف السلاح، وقدرة الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر، على منع انهيار المسار السياسي بالكامل. وحتى الآن، تبدو المشكلة الأساسية أن كل طرف يريد نهاية الحرب وفق تعريفه الخاص. وبين هذه التعريفات المتصارعة، تبقى غزة رهينة التوازنات الإسرائيلية والضغوط الأمريكية والجهود العربية الساعية إلى وقف النار وفتح طريق إعادة الإعمار.