Akhbar Cairo

روبيو يهاجم «العفو الدولية».. ما دلالات السجال حول حرب إيران؟

تصعيد لفظي يكشف معركة أوسع من مجرد رد دبلوماسي

فتح الهجوم الحاد الذي شنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على منظمة العفو الدولية بابًا أوسع للنقاش حول كيفية إدارة واشنطن لمعركة السردية السياسية والقانونية في أي مواجهة عسكرية مع إيران. فالقضية هنا لا تقف عند حدود رفض اتهامات بارتكاب جرائم حرب، بل تمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: من يملك حق تعريف الانتهاك، ومن ينجح في فرض روايته أمام الرأي العام العالمي؟

روبيو، الذي يشغل منصب وزير الخارجية الأمريكي منذ 21 يناير 2025، بحسب سجل مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأمريكية، اختار لغة تصادمية حين وصف منظمة العفو الدولية بأنها «خدعة» أو «جهة زائفة»، رافضًا تحميل الولايات المتحدة مسؤولية جرائم حرب في سياق الحرب المرتبطة بإيران. كما دافع عن آليات التعاون العسكري الأمريكي مع الحلفاء داخل حلف شمال الأطلسي، مؤكدًا أن بلاده لا تنتهك سيادة الدول الحليفة وأن استخدام القواعد يتم وفق بروتوكولات واتفاقات قائمة.

ماذا قال روبيو تحديدًا؟

بحسب ما نُقل عن تصريحاته، فإن روبيو لم يكتفِ برفض اتهامات العفو الدولية، بل حاول قلب اتجاه النقاش بالكامل نحو سجل السلطات الإيرانية في التعامل مع مواطنيها. فقد اعتبر أن المنظمة كان ينبغي أن تركز، من وجهة نظره، على ما وصفه بجرائم النظام الإيراني بحق المحتجين والمصابين داخل المستشفيات، بدلًا من توجيه الانتقاد إلى الولايات المتحدة. هذا الأسلوب ليس جديدًا في الخطاب السياسي الأمريكي؛ إذ يقوم على نزع الشرعية عن الناقد ثم إعادة توجيه النقاش نحو خصم جيوسياسي أكثر سهولة في الحشد السياسي الداخلي والخارجي ضده.

ولفهم خلفية هذا الرد، يجب الانتباه إلى أن تصريحات روبيو جاءت في سياق أسئلة أوسع عن النشاط العسكري الأمريكي المرتبط بالحرب على إيران، ومنها استخدام قواعد ومنشآت عسكرية في دول حليفة، من بينها قاعدة لاجيس الجوية في البرتغال، وفق ما ورد في التغطية التي نقلت تصريحاته. هنا بدا واضحًا أن الوزير الأمريكي كان يحاول الدفاع عن شرعية التحرك العسكري والإجرائي في آن واحد: شرعية الهدف، وشرعية الوسيلة، وشرعية الشراكة مع الحلفاء.

ما الذي كانت تقوله «العفو الدولية»؟

في المقابل، تُظهر بيانات ومواقف منشورة لمنظمة العفو الدولية أن مقاربتها للحرب المرتبطة بإيران لم تقتصر على طرف واحد. المنظمة دعت مرارًا إلى حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني من جميع الأطراف، كما طالبت بإجراء تحقيقات مستقلة في انتهاكات محتملة قد ترقى إلى جرائم حرب، سواء تعلقت بضربات على أحياء سكنية أو منشآت مدنية أو بنى تحتية أساسية. وفي يونيو 2025، دعت المنظمة إلى حماية المدنيين وسط التصعيد غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، ثم واصلت خلال يوليو 2025 نشر تقارير بشأن هجمات على سجن إيفين في طهران، معتبرة أن استهدافه يجب أن يخضع لتحقيق جنائي بوصفه جريمة حرب محتملة.

كما أن المنظمة لم تُغفل الانتهاكات الداخلية في إيران نفسها. فقد عبّرت عن قلقها من الإعدامات والقمع والمحاكمات غير العادلة، وأشارت في تقارير لاحقة إلى مخاوف من التعذيب والإخفاء القسري والتوسع في استخدام عقوبة الإعدام. بهذا المعنى، فإن محاولة تصويرها كما لو كانت تتجاهل سجل طهران الداخلي لا تبدو متسقة تمامًا مع سجلها المنشور.

المفارقة السياسية: واشنطن تهاجم المنظمة وتستفيد من خطاب الحقوق

المفارقة اللافتة أن الإدارة الأمريكية، أو على الأقل خطابها الخارجي، كثيرًا ما تستخدم ملف حقوق الإنسان للضغط على خصومها، وفي مقدمتهم إيران. لكن عندما تتحول اللغة الحقوقية نفسها إلى أداة مساءلة للسياسات الأمريكية أو لعمليات عسكرية تدعمها واشنطن أو تشارك فيها، يصبح الخطاب أكثر عدائية تجاه المنظمات الدولية والحقوقية. هذه الازدواجية ليست أمريكية فقط، لكنها في الحالة الأمريكية تكتسب وزنًا خاصًا بسبب نفوذ واشنطن في المؤسسات الدولية، وحضورها العسكري الواسع، وقدرتها على التأثير في النقاش العالمي حول مفاهيم مثل الشرعية والردع والدفاع عن النفس.

ومن زاوية عربية، وخصوصًا بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه المفارقة مألوفة: القوى الكبرى تطالب بالقانون الدولي حين يخدم مصالحها، ثم تتعامل معه بمرونة شديدة حين يصبح قيدًا على تحركاتها. لهذا فإن السجال بين روبيو ومنظمة العفو الدولية لا ينبغي قراءته بوصفه خلافًا شخصيًا أو إعلاميًا عابرًا، بل باعتباره جزءًا من معركة أوسع على تعريف المسؤولية خلال الحروب الحديثة.

البعد القانوني: بين «الانتهاك المحتمل» و«الإدانة السياسية»

من المهم التمييز هنا بين أمرين: الأول هو الاتهام السياسي أو الإعلامي، والثاني هو التوصيف القانوني الذي يحتاج إلى تحقيق مستقل وأدلة وقرائن. منظمات مثل العفو الدولية تستخدم عادة تعبيرات من قبيل «قد ترقى إلى جرائم حرب» أو «يجب التحقيق فيها»، وهي صياغات تعكس منطق التوثيق الحقوقي لا الحكم القضائي النهائي. أما السياسيون، فيميلون إلى التعامل مع هذه اللغة باعتبارها إدانة مكتملة، ثم يردون عليها بخطاب تعبوي يهدف إلى حماية صورة الدولة ومشروعية أفعالها.

هذا الفارق بالغ الأهمية، لأنه يكشف كيف تتحول اللغة القانونية المتحفظة نسبيًا إلى مادة صدام سياسي مباشر. وفي حالة روبيو، كان واضحًا أنه اختار الرد عبر الهجوم على مصداقية المنظمة بدلًا من الدخول في تفصيلات قانونية تتعلق بالضربات أو معايير التناسب أو التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.

لماذا اختار روبيو هذا الأسلوب؟

ثمة ثلاثة تفسيرات تبدو منطقية. أولًا، أن الخطاب الحاد ينسجم مع مناخ سياسي أمريكي بات أكثر تشككًا في المؤسسات الدولية والحقوقية، خصوصًا داخل التيارات المحافظة. ثانيًا، أن المواجهة مع إيران تظل ملفًا شديد الحساسية في واشنطن، وأي تلميح إلى مسؤولية أمريكية قانونية يمكن أن يتحول إلى عبء سياسي داخلي. ثالثًا، أن التركيز على جرائم الخصم يظل أسهل تسويقيًا من الدفاع التفصيلي عن كل عملية عسكرية وكل قرار ميداني.

وبالنسبة لشخصية مثل ماركو روبيو (@marcorubiofla على إنستغرام)، المعروف بخطاب خارجي متشدد تجاه خصوم الولايات المتحدة، فإن هذا النوع من الردود ينسجم مع صورته السياسية العامة، لا سيما حين يتعلق الأمر بإيران أو بملفات الأمن القومي والتحالفات الغربية. الحساب المذكور هو المقبض الذي ترد الإشارة إليه في قواعد بيانات عامة موثقة لحساباته الرسمية.

ماذا يعني هذا السجال إقليميًا؟

إقليميًا، يعكس السجال أن الحرب المرتبطة بإيران لم تعد مسألة ميدانية فقط، بل معركة متصلة على الذاكرة والتوثيق والمساءلة. فكل ضربة، وكل منشأة مستهدفة، وكل رواية عن ضحايا مدنيين، تتحول سريعًا إلى مادة في صراع دولي على الشرعية. وهنا تبرز قيمة المنظمات الحقوقية، ليس لأنها تملك الحقيقة الكاملة دائمًا، بل لأنها تضع على الطاولة أسئلة لا تريد الدول المتحاربة غالبًا الإجابة عنها علنًا.

وفي المنطقة العربية، حيث يتابع الجمهور أثر أي تصعيد أمريكي-إيراني على أسعار الطاقة، وحركة الملاحة، وأمن الإقليم، فإن هذا النوع من السجالات يهم المتابع المصري أيضًا من زاوية عملية: كلما اتسعت فجوة الثقة بين الحكومات الكبرى والمنظمات الحقوقية، صار الوصول إلى رواية موثوقة أكثر صعوبة، وزادت ضبابية المشهد أمام الجمهور.

الخلاصة: أزمة ثقة في زمن الحرب

الهجوم الأمريكي على منظمة العفو الدولية لا يبدو مجرد رد غاضب على انتقاد محدد، بل مؤشرًا على أزمة أعمق في العلاقة بين القوة العسكرية والمساءلة الحقوقية. روبيو أراد إظهار الحزم، ونقل مركز الاتهام إلى إيران، والدفاع عن شرعية التحرك الأمريكي وحلفائه. لكن ردّه، بحدته وبتجاهله جوهر الأسئلة القانونية، قد يمنح منتقديه حجة إضافية تقول إن القوى الكبرى لا تحتمل الرقابة حين تقترب منها.

في النهاية، ليست المشكلة فقط في من أصاب ومن أخطأ في ساحة المعركة، بل أيضًا في من يملك القدرة على فرض تفسيره لما جرى. وبين الرواية الرسمية الأمريكية، وتقارير المنظمات الحقوقية، ومصالح الحلفاء، تبقى الحقيقة الكاملة في الحروب هي الضحية الأصعب وصولًا. وهذا بالضبط ما يجعل السجال بين روبيو ومنظمة العفو الدولية أكثر من خبر عابر: إنه مرآة لصراع أوسع على القانون والشرعية والذاكرة السياسية في الشرق الأوسط.