Akhbar Cairo

روسيا تصعّد خطابها ضد العقوبات وتراهن على محور مضاد

موسكو ترفع النبرة: من رفض العقوبات إلى السعي لتفريغها من مضمونها

التصعيد الروسي الأخير ضد العقوبات الغربية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد ردّ دعائي جديد، بل كجزء من استراتيجية أطول مدى تحاول من خلالها موسكو تحويل الضغوط المالية والتجارية إلى حافز لبناء شبكات بديلة مع دول تتشارك معها الخصومة نفسها مع واشنطن وحلفائها. في هذا السياق، برز اسم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من جديد بوصفه الواجهة السياسية لهذا الخطاب، إذ شدد في أكثر من مناسبة على أن بلاده تنسق مع إيران ودول أخرى لمواجهة ما تصفه موسكو بـ“العقوبات غير المشروعة”. هذا التوصيف الروسي تكرر بوضوح في تغطيات رسمية روسية نقلت عن لافروف تأكيده “التضامن الكامل” مع طهران في رفض الإجراءات الأحادية، مع الحديث عن مواصلة جهود عملية لتخفيف أثرها على اقتصادي البلدين.

جوهر الرسالة الروسية هنا لا يقتصر على الاعتراض القانوني أو السياسي، بل يتجه إلى هدف أكثر عملية: جعل العقوبات أقل فاعلية بمرور الوقت. ولهذا تطرح موسكو، بالاشتراك مع طهران وشركاء آخرين، أدوات بديلة تشمل المدفوعات بالعملات الوطنية، وبناء قنوات مصرفية أقل ارتباطًا بالنظام المالي الغربي، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد واللوجستيات بعيدًا عن نقاط الاختناق التي تسيطر عليها أوروبا والولايات المتحدة. الكرملين كان قد ربط مرارًا بين فكرة السيادة الاقتصادية وتوسيع التسويات بعملات غير الدولار واليورو، وهو خطاب يتكرر كذلك في وثائق وشروحات رسمية روسية حول ضرورة بناء بنية مالية “مستقلة عن التأثيرات الخارجية”.

لماذا إيران تحديدًا؟

اختيار إيران كشريك بارز في هذا المسار ليس تفصيلاً ثانويًا. طهران تملك خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات الأميركية، ونجحت عبر سنوات في تطوير شبكات تجارة وتمويل وتوريد موازية، حتى وإن بقيت هذه الشبكات محدودة الكفاءة مقارنة بالاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي. ومن وجهة نظر موسكو، فإن التعاون مع دولة خاضت هذا النوع من “الاقتصاد تحت الحصار” يمنح روسيا خبرات عملية وأدوات اختبار جاهزة. لهذا جاءت الإشارة الروسية إلى تنسيق الجهود مع إيران منسجمة مع ما أعلن سابقًا عن توقيع إعلان مشترك بين البلدين في 5 ديسمبر 2023 يهدف إلى مواجهة وتخفيف آثار العقوبات والإجراءات القسرية الأحادية. هذا الإعلان وصفه لافروف آنذاك بأنه خطوة مهمة نحو مضاعفة التنسيق بين أطراف دولية متضررة من العقوبات الأميركية والغربية.

وتعزز هذا المسار لاحقًا عبر معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وإيران، التي وُقعت في موسكو يوم 17 يناير 2025 خلال زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى روسيا، بحسب الموقع الرسمي للكرملين. ورغم أن المعاهدة تتجاوز ملف العقوبات إلى مجالات أوسع تشمل السياسة والاقتصاد والنقل والطاقة، فإن بعدها الأهم يتمثل في منح التعاون الثنائي غطاءً مؤسساتيًا طويل الأجل، بما يسمح بتحويل التنسيق من رد فعل ظرفي إلى إطار دائم.

هل تستطيع روسيا فعلًا “إسقاط” العقوبات؟

سياسيًا، تستخدم موسكو تعبيرات حادة توحي بأن العقوبات الغربية ستفشل أو “تسقط”. لكن اقتصاديًا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. العقوبات لم تُسقط الاقتصاد الروسي، لكنها بالتأكيد رفعت كلفة التمويل، وقلصت الوصول إلى التكنولوجيا الغربية، وأعادت توجيه التجارة الروسية قسرًا نحو مسارات بديلة. لذلك فإن الحديث عن “إسقاط” العقوبات لا ينبغي فهمه حرفيًا بوصفه إلغاءً لها، بل باعتباره مسعى إلى تقليل قدرتها على خنق الاقتصاد الروسي أو عزله بالكامل.

هذا الفارق مهم جدًا للقارئ المصري والعربي: فالعقوبات في التجربة الروسية لا تعمل كمفتاح تشغيل وإيقاف، بل كأداة إنهاك تدريجي. ولذلك تحاول موسكو بناء ما يشبه “اقتصاد الممرات البديلة”، حيث تتحول التجارة والاستثمارات والمدفوعات إلى شبكات أقل تعرضًا للرقابة والضغط الغربي. الخطاب الروسي عن توسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة الثنائية مع الشركاء يندرج ضمن هذا المسار، تمامًا كما تفعل موسكو مع بعض شركائها في آسيا والفضاء الأوراسي.

ما الذي تكسبه موسكو من هذا الخطاب؟

  • داخليًا: إرسال رسالة إلى الرأي العام الروسي بأن الدولة لم تعد في موقع الدفاع، بل تحاول قلب معادلة الضغط.
  • خارجيًا: طمأنة الشركاء التجاريين بأن التعامل مع روسيا لا يزال ممكنًا عبر ترتيبات بديلة.
  • دبلوماسيًا: توسيع جبهة الدول المعترضة على العقوبات الأحادية، خاصة داخل التكتلات غير الغربية.
  • اقتصاديًا: تشجيع المزيد من الاعتماد على الروبل والعملات المحلية في التسويات وتخفيف التعرض للنظام المالي الغربي.

الدول الأخرى: من هم الشركاء المحتملون؟

المصادر الروسية الرسمية تتحدث عادة عن “إيران ودول أخرى” من دون وضع قائمة مغلقة. لكن ما يمكن استنتاجه من الخطاب الروسي في السنوات الأخيرة هو أن المقصود غالبًا شبكة من الدول التي تسعى إلى تنويع قنواتها الاقتصادية أو تخشى بدورها من استخدام العقوبات كسلاح جيوسياسي. كما تشير موسكو في مناسبات مختلفة إلى وجود داعمين لمواقفها داخل الأمم المتحدة، وبين دول تصفها بأنها متمسكة بميثاق المنظمة الدولية ورافضة للعقوبات الأحادية.

مع ذلك، لا يعني هذا أن تلك الدول ستنخرط في محور سياسي صلب تقوده روسيا. كثير من الشركاء المحتملين يفضلون الاستفادة من الفرص التجارية مع موسكو من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الغرب. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: قدرة روسيا على تحويل التعاطف السياسي أو المصلحة الاقتصادية المحدودة إلى بنية تعاون مستقرة وعميقة ليست مضمونة دائمًا.

ماذا يعني ذلك للشرق الأوسط ولمصر؟

بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تتقاطع المسألة مع ملف أكبر: كيف تعيد القوى الإقليمية والدولية ترتيب نفوذها في منطقة تتأثر مباشرة بتوترات الطاقة والممرات البحرية وأسعار السلع؟ التنسيق الروسي الإيراني في ملف العقوبات ليس مسألة ثنائية معزولة، لأنه يرتبط أيضًا بممرات التجارة، وأسواق الطاقة، ومساحات النفوذ السياسي من الخليج إلى آسيا الوسطى. كما أن أي توسع في الالتفاف على العقوبات قد يعيد رسم بعض شبكات التجارة الإقليمية ويغير أولويات الشحن والتسعير والتمويل.

ومن زاوية مصرية، لا تبدو القاهرة معنية بالاصطفاف داخل معسكرات العقوبات بقدر ما تنشغل بتداعياتها العملية على الاستقرار الإقليمي وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء والطاقة. الهيئة العامة للاستعلامات في مصر كانت قد أكدت في مواد تحليلية ورصد رسمي أن القاهرة ركزت على خفض التصعيد الإقليمي والدفع نحو الحلول الدبلوماسية، خصوصًا مع تصاعد التوترات المرتبطة بإيران خلال 2025 و2026. هذا ينسجم مع المصلحة المصرية التقليدية في منع انتقال الصدمات الجيوسياسية إلى البحر الأحمر وأسواق الطاقة وحركة التجارة.

بين الرسالة السياسية والواقع الاقتصادي

الأرجح أن موسكو لن تنجح في إنهاء نظام العقوبات الغربية، لكنها قد تنجح جزئيًا في إضعاف مفاعيله عبر توسيع التعاون مع طهران وشركاء آخرين. هنا تكمن المفارقة: كلما طال أمد العقوبات، زادت الحوافز لدى الدول المستهدفة لتطوير أدوات التفاف جديدة. لكن في المقابل، فإن بناء بدائل كاملة للنظام المالي والتجاري الغربي يحتاج سنوات، ويصطدم بعقبات تتعلق بالثقة، وقابلية التحويل، والتكنولوجيا، والتأمين، والتمويل.

لهذا فإن الرسالة الروسية الأكثر دقة ليست أن العقوبات ستنهار غدًا، بل أن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها قدرة الغرب على الاحتكار الكامل لقواعد اللعبة الاقتصادية. بالنسبة لروسيا، التنسيق مع إيران ليس مجرد شراكة أزمة، بل نموذج مصغر لعالم متعدد المسارات. أما بالنسبة للقارئ في مصر، فالمغزى الأهم هو أن معركة العقوبات لم تعد مجرد خلاف بين موسكو والغرب، بل باتت عنوانًا لصراع أوسع على شكل الاقتصاد الدولي نفسه، ومن يملك مفاتيح الحركة فيه ومن يُحرم منها.

وفي هذا الإطار، يصبح فهم تصريحات لافروف (@mid_rf على إنستغرام، حساب وزارة الخارجية الروسية) جزءًا من قراءة أوسع لا تكتفي بما يقال في المؤتمرات الصحفية، بل تربطه بما يجري فعليًا على الأرض: معاهدات، ومدفوعات بعملات محلية، وشبكات تجارة جديدة، ومنافسة مفتوحة على إعادة تعريف النفوذ الاقتصادي في النظام الدولي. وإذا كان الغرب يراهن على إطالة الضغط، فإن موسكو تراهن بالمقابل على الوقت نفسه، لكن بوصفه فرصة لتآكل أثر العقوبات لا لتعاظمه. هذا هو جوهر الرهان الروسي الآن.