Akhbar Cairo

رهان ترامب على إيران: تسوية قسرية أم شرارة فوضى أوسع؟

رهان جديد من البيت الأبيض

في كل مرة يعود فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (@realdonaldtrump على إنستغرام) إلى لغة القوة مع إيران، يعود معها سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: هل الهدف الحقيقي هو إنهاء الحرب بشروط أمريكية، أم دفع المنطقة كلها إلى اختبار جديد لا يمكن ضبط حدوده؟ ما يميز اللحظة الحالية أن المقاربة لا تقف عند حدود العقوبات التقليدية، بل تمزج بين الخنق الاقتصادي، وتوسيع العقوبات الثانوية، والإبقاء على احتمال الضربات العسكرية كأداة ضغط سياسية ونفسية في آن واحد.

القراءة الأهدأ لهذا المسار تقول إن إدارة ترامب تراهن على أن إيران باتت أضعف اقتصاديًا وأكثر تعرضًا للضغط مما كانت عليه في جولات سابقة. لكن القراءة المقابلة، وهي الأهم من زاوية الأمن الإقليمي، ترى أن إضعاف الخصم لا يعني بالضرورة إخضاعه، بل قد يدفعه إلى ردود أكثر خشونة عبر ساحات متعددة في الشرق الأوسط.

ما الذي تغيّر في سياسة واشنطن؟

المعطيات الرسمية الأمريكية خلال 2026 تشير إلى تشدد واضح في بنية العقوبات. وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت في 24 أغسطس 2026 إطلاق حملة اقتصادية موسعة ضد إيران تحت اسم Operation Economic Outcast، وقالت إنها تستهدف شبكات التمويل والتهريب والالتفاف على العقوبات، مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على جهات تتعامل مع طهران. كما أظهرت بيانات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC أن قطاعات إضافية من الاقتصاد الإيراني شملتها الإجراءات، بينها الشحن والتكنولوجيا والطيران والذهب والأصول الرقمية، إلى جانب استمرار استهداف القطاعين النفطي والبتروكيماوي.

هذا يعني عمليًا أن واشنطن لم تعد تكتفي بتقييد صادرات إيران أو عزلها مصرفيًا، بل تسعى إلى رفع تكلفة أي تعامل دولي معها، حتى عبر أطراف ثالثة. والرسالة هنا مزدوجة: الضغط على الداخل الإيراني اقتصاديًا، وتحذير الشركاء الخارجيين من أن أي هامش مناورة مع طهران أصبح أضيق بكثير.

هل أصبح الاقتصاد الإيراني على حافة الانهيار؟

وصف الاقتصاد الإيراني بأنه على وشك الانهيار الكامل قد يكون مبالغة سياسية أكثر منه توصيفًا اقتصاديًا دقيقًا، لكن المؤكد أن الضغوط شديدة. صندوق النقد الدولي أشار في تحديثه الصادر في 8 يوليو 2026 إلى أن اقتصاد إيران مرشح للانكماش بنسبة 5.4% خلال 2026. كما أوضح الصندوق أن التوترات والحرب في المنطقة زادت كلفة الصدمة على اقتصادات الشرق الأوسط، بينما تراجعت التوقعات الإقليمية للنمو بصورة حادة مقارنة بعام 2025.

ومن زاوية أوسع، قال البنك الدولي في تقريره الصادر في 11 يونيو 2026 إن صراع الشرق الأوسط أبطأ النمو العالمي ورفع أسعار الطاقة والتضخم، مع افتراض متوسط لسعر خام برنت عند 94 دولارًا للبرميل خلال 2026 إذا خفت أسوأ الاضطرابات. هذه الأرقام لا تخص إيران وحدها، لكنها تشرح البيئة التي تتحرك فيها: اقتصاد محاصر، إقليم مضطرب، وأسواق طاقة تتفاعل سريعًا مع أي تصعيد جديد.

بعبارة أخرى، نعم، الاقتصاد الإيراني يتعرض لاختناق واضح، لكن هذا لا يترجم تلقائيًا إلى استسلام سياسي. التجربة الإيرانية خلال عقود العقوبات أثبتت أن طهران تستطيع امتصاص قدر من الألم، ولو بثمن اجتماعي ومعيشي مرتفع على الداخل.

المعضلة: الردع أم التوريط؟

المشكلة الأساسية في استراتيجية ترامب ليست في منطق الضغط نفسه، بل في الافتراض الذي تقوم عليه: أن الطرف المقابل سيفضل التراجع بدل توسيع الاشتباك. هذا الافتراض قد ينجح مع دول تبحث عن مخرج اقتصادي سريع، لكنه أكثر تعقيدًا مع إيران، حيث تتداخل حسابات الدولة مع اعتبارات الهيبة الإقليمية وشبكات النفوذ الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط.

إذا اتجهت واشنطن إلى ضربات تمتد لأيام، فإن السؤال لن يكون فقط عن حجم الضرر العسكري، بل عن شكل الرد الإيراني. طهران قد لا تختار المواجهة المباشرة وحدها، بل ربما تميل إلى توزيع الكلفة على أكثر من جبهة، من أمن الملاحة إلى قواعد ومصالح وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وهنا تتحول “الضربة المحدودة” إلى بداية سلسلة أوسع يصعب التحكم في سقفها الزمني والسياسي.

لماذا يهم هذا مصر؟

بالنسبة إلى القارئ المصري، لا يتعلق هذا الملف فقط بصراع بعيد بين واشنطن وطهران. أي اضطراب ممتد في الخليج أو في مسارات الطاقة والشحن ينعكس على أسعار النفط، وتكاليف النقل، ومناخ الاستثمار، وحتى على حركة التجارة المارة عبر المنطقة. صندوق النقد الدولي لفت أيضًا إلى أن الاقتصاد المصري في السنة المالية 2025/2026 سيظل متأثرًا بالحرب من خلال ضعف الاستثمار وارتفاع تكاليف التمويل وزيادة عدم اليقين، حتى مع توقع نمو يبلغ 4.6%.

ومن هنا، فإن اتساع المواجهة الأمريكية الإيرانية لا يُقرأ في القاهرة بوصفه خبرًا خارجيًا فقط، بل باعتباره عامل ضغط إضافي على بيئة اقتصادية إقليمية شديدة الحساسية. مصر ليست طرفًا في هذه المواجهة، لكنها تتأثر بما تخلقه من موجات تضخم، وتوتر في الأسواق، وارتباك في حسابات المستثمرين.

هل يملك ترامب مخرجًا سياسيًا؟

سياسيًا، تبدو استراتيجية ترامب قائمة على صناعة لحظة تفاوض بالقوة: رفع كلفة الصمود الإيراني إلى الحد الذي يجعل التفاوض أقل خسارة من الاستمرار في التحدي. غير أن هذا النوع من التفاوض يحتاج إلى شرطين لا يبدوان مضمونين الآن:

  • أولًا: أن تقتنع إيران بأن واشنطن تريد صفقة فعلًا، لا مجرد استسلام كامل.
  • ثانيًا: أن تستطيع الإدارة الأمريكية ضبط حلفائها وخصومها معًا ومنع انزلاق الميدان إلى ما هو أبعد من الرسائل المحسوبة.

من دون هذين الشرطين، قد تتحول سياسة “الضغط الأقصى” إلى سياسة “المخاطرة القصوى”. فالخصم المحاصر قد يتجه إلى التفاوض، لكنه قد يختار أيضًا رفع الثمن على الجميع، خصوصًا إذا شعر أن البديل المطروح عليه هو خسارة استراتيجية كاملة.

خلاصة المشهد

رهان ترامب الجديد على إيران ليس مجرد تصعيد عسكري محتمل، بل اختبار شامل لفكرة قديمة في السياسة الأمريكية: هل يمكن استخدام القوة الاقتصادية والعسكرية معًا لفرض تسوية مستقرة؟ حتى الآن، الوقائع المتاحة تقول إن واشنطن شددت العقوبات بصورة غير مسبوقة خلال 2026، وإن الاقتصاد الإيراني يتعرض لانكماش واضح، لكن ذلك لا يكفي وحده للجزم بأن طهران باتت على أبواب التراجع الحاسم.

الأقرب إلى الواقع أن المنطقة تقف أمام مفترق بالغ الحساسية: إما أن يُنتج الضغط قناة تفاوض قسرية، وإما أن يفتح بابًا جديدًا للفوضى. وبين الاحتمالين، تبقى الحقيقة الأوضح للقارئ في مصر أن أي مقامرة أمريكية كبيرة مع إيران لن تبقى محصورة بين الطرفين، بل ستدفع المنطقة كلها إلى دفع جزء من الكلفة.